لم تعد أزمات المناخ تهدد المحاصيل في مناطق منفردة فحسب، بل باتت تنذر باضطرابات متزامنة في مناطق الإنتاج الزراعي حول العالم، بما يضع سلاسل إمداد الغذاء تحت ضغط متزايد، ويزيد احتمالات نقص المنتجات وارتفاع أسعارها. ورغم وضوح هذه المخاطر، لا تزال نماذج تستخدمها شركات الأغذية لتوقع إنتاج المحاصيل تعجز عن احتساب مجموعة من الظواهر المناخية المتطرفة، ما قد يجعل الشركات أقل قدرة على توقع الأزمات والاستعداد لها.
وحذرت إلِنور نيومان بيكيت، في مقال رأي نشرته رويترز، من أن كثيرًا من شركات الأغذية قد تقلل من حجم المخاطر المناخية التي تهدد إمداداتها، لأن الأدوات المستخدمة في تقدير المحاصيل المستقبلية لا تعكس بصورة كافية ما يحدث بالفعل في الحقول، من حرائق غابات وجفاف وفيضانات وعواصف وانتشار للآفات وتدهور للتربة.
وتكتسب هذه الثغرة أهمية خاصة مع تحذيرات كبرى متاجر التجزئة البريطانية من نقص بعض المنتجات الغذائية وارتفاع أسعارها، في وقت يواجه فيه المنتجون في أوروبا ودول الجنوب العالمي ضغوطًا متزايدة بفعل الظروف المناخية القاسية.
نماذج تتجاهل المخاطر التي تتكشف أمام أعين الجميع
تعتمد شركات الأغذية على نماذج لتوقع إنتاج المحاصيل بهدف تحديد مصادر التوريد المستقبلية، واختيار المناطق التي يمكن الاعتماد عليها، وتوجيه الاستثمارات إلى المزارع الأكثر احتياجًا إلى التكيف مع تغير المناخ.
لكن تقريرًا جديدًا صادرًا عن ائتلاف الغذاء واستخدام الأراضي (Food and Land Use Coalition)، بالتعاون مع مؤسسة سيستيميك (Systemiq) والمجلس العالمي للأعمال من أجل التنمية المستدامة، يكشف عن فجوات في هذه الأدوات، التي لا تشمل جميع المخاطر المناخية المؤثرة في الإنتاج الزراعي.
ويشير التقرير، المعروف باسم «Re-WIRE»، إلى أن نماذج توقع المحاصيل قد لا تلتقط بصورة كافية مخاطر حرائق الغابات، رغم تسجيل أكثر من 200 حريق غابات في المملكة المتحدة خلال صيف 2026، إلى جانب اندلاع حرائق جديدة في البرازيل بعد موسم حرائق قياسي شهدته البلاد في عام 2024.
ولا تقف المشكلة عند الحرائق؛ إذ يمكن لإزالة الغابات أن تغير أنماط هطول الأمطار ومواعيد المواسم الزراعية، وهو ما ينعكس مباشرة على إنتاجية المحاصيل.
وفي بعض مناطق البرازيل، أسهمت إزالة غابات الأمازون في تأخير موسم الأمطار لمدة تصل إلى 76 يومًا، وفق ما أورده المقال، مع تأثيرات سلبية على إنتاج فول الصويا.
وتعني هذه النتائج أن تقييم مخاطر المحاصيل لا يمكن أن يقتصر على درجات الحرارة أو كميات الأمطار المتوقعة، بل ينبغي أن يأخذ في الحسبان التأثيرات المتداخلة بين إزالة الغابات والحرارة والجفاف والفيضانات والأمراض والآفات وتدهور التربة.
عندما تتزامن الصدمات المناخية.. تنهار ميزة تنوع مناطق الإنتاج
على مدار سنوات، وفّر تنوع المناطق الجغرافية التي تنتج الغذاء نوعًا من الحماية لشركات الأغذية؛ فإذا تضرر محصول في منطقة، أمكن للمشترين البحث عن بدائل في مناطق أخرى.
لكن تغير المناخ يضعف هذه الميزة، مع تزايد احتمالات تعرض مناطق إنتاج متعددة للظروف القاسية نفسها خلال فترة متقاربة، بما يقلص المعروض المتاح ويجعل تعويض النقص أكثر صعوبة.
وتوضح أزمة الكاكاو في غرب أفريقيا عام 2024 كيف يمكن لتداخل العوامل المناخية والزراعية أن يفاقم الأزمات؛ فقد أسهمت الأمطار الغزيرة، إلى جانب الأمراض التي أصابت المحاصيل، في ارتفاع أسعار الكاكاو.
وتكمن المشكلة الأساسية في أن الشركات لا تمتلك دائمًا أدوات كافية لتقدير احتمال وقوع صدمات متعددة في سلاسل التوريد، أو حساب الخسائر المحتملة إذا تعرضت عدة مناطق منتجة للاضطرابات في الوقت نفسه.
ومن دون هذه البيانات، تصبح قرارات الشراء والتخزين والتوريد أقل قدرة على الاستجابة المبكرة للمخاطر، بينما تزداد صعوبة التنبؤ بنقص الغذاء وارتفاع أسعاره قبل وصول تأثيراته إلى الأسواق.
من خسائر المزارعين إلى فاتورة المستهلك
لا تتوقف تداعيات الصدمات المناخية عند حدود الحقول؛ فمع تراجع المحاصيل، تنخفض دخول المزارعين، ويتنافس المشترون على كميات أقل من المنتجات، ثم تنتقل آثار الأزمة تدريجيًا إلى المستهلكين في صورة ارتفاع الأسعار أو اختفاء بعض السلع أو تراجع القدرة على تحمل تكلفتها.
وتكشف بيانات القطاع الزراعي الأوروبي عن حجم الخطر المالي. فقدرت دراسة حديثة لبنك الاستثمار الأوروبي والمفوضية الأوروبية أن الأحوال الجوية المعاكسة تكبد الزراعة في الاتحاد الأوروبي خسائر تتجاوز 28 مليار يورو سنويًا، في حين لا تغطي التأمينات سوى ما بين 20% و30% من هذه الخسائر.
وتبرز هذه الفجوة مدى تعرض المزارعين والمنتجين لمخاطر لا تغطيها أدوات الحماية المالية الحالية، كما تكشف الحاجة إلى الانتقال من التعامل مع الخسائر بعد وقوعها إلى الاستثمار في الوقاية والتكيف والاستعداد المسبق.
<
div class=”mceTemp”>
الاستثمار في التكيف المناخي ليس تكلفة إضافية
تؤكد الكاتبة أن تعزيز قدرة القطاع الزراعي على الصمود أمام تغير المناخ يمكن أن يحقق عوائد اقتصادية واجتماعية ملموسة، بدلًا من النظر إليه باعتباره تكلفة إضافية تتحملها الشركات في إطار الاستدامة.
ويمكن أن تشمل هذه الاستثمارات الزراعة التجديدية، واستعادة النظم البيئية، وحماية الغابات، وتحسين إدارة الأراضي والمياه، إلى جانب دعم المزارعين لتطوير ممارسات أكثر قدرة على مواجهة الجفاف والحرارة والاضطرابات المناخية.
وبحسب دراسة لمعهد الموارد العالمية، يمكن للاستثمار في التكيف مع تغير المناخ أن يحقق عوائد مجتمعية سنوية تبلغ 27%.
لكن تحويل هذه الفرص إلى قرارات استثمارية يتطلب بيانات موثوقة توضح المخاطر الفعلية، والخسائر المحتملة، والعائد المتوقع من الاستثمار في حماية المحاصيل والمناطق الزراعية وسلاسل الإمداد.
ما الذي يمكن أن تتعلمه شركات الأغذية من قطاع التأمين؟
لا يتطلب بناء أنظمة أكثر دقة لتقييم المخاطر بالضرورة اختراع تقنيات جديدة بالكامل؛ إذ يقدم قطاع التأمين نموذجًا يمكن الاستفادة منه.
فبعد أن فاجأ إعصار أندرو قطاع التأمين في عام 1992، طورت شركات التأمين نماذج لمحاكاة مخاطر الكوارث، تسمح بتقدير سيناريوهات متعددة للخسائر المحتملة الناجمة عن الكوارث الطبيعية، وحساب متوسط تكلفتها، وتقييم مقدار الخسائر التي يمكن تجنبها من خلال الاستثمار في إجراءات الحماية.
وأصبحت هذه النماذج أداة مهمة في توجيه الاستثمارات إلى المباني وشبكات الكهرباء والموانئ وغيرها من البنى التحتية المعرضة للمخاطر.
ويرى المقال أن الغذاء، باعتباره من أهم مقومات الحياة والبنية الأساسية للمجتمعات، يستحق نهجًا مماثلًا، يقوم على بيانات قادرة على كشف المخاطر المناخية التي تواجه المحاصيل ومناطق الإنتاج وسلاسل التوريد، وتحديد التدخلات التي يمكن أن تحد من الخسائر قبل وقوعها.
ثلاثة أطراف مطلوبة لحماية سلاسل إمداد الغذاء
يدعو المقال إلى تحرك مشترك من شركات الأغذية والمؤسسات المالية والحكومات، لبناء منظومة أكثر فاعلية لرصد مخاطر المناخ والتعامل معها.
أولًا: شركات الأغذية، مطالبة بتبني بيانات أكثر شمولًا للمخاطر، واختبار قدرة سلاسل التوريد على تحمل سيناريوهات مناخية متعددة، بما في ذلك تعرض مناطق إنتاج رئيسية للأضرار في الوقت نفسه، بدلًا من الاعتماد على توقعات منفصلة لكل منطقة.
ثانيًا: البنوك وشركات التأمين، مطالبة بتطوير منتجات مالية تكافئ الاستثمار في تعزيز قدرة المزارع والمناطق الزراعية على الصمود، بدلًا من الاقتصار على تعويض الخسائر بعد وقوعها.
ثالثًا: الحكومات، مطالبة بتمويل بنية تحتية للبيانات المفتوحة تتيح معلومات موثوقة عن المخاطر المناخية والزراعية، بما يساعد الشركات والمزارعين والممولين على اتخاذ قرارات أفضل.
ويمكن لهذه المنظومة أن تتيح للشركات مقارنة الخسائر المتوقعة بتكلفة الاستثمار في التكيف، وتحسين اختيار مناطق التوريد، وتوجيه التمويل إلى المزارع والمناظر الطبيعية الأكثر احتياجًا إلى الحماية، إلى جانب إبرام عقود طويلة الأجل تمنح المزارعين قدرًا أكبر من الثقة للاستثمار في ممارسات زراعية أكثر مرونة.
الأمن الغذائي يبدأ قبل وقوع الأزمة
تكشف هذه التحذيرات أن مواجهة تأثيرات تغير المناخ على الغذاء لا تقتصر على زيادة الإنتاج أو البحث عن مناطق زراعية بديلة، بل تتطلب فهمًا أدق لكيفية تفاعل المخاطر المناخية وانتقالها عبر سلاسل الإمداد والأسواق.
فإذا كانت النماذج المستخدمة داخل مجالس إدارات الشركات لا تواكب التغيرات التي تحدث بالفعل في الحقول، فقد تستمر القرارات التجارية في الاستناد إلى تقديرات تقلل من حجم الخطر، حتى مع تزايد مؤشرات نقص المحاصيل وارتفاع تكاليف الإنتاج.
وتتمثل الخطوة الحاسمة في الانتقال من الاستجابة المتأخرة للأزمات إلى الاستعداد المبكر لها، عبر بيانات أفضل، واستثمارات في التكيف، وأدوات مالية تشجع على الوقاية، وتعاون بين القطاعين العام والخاص.
فالطقس الذي يتغير خارج نوافذ المكاتب أصبح واقعًا ملموسًا في المزارع والأسواق، والتحدي الآن هو أن تتغير معه نماذج التوقع وقرارات الاستثمار، قبل أن تتحول صدمات المناخ إلى أزمات أوسع في توافر الغذاء وقدرة المستهلكين على شرائه.
