من بين آلاف الكنوز التي تحتضنها مصر، يظل تمثال الملك رمسيس الثاني أحد أبرز رموز الحضارة المصرية القديمة، ليس فقط لعظمته الفنية والتاريخية، بل أيضًا لمسيرته الفريدة التي تجسد عبقرية المصريين في الحفاظ على تراثهم رغم تعاقب العصور.
https://drive.google.com/file/d/1PZhhCZVe2cI3SZpz5_ZQy3k5W3MgyN_X/view?usp=sharing
من معابد الأقصر إلى قلب القاهرة
يعود أصل تمثال رمسيس الثاني إلى معبده الجنائزي في منطقة ميت رهينة (الجيزة)، بالقرب من العاصمة القديمة منف، حيث اكتُشف في أربعينيات القرن الماضي، منحوتًا من حجر الجرانيت الوردي بارتفاع يبلغ نحو 11 مترًا ووزن يقارب 83 طنًا.
كان التمثال رمزًا للعظمة والقوة، يصور الملك واقفًا مهيبًا، بملامح صارمة، وتاج مزدوج يرمز إلى توحيد مصر العليا والسفلى، في مشهد يجسد هيبة الفرعون المحارب والإله الحاكم في آنٍ واحد.

نقله إلى ميدان رمسيس.. لحظة ميلاد رمزية جديدة
في عام 1955، اتُخذ قرار بنقل التمثال من موقعه الأصلي إلى قلب العاصمة الحديثة، ليُقام شامخًا في ميدان باب الحديد الذي حُمل اسمه لاحقًا وأصبح يعرف بـ ميدان رمسيس.

تمت عملية النقل في مشهد مهيب تابعه المصريون والعالم، إذ تحرك العملاق الحجري عبر شوارع القاهرة في رحلة استغرقت يومين كاملين، وسط دهشة الناس وتصفيقهم.
تحول التمثال خلال العقود التالية إلى أيقونة حضارية وشعبية، ورمزًا لصمود المصريين وارتباطهم بجذورهم القديمة، حتى أصبح ميدان رمسيس نفسه علامة من علامات القاهرة الحديثة.

نحو المتحف المصري الكبير.. رحلة العبور إلى المستقبل
مع بداية الألفية الجديدة، بدأ التفكير في إعادة التمثال إلى بيئة مناسبة تحفظ قيمته التاريخية وتقلل من تأثير التلوث والضوضاء المحيطة به في وسط العاصمة.
وفي 25 أغسطس 2006، شهد المصريون واحدة من أعظم عمليات النقل الأثري في التاريخ الحديث، عندما نُقل التمثال العملاق من ميدان رمسيس إلى منطقة الأهرامات استعدادًا لعرضه في بهو المتحف المصري الكبير.
استغرقت الرحلة أكثر من 10 ساعات، بمشاركة مئات المتخصصين في الآثار والهندسة والجيولوجيا، ووسط متابعة مباشرة من وسائل الإعلام المحلية والدولية.

وفي مشهدٍ مؤثر، وصل التمثال إلى موقعه الجديد وسط تصفيق آلاف المواطنين الذين اصطفوا على جانبي الطريق لمتابعة الحدث، ليبدأ فصلًا جديدًا في رحلته الممتدة لآلاف السنين.

مكانته التاريخية والرمزية في المتاحف المصرية
يحتل تمثال رمسيس الثاني اليوم المدخل الرئيسي للمتحف المصري الكبير، كحارس رمزي للمتحف وأول ما يراه الزائرون عند دخولهم هذا الصرح العالمي.
اختيار هذا الموقع لم يكن مصادفة، بل جاء ليجسد فكرة عبور الحضارة المصرية من الماضي إلى المستقبل؛ فالمتحف الكبير هو امتداد حديث للمتحف المصري القديم في التحرير، كما أن تمثال رمسيس يمثل رمز القيادة والعظمة في الدولة الحديثة التي أسسها الفراعنة.
تُعد شخصية رمسيس الثاني – الذي حكم مصر أكثر من 66 عامًا (1279–1213 ق.م) – من أعظم ملوك التاريخ الإنساني، إذ قاد البلاد إلى ذروة مجدها العسكري والعمراني، وبنى معابد خالدة مثل أبو سمبل والرمسيوم، وأقام عشرات المسلات والتماثيل الضخمة في أنحاء البلاد.

لذا فإن وجود تمثاله في قلب المتحف المصري الكبير لا يرمز فقط إلى الملكية والقوة، بل أيضًا إلى استمرارية الهوية المصرية عبر العصور، وإلى قدرة المصريين على إحياء تراثهم بما يليق بمكانته العالمية.

من حجر إلى أسطورة
اليوم، يقف تمثال رمسيس الثاني شامخًا في بهو المتحف المصري الكبير، مضاءً بضوء الشمس الطبيعي الذي يخترق الواجهة الزجاجية المطلة على الأهرامات، في تناغم بصري بين الفرعون العظيم وأجداده البنائين.
هو ليس مجرد قطعة أثرية، بل سفير الحضارة المصرية الذي يروي قصة مصر من فجر التاريخ حتى الحاضر، ويُذكر العالم بأن هذه الأرض هي مهد الإنسان والحضارة.







