د.فوزي يونس: حلول من البحر.. كيف يقود الاقتصاد الأزرق معركة المناخ؟

أستاذ بمركز بحوث الصحراء- خبير العمل المناخي والاستدامة

على الرغم أن المحيطات تعد أكبر مخزن طبيعي للكربون على الكوكب وأهم منظومة بيئية لتنظيم المناخ وتغطي أكثر من 70٪ من سطح الأرض وتمتص نحو 25–30٪ من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سنويا فإنها بقيت لعقود طويلة خارج دائرة التركيز الفعلي في سياسات ومفاوضات المناخ.

إلا أن القمة المناخية الأخيرة (COP30) أعادت إحياء “الملف الأزرق” بقوة من خلال مبادرات عالمية أكدت أن المحيط ليس مجرد ضحية للاحترار العالمي، بل ركيزة رئيسية للحلول المستقبلية.

ومن خلال هذا المقال نستعرض أبرز تلك المبادرات ونوضح كيف يمكن للاقتصاد الأزرق أن يسهم في خفض الانبعاثات وتحقيق تحول بيئي مستدام.

 

 

وفي هذا السياق برزت ثلاث محطات محورية:

1. حزمة المحيط الأزرق – Blue Package
2. تحدي دمج المحيط في NDCs
3. التزام برازيلي هو الأكبر في أميركا الجنوبية

 

هذا ويمكن أن  نستعرض هذه المحطات بشكل أكثر تفصيلا وتوضح كيف يمكن للإقتصاد الأزرق أن يسهم فعليا في خفض غازات الاحتباس الحراري وفي النهاية يمكنني طرح خطة تنفيذية للتفعيل.

 

أولا: حزمة المحيط الأزرق – Blue Package

 

قدمت الباحثة البرازيلية مارينيز شيرير خطة “طوعية” تمتد حتى عام 2028 وصفت بأنها “خطّة إنقاذ زرقاء” تركّز على تحويل المحيط إلى منصة لحلول مناخية وابتكار اقتصادي.

 

أهم مكوّنات الحزمة

 

1. تسريع مشاريع طاقة الرياح البحرية

 

إنتاج الطاقة النظيفة من السواحل العميقة والضحلة.

 

مضاعفة القدرة العالمية لطاقة الرياح البحرية بحلول 2030.

 

2. توسيع المحميات البحرية

 

حماية الشعاب المرجانية، الأعشاب البحرية، وغابات المانجروف.

 

زيادة المناطق البحرية المحمية إلى 30٪ من المحيطات عالميا.

 

 

3. تعزيز أنظمة غذائية بحرية مستدامة

 

دعم الاستزراع السمكي منخفض الانبعاثات.

 

حماية مخزون الأسماك وتطوير سلاسل القيمة “الزرقاء”.

 

 

4. التحول نحو شحن خال من الانبعاثات

 

تشجيع وقود الأمونيا والميثانول الأخضر.

 

بناء ممرات ملاحية خضراء (Green Shipping Corridors).

 

 

هذه الخطة تعد مرجعا عمليًا لتفعيل “الحلول البحرية”.

 

 

ثانيا: إدماج المحيطات في الخطط الوطنية للمناخ NDCs

 

فقد أعلنت 17 دولة انضمامها إلى تحدّي NDC الأزرق وهو التزام طوعي يهدف إلى جعل المحيط جزءا رسميا من خططها المناخية.

 

ماذا يعني ذلك؟

 

إدخال المانجروف ومصائد الأسماك وموائل البحر في حسابات “الانبعاثات والامتصاص”.

 

تطوير سياسات وطنية للحماية الساحلية والطاقة البحرية.

 

ربط الدول الساحلية بفرص التمويل المناخي الأزرق.

 

هذه الخطوة تعد من أكثر التحولات أهمية لأنها عالجت الفجوة التشريعية في دمج المحيط ضمن سياسات المناخ الدولية.

 

 

ثالثا: الالتزام البرازيلي غير المسبوق

 

أعلنت البرازيل انضمامها إلى التحالف رفيع المستوى للاقتصاد الأزرق المستدام، وتعهدت بإدارة 3.68 مليون كم² من مناطقها الساحلية والبحرية إدارة مستدامة بحلول عام 2030.

 

أهمية هذا الالتزام:

 

هو أكبر التزام بيئي بحري في أمريكا الجنوبية.

 

يعزز فرص اعتماد حلول طبيعية مثل المانجروف والأعشاب البحرية.

 

يدعم خطة البرازيل للتحول إلى دولة محورية في الاقتصاد الأزرق.

 

 

الاقتصاد الأزرق ودوره في الحد من تغيّر المناخ

 

يمثل “الاقتصاد الأزرق” نموذجًا تنمويًا قائمًا على الاستخدام المستدام للمحيطات ويتضمن قطاعات مثل:

 

الطاقة البحرية

 

النقل البحري الأخضر

 

السياحة الساحلية المستدامة

 

مصايد الأسماك والإستزراع السمكي

 

التنقيب المستدام

 

حماية النظم البيئية

 

 

كيف يساهم الاقتصاد الأزرق في خفض غازات الاحتباس الحراري؟

 

1. الحجز البيولوجي للكربون – Blue Carbon

 

النظم البيئية البحرية الساحلية، مثل:

 

المانجروف

 

الأعشاب البحرية (Seagrasses)

 

مستنقعات المد والجزر

 

 

لديها قدرة على احتجاز الكربون بكفاءة تفوق الغابات البرية بـ 3 إلى 5 مرات.

 

وتعمل هذه النظم على:

 

امتصاص CO₂ من الغلاف الجوي.

 

تخزينه لآلاف السنين في التربة البحرية.

 

حماية السواحل من التآكل وتقليل خسائر التغير المناخي.

 

 

2. الطاقة البحرية المتجددة

 

الرياح البحرية والأمواج والمد والجزر.

إحلال هذه الطاقات يقلل انبعاثات قطاع الكهرباء والذي يعد أحد أكبر مصادر CO₂.

 

3. النقل والشحن الأخضر

 

قطاع الشحن مسؤول عن 3٪ من الانبعاثات العالمية.

التحول للوقود الأخضر والابتكار في السفن يقلل الانبعاثات بشكل جذري.

 

4. الاستزراع السمكي منخفض الانبعاثات

 

تربية الأسماك والمحار أكثر كفاءة من اللحوم الحمراء من حيث:

 

البصمة الكربونية

 

استهلاك المياه

 

استهلاك الأراضي

وبالتالي فهو بديل غذائي مستدام.

 

 

هذا ويمكنني وضع خطة تنفيذية محددة المحاور (ثلاث محاور) لتفعيل الاقتصاد الأزرق في العمل المناخي كالتالي:

 

المرحلة الأولى: الإطار التشريعي والسياسات (0–12 شهرا)

 

1. إدراج “الحلول البحرية” ضمن الخطط الوطنية للمناخ (NDCs).

 

 

2. إصدار قانون وطني للاقتصاد الأزرق المستدام.

 

 

3. إنشاء مجلس أعلى للاقتصاد الأزرق ينسّق بين وزارات البيئة – الزراعة – النقل – الطاقة.

 

 

المرحلة الثانية: مشروعات التنفيذ السريع (1–3 سنوات)

 

1. دعم برنامج المانجروف علي المستويات الوطنية

 

إعادة تأهيل 50–100 ألف فدان.

 

* إنشاء حضانات للشتلات البحرية.

 

* ايجاد تمويل عبر صندوق المناخ الأخضر (GCF).

 

 

2. الطاقة البحرية

 

إطلاق مزادات لطاقة الرياح البحرية.

 

شراكات مع شركات دولية (مثل Orsted – Siemens).

 

 

3. ممرات شحن خضراء

 

تحويل موانئ مختارة إلى موانئ منخفضة الانبعاثات.

 

توفير وقود أمونيا / هيدروجين أخضر.

 

 

4. تحديث أساطيل الصيد والمراقبة

 

نظام رقمي لمراقبة مخزون الأسماك.

 

دعم الاستزراع السمكي منخفض الانبعاثات.

 

 

 

المرحلة الثالثة: البنية المعرفية والبحثية (دائم)

 

1. إنشاء مراكز بحثية لعلوم المناخ البحري.

 

 

2. تطوير نظم رصد للكربون الأزرق.

 

 

3. برامج تدريب لصناع القرار حول الاقتصاد الأزرق.

 

 

وفي الختام يمكن القول إن إدماج المحيطات في سياسات المناخ لم يعد رفاهية فهي تمثل أكبر منظومة طبيعية لحجز الكربون وأحد أهم مصادر الطاقة المتجددة المستقبلية والحامي الأول للسواحل من آثار التغير المناخي.

وقد أكدت المبادرات العالمية الحديثة—من حزمة المحيط الأزرق وتحدي NDC الأزرق وصولًا إلى الالتزام البرازيلي واسع النطاق—أن استعادة الدور البيئي للمحيطات وتفعيل الاقتصاد الأزرق يشكلان فرصة حقيقية للحد من الانبعاثات وتعزيز القدرة على التكيف. فموائل الكربون الأزرق،

والطاقة البحرية والشحن الأخضر، وإدارة السواحل المستدامة لم تعد مجرد مشروعات بيئية بل حلول استراتيجية ذات تأثير مباشر على المسار العالمي للمناخ. إن وضع “المحيط” في قلب السياسات المناخية هو الطريق نحو مستقبل أكثر أمانا وازدهارا للبشرية.

Exit mobile version