الاستعمار الجديد يعيد إنتاج الهيمنة بوجه وأدوات العصر
تُثبت الأحداث المتلاحقة، من صقيع غرينلاند إلى اضطرابات فنزويلا، أن الاستعمار الجديد لا يقل قبحًا عن الاستعمار العسكري القديم؛ فهو لا يحتاج دائمًا إلى البوارج والأساطيل، بل يكتفي بالابتزاز الاقتصادي، وهندسة «الانقلابات الناعمة»، وصناعة التهديدات الوجودية لتركيع الحلفاء قبل الخصوم.
إن ما نراه اليوم من غطرسة تجاه الدنمارك ومحاولات الضغط لبيع غرينلاند، وما شهدته فنزويلا من خنق مالي ومصادرة للأصول السيادية، ليس إلا وجهًا واحدًا لعملة «الاستبداد الغربي» الذي يسعى إلى السيطرة المطلقة تحت قناع الديمقراطية وحقوق الإنسان.
فخ «الحماية» ودروس كاراكاس
في الوقت الذي تلوّح فيه واشنطن بفزّاعة «الخطر الشرقي»، يتناسى العالم، عمدًا أو تواطؤًا، أن روسيا والصين لم تسجلا في تاريخهما الحديث عمليات إبادة منظمة للشعوب من أجل نهب ثرواتها كما فعل الاستعمار الغربي. إن تشويه صورة الشرق ليس سوى أداة لإبقاء العالم رهن الإشارة الأمريكية، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.
انظروا إلى فنزويلا: كيف جُمِّد ذهبها في البنوك الأوروبية، وصودرت شركاتها النفطية تحت مسمى «دعم الديمقراطية»؟ إنها العقلية ذاتها التي تنظر إلى غرينلاند باعتبارها «صفقة عقارية»، وإلى الدول العربية على أنها «خزانات وقود». إن رسالة الاستعمار الجديد واضحة وصريحة: «إما التبعية المطلقة، أو الفوضى المصنوعة».
سيناريوهات السطو: كيف يخطط «العالم الحر» للاحتلال؟
تتحرك القوى الكبرى وفق أربعة مسارات رئيسية:
-
الإكراه المالي: عبر «دبلوماسية الشيكات» التي تمهّد للتبعية، أو استخدام «سلاح العقوبات» كما حدث في فنزويلا، لشل إرادة الشعوب.
-
الاستقلال الشكلي: منح سيادة وهمية مقابل سيطرة عسكرية كاملة، كما في نماذج «الارتباط الحر».
-
تقاسم الغنائم: نهب المعادن النادرة والثروات الاستراتيجية مقابل حماية أنظمة هشة.
-
الغزو المباشر: خيار وقح يظل مطروحًا عندما تفشل الأدوات الناعمة.
ميثاق «السيادة والكرامة»: نحو كتلة إقليمية وازنة
أمام هذا التغوّل الذي لا يحترم إلا القوي، لم يعد الصمت خيارًا للدول العربية والإسلامية. إن «نموذج غرينلاند» و«مأساة فنزويلا» يمثلان جرس إنذار واضحًا: الاستعمار الذي يخنق حلفاءه اليوم، لن يتردد في سحقنا غدًا. ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من «التبعية الأمنية» إلى «الندية الاستراتيجية».
أولًا: الدفاع والأمن السيادي (القوة الرادعة)
-
إنشاء مركز إنذار مبكر وذكاء جيوسياسي يعمل كمختبر أفكار لرصد التحركات الاستعمارية الجديدة وتحليل السيناريوهات الدولية ووضع خطط استباقية.
-
تأسيس مرصد «الاستعمار الجديد» كمؤسسة بحثية وقانونية ترصد التدخلات في السيادة تحت غطاء الديمقراطية أو المساعدات المشروطة، وتقدم الاستشارات القانونية للدول الأعضاء، مع إطلاق برامج إعلامية وأكاديمية مشتركة لتعزيز مفهوم المصير المشترك.
-
تمويل الأبحاث العلمية في مجالات الذكاء الاصطناعي العسكري والطاقة النووية السلمية.
-
إنشاء سوق دفاعي مشترك، تتخصص فيه دول في صناعات بعينها لكسر احتكار وابتزاز السلاح.
-
استخدام عائدات النفط والغاز والثروات الطبيعية كورقة ضغط سياسية في حال تعرض أي دولة عضو لابتزاز استعماري.
-
توحيد العقيدة العسكرية والمناهج التدريبية، وتشكيل قوات تدخل سريع مشتركة، وإنشاء شبكة اتصالات مشفرة ومستقلة، وتطوير منظومات دفاع جوي وحرب إلكترونية بأيدٍ وطنية.
ثانيًا: الاستقلال الاقتصادي (سلاح الموارد)
-
إطلاق منصة لمقايضة الموارد تعتمد على البلوكشين والعملات المحلية للتحرر من نظام «سويفت».
-
إنشاء صندوق سيادة معدنية للسيطرة الجماعية على مناجم المعادن النادرة بالتعاون مع الدول الإفريقية.
ثالثًا: التوازن الجيوسياسي (دبلوماسية الندية)
-
توحيد التصويت في المحافل الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة.
-
تنويع الشراكات الاستراتيجية، خاصة مع تكتلات مثل «بريكس»، لخلق توازن يمنع استفراد القطب الواحد بالمنطقة.
رابعًا: آليات التنفيذ
-
المرحلة القصيرة (سنة): تشكيل لجنة خبراء لوضع الأطر القانونية للميثاق.
-
المرحلة المتوسطة (3–5 سنوات): إطلاق المشاريع الاقتصادية المشتركة.
-
المرحلة الطويلة (10 سنوات): الوصول إلى اتحاد دفاعي متكامل وكتلة تفاوضية موحدة.
العالم لا يحترم الضعفاء
إن هذا الميثاق ليس دعوة إلى الحرب، بل هو «درع للسلام». فالعالم الذي يهدد فيه القوي حليفه قبل عدوه لا يحترم إلا الكيانات الكبرى. إن توحّد القوى العربية والإسلامية لم يعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية لحماية السيادة والهوية.فالاستعمار الجديد يغيّر جلوده كالأفعى، لكن قلبه يظل مظلمًا، وإذا لم نتحرك الآن، ستتحول عواصمنا وثرواتنا إلى أوراق تفاوض في مكاتب للقوى العظمى، تُصادر بقرار من بنك دولي أو بتغريدة عابرة من زعيم متغطرس.
