د.سالي فودة: كيف تصنع مفاعلات التحلل الحراري مستقبلًا صناعيًا منخفض الكربون

أستاذ مساعد الهندسة الحيوية- مركز البحوث الزراعية- استشاري تكنولوجيا تدوير المخلفات الزراعية

في عالمٍ تتسارع فيه الأزمات المناخية وتشتد فيه القيود البيئية، لم تعد المخلفات الزراعية والصناعية مجرد ناتج جانبي بلا قيمة، بل أصبحت تمثل أحد أخطر مصادر الانبعاثات الكربونية، وفي الوقت نفسه واحدة من أعظم الفرص غير المستغلة. هنا يبرز الدور الاستراتيجي لمفاعلات التحلل الحراري (Pyrolysis Reactors) كتكنولوجيا قادرة على قلب المعادلة: من مخلفات تُلوِّث الغلاف الجوي إلى موارد تحبس الكربون وتُولِّد قيمة اقتصادية حقيقية.

لم تعد البصمة الكربونية مفهومًا نظريًا حبيس تقارير المناخ، بل أصبحت معيارًا اقتصاديًا وتشريعيًا يحدد من يدخل الأسواق العالمية ومن تُفرض عليه عقوبات أو ضرائب كربونية. فكل طن من المخلفات يُحرق في الهواء الطلق أو يُترك في المدافن ينتج عنه ثاني أكسيد الكربون والميثان، وكلاهما يسهم في تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري ويُحمِّل الدول والمنشآت الصناعية ديونًا بيئية حقيقية.

تحلل حراري مُحكم

في المقابل، عندما تُدار هذه المخلفات داخل مفاعل تحلل حراري مُحكم، فإنها تتحول إلى فحم حيوي وزيوت وغازات قابلة للاستخدام، بينما يُحبس الكربون داخل مادة صلبة مستقرة تُعرف بالفحم الحيوي (Biochar)، وهي مادة قادرة على تخزين الكربون في التربة لعقود، بل لقرون.

هذه الخاصية تجعل مفاعلات التحلل الحراري واحدة من أقوى أدوات خفض البصمة الكربونية في القطاعين الزراعي والصناعي. فكل طن من الفحم الحيوي الناتج عن عملية التحلل الحراري يمثل عمليًا عملية سحب مباشر للكربون من الغلاف الجوي، وهو ما تعترف به الأسواق الدولية للكربون ضمن منظومة أرصدة الكربون (Carbon Credits). وبذلك لا تقتصر وظيفة المفاعل على معالجة المخلفات، بل تمتد لتحويلها إلى رصيد كربوني قابل للبيع والتداول، لتتحول حماية المناخ من عبء مالي إلى مصدر دخل اقتصادي.

وتسير التشريعات البيئية الحديثة، لا سيما في أوروبا والولايات المتحدة، بوتيرة متسارعة في هذا الاتجاه. فأي منتج مُعدّ للتصدير يخضع اليوم لتقييم دورة حياة كاملة (LCA) تشمل الانبعاثات الناتجة عن الطاقة والمواد الخام وإدارة المخلفات. كما أصبحت آلية تعديل حدود الكربون (CBAM) واقعًا ملموسًا، ومن يعجز عن إثبات خفض بصمته الكربونية سيتحمل تكلفة اقتصادية مباشرة. وفي هذا السياق، تتحول تكنولوجيا التحلل الحراري إلى عنصر تنافسي أساسي، لا مجرد خيار بيئي إضافي.

من يمتلك هذه التكنولوجيا؟

غير أن جوهر القضية لا يكمن في التكنولوجيا وحدها، بل في سؤال الملكية: من يمتلك هذه التكنولوجيا؟ فالاعتماد على استيراد مفاعلات التحلل الحراري الجاهزة يخلق فجوة سيادية واقتصادية، إذ يعني نزيف العملة الصعبة، والارتهان لقطع الغيار والخبرات الأجنبية، فضلًا عن عدم توافق التصميمات المستوردة مع طبيعة المخلفات المحلية، سواء كانت قش الأرز، أو جريد النخيل، أو مخلفات الزيتون، أو بقايا المحاصيل الزراعية.

أما التصنيع المحلي لمفاعلات التحلل الحراري فيمثل مسارًا مختلفًا تمامًا، يقوم على بناء صناعة وطنية متخصصة، وتوفير فرص عمل، وتوطين المعرفة الهندسية، وخفض تكلفة الوحدة الإنتاجية، والأهم من ذلك القدرة على تصميم المفاعل بما يتلاءم بدقة مع خصائص المخلفات المحلية، بما يرفع الكفاءة ويعظم العائد البيئي والاقتصادي.

أثر التصنيع المحلي

ولا يقتصر أثر التصنيع المحلي على دعم الصناعة فحسب، بل يمتد ليخدم أهداف المناخ بشكل مباشر. فامتلاك وحدات محلية لتحويل المخلفات إلى فحم حيوي وطاقة يسهم في تقليل الحرق المكشوف، وخفض الاعتماد على المدافن، والحد من انبعاثات الميثان، كما يتيح للدول الدخول رسميًا إلى سوق الكربون العالمي كمصدر موثوق لخفض الانبعاثات. وبذلك تتحول كل مزرعة، وكل مصنع، وكل منشأة تدوير إلى لاعب فاعل في الاقتصاد الكربوني الناشئ.

وتتضح المعادلة الجديدة بجلاء: المخلفات لم تعد نفايات، بل مخزونًا كربونيًا قابلًا للاستثمار. وتمثل مفاعلات التحلل الحراري الأداة العلمية والاقتصادية التي تُحرِّر هذا المخزون. ومع تشديد تشريعات المناخ عالميًا، لن يُقاس نجاح الدول فقط بحجم ما تنتجه، بل بكمية الكربون التي تمنع وصولها إلى الغلاف الجوي. وفي هذا السباق، ستكون الدول التي تُصنِّع مفاعلاتها محليًا وتدير مخلفاتها بتكنولوجيا التحلل الحراري في صدارة الرابحين في سوق المستقبل.

Exit mobile version