بداية لابد من الإشارة الي اننا نعيش في عالم يشهد تحولات بيئية غير مسبوقة، حيث أصبحت أزمة التغير المناخي تمثل التحدي الأكبر الذي يواجه البشرية في القرن الحادي والعشرين، ورغم أن معظمنا يدرك أن المناخ يتغير وأن هذا التغير ينذر بمخاطر جسيمة، فإن الصورة الكاملة للأزمة قد تظل غامضة دون الغوص في البيانات والحقائق العلمية.
هنا تأتي أهمية المخططات البيانية التي أعدها برنامج الأمم المتحدة للبيئة في تقاريره الأخيرة لتقدم لنا سبع رؤى بيانية تكشف بأسلوب بصري، واضح حقيقة أزمة المناخ أسبابها تداعياتها والمستقبل المحتمل لكوكبنا من خلال سبعة مخططات توضح القضية بصورة موضوعية للمتخصص والمهتم والمتابع علي حد سواء لفهم التحدي والبحث عن الأمل ويمكن استعراضهم في إيجاز في التالي..
-المخطط الأول البشر يغمرون الغلاف الجوي بالغازات الدفيئة
تعمل الغازات الدفيئة كبطانية تحبس الحرارة بالقرب من سطح الأرض مما يؤدي إلى ارتفاع حرارة الكوكب ويغذي التغير المناخي ورغم التعهدات التي قطعتها الدول بموجب اتفاقية باريس للحد من انبعاثاتها فإن البيانات تكشف حقيقة صادمة الانبعاثات واصلت ارتفاعها المطرد منذ خمسينيات القرن التاسع عشر مسجلة رقما قياسيا جديدا بلغ نحو 58 مليار طن في عام 2024
هذا الارتفاع المستمر يعكس فجوة واسعة بين الطموحات السياسية والواقع العملي فكل زيادة في الانبعاثات تعني المزيد من الحرارة المحتبسة في الغلاف الجوي والمزيد من الاضطرابات المناخية التي تهدد حياة الملايين إن استمرار هذا الاتجاه يعني أننا نبتعد أكثر عن أهداف اتفاقية باريس وندفع الكوكب نحو مستقبل أكثر خطورة
– المخطط الثاني الغازات الدفيئة تسبب ارتفاع حرارة الأرض
مع تدفق الغازات الدفيئة إلى الغلاف الجوي يرتفع متوسط درجة حرارة الأرض بسرعة مقلقة ففي عام 2024 كانت درجة حرارة السطح العالمية أعلى بمقدار 15 درجة مئوية مما كانت عليه خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وهذا الارتفاع ليس مجرد رقم في سجل مناخي بل هو استمرار لاتجاه استمر مئة عام من ارتفاع درجات الحرارة مع اشتداد الاحترار بشكل ملحوظ خلال العقدين الأخيرين
هذا الاحترار يزعزع استقرار النظم المناخية الدقيقة للأرض مما يؤدي وفقا للباحثين إلى زيادة في الفيضانات موجات الحر حرائق الغابات وغيرها من الظواهر الجوية المتطرفة إن كل زيادة في درجة الحرارة تفتح الباب أمام سلسلة من التأثيرات المتتالية التي تهدد النظم البيئية والمجتمعات البشرية على حد سواء
– المخطط الثالث الاحترار العالمي يغير وجه الكوكب
مع ارتفاع حرارة الكوكب تتحول المناظر الطبيعية والبحرية التي ظلت دون تغيير لآلاف السنين أمام أعيننا وتعد منطقة القطب الشمالي مثالا رئيسيا على ذلك فالأرض المتجمدة التي تشكل أساس المنطقة بدأت تذوب ومع ذوبان ما يعرف بالتربة الصقيعية تنطلق كميات هائلة من الكربون والميثان المخزنة فيها إلى الغلاف الجوي
يحذر الخبراء من أن هذا قد يخلق حلقة تغذية مرتدة تعمل على تسريع التغير المناخي بشكل كبير فبدلا من أن تكون التربة الصقيعية مستودعا للكربون تتحول إلى مصدر إضافي للغازات الدفيئة مما يضاعف التأثير السلبي ويدفع الكوكب نحو نقطة تحول خطيرة قد لا يمكن التراجع عنها
– المخطط الرابع الأرض قد تصبح أكثر سخونة بكثير
من المستحيل تحديد بدقة كم سترتفع درجة حرارة الأرض ومدى سوء التغير المناخي في نهاية المطاف يعتمد هذا إلى حد كبير على مدى التزام الدول بوعودها لتقليل الانبعاثات بموجب اتفاقية باريس وقد وضع خبراء برنامج الأمم المتحدة للبيئة سيناريوهات محتملة ترسم ملامح المستقبل
إذا استمرت الدول على المسار الحالي قد ترتفع حرارة الأرض بين 25 و 46 درجة مئوية خلال هذا القرن
إذا أوفت الدول بجميع تعهداتها المتعلقة بالمناخ قد يرتفع الاحترار بين 21 و 29 درجة مئوية
هذه الارتفاعات في درجات الحرارة يمكن أن تكون كارثية حيث تهدد النظم البيئية والزراعية والمائية التي تعتمد عليها البشرية في غذائها ومياهها واقتصادها إن الفرق بين السيناريوهين يعكس أهمية العمل الجماعي العاجل والطموح في تنفيذ التزامات المناخ
– المخطط الخامس العالم قد يعبر قريبا نقاط تحول كارثية
مع ارتفاع درجات الحرارة تزداد احتمالات حدوث تغيرات لا رجعة فيها بل كارثية على الأرض يكشف التقرير عن سيناريوهات مروعة
إذا ارتفعت حرارة العالم بمقدار 2 درجة مئوية فمن المحتمل جدا أن يموت كل الشعاب المرجانية في المياه الدافئة تقريبا مما يدمر النظم البيئية الساحلية التي تعتمد عليها ملايين الأنواع والبشر
إذا ارتفعت الحرارة بمقدار 3 درجات مئوية فمن المحتمل أن تنهار الصفائح الجليدية في غرينلاند وغرب أنتاركتيكا مما يؤدي إلى ارتفاع مستويات البحار وغمر السواحل
عند 4 درجات مئوية من الاحترار قد تتحول غابات الأمازون المطيرة إلى سافانا مما يحرم الكوكب من مصدر رئيسي للأكسجين ويطلق كميات هائلة من الكربون المخزن مما يجعل أزمة المناخ أسوأ بكثير
مع وتيرة الاحترار الحالية من المتوقع تجاوز العديد من نقاط التحول هذه خلال هذا القرن مما يجعل التحرك الفوري ضرورة ملحة وليس خيارا
– المخطط السادس التغير المناخي قد يكون مدمرا للاقتصاد العالمي
إلى جانب آثاره المدمرة على النباتات والحيوانات والكائنات الحية الأخرى قد يخفض التغير المناخي الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة مذهلة تبلغ 22 بالمئة بحلول عام 2100 وبمعدل كهذا فإن 133 تريليون دولار من الثروة ستختفي كل عام
هذه الخسائر الاقتصادية تعكس التكلفة الحقيقية للتقاعس عن العمل المناخي فالتغير المناخي لا يهدد البيئة فحسب بل يهدد أسس الاقتصاد العالمي ويؤثر على الإنتاجية والصحة والبنية التحتية والاستقرار الاجتماعي الاستثمار في العمل المناخي اليوم ليس تكلفة بل هو استثمار في مستقبل أكثر استدامة وازدهارا
– المخطط السابع هناك بعض مؤشرات الأمل في المعركة ضد التغير المناخي
رغم التحديات الهائلة تظهر البيانات بعض البشائر الإيجابية فبينما ترتفع انبعاثات الغازات الدفيئة عالميا فإنها تنخفض أو من المتوقع أن تنخفض في العديد من الدول بما في ذلك أستراليا الصين الاتحاد الأوروبي اليابان وجمهورية كوريا
هناك آمال في أنه مع تحسين كفاءة الطاقة والابتعاد عن الوقود الأحفوري قد تنخفض الانبعاثات أكثر لكن الخبراء يحذرون من أن وتيرة التغيير يجب أن تتسارع بشكل كبير هذا الأمل المشروط يعكس أن الحلول موجودة لكنها تتطلب إرادة سياسية استثمارات كبيرة وتغييرا في السلوكيات الفردية والجماعية
وفي النهاية لابد الانتقال من الفهم إلى الفعل فمن خلال استعراض هذه المخططات السبعة المستخلصة من تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة توضح صورة شاملة لأزمة المناخ أسبابها تداعياتها الحالية والمستقبلية والمخاطر التي تنتظرنا إذا استمرينا في مسارنا الحالي لكنها تقدم أيضا لمحة عن الأمل إذا ما تحركنا بسرعة وحسم
هذا ومن خلال الإحتفال باليوم العالمي للبيئة (5 يونيو من كل عام) ةالذي استضافته أذربيجان هذا العام ويركز على حلول أزمة المناخ ندعو الجميع إلى فهم هذه الحقائق والعمل على ترجمتها إلى أفعال التغير المناخي ليس مجرد قضية علمية بل هو اختبار لقدرتنا الجماعية على التعاون الابتكار والتضحية من أجل مستقبل مشترك
المستقبل لم يكتب بعد الخيارات التي نتخذها اليوم ستحدد مصير الأجيال القادمة فلنجعل من هذه المخططات دافعا للتغيير ومن يوم البيئة العالمي نقطة انطلاق لعمل مناخي طموح وفعال
رسم بياني يوضح ارتفاع درجات الحرارة العالمية والانبعاثات الكربونية مع خلفية لكوكب الأرض
المصادر والمراجع:
برنامج الأمم المتحدة للبيئة تقرير فجوة التكيف 2025
برنامج الأمم المتحدة للبيئة تقرير فجوة الانبعاثات 2025
برنامج الأمم المتحدة للبيئة الإصدار السابع من التوقعات البيئية العالمية
https://www.unep.org/news-and-stories/story/climate-crisis-explained-seven-graphs
