د.فوزي يونس: إزالة الألغام البحرية.. معركة متأخرة لتأمين شرايين الاقتصاد العالمي

أستاذ بمركز بحوث الصحراء- خبير العمل المناخي والاستدامة

إرث الحروب تحت الماء: كيف تهدد الألغام الملاحة والبيئة البحرية؟

بدايةً، لا بد لنا من الإشارة إلى أن أعماق البحار والمضايق تخفي إرثًا خطيرًا خلفته الحروب العالمية والصراعات الإقليمية، يتمثل في ملايين الأطنان من الألغام والذخائر غير المنفجرة.

وعندما تنتهي الحروب، لا يعود الهدوء التام إلى أعماق البحار والمضايق؛ إذ تحتفظ تلك الأعماق بإرث صامت ولكنه قاتل: ملايين الأطنان من الألغام البحرية والذخائر غير المنفجرة التي خلفتها الصراعات العالمية والإقليمية على مدى عقود.

ويضم بحر البلطيق وحده ما يُقدر بنحو 1.6 مليون طن من الذخائر الملقاة، معظمها من الحربين العالميتين الأولى والثانية. وهذه المخلفات لا تهدد الملاحة والتجارة فقط، بل تتحول مع مرور الزمن وتآكل حاوياتها المعدنية إلى قنابل موقوتة تُسرب السموم إلى البيئة البحرية والسلسلة الغذائية.

ومع تزايد الاعتماد على الممرات المائية الحيوية وتطوير مشروعات الطاقة البحرية، أصبح تطهير هذه الممرات ضرورة وجودية وليس رفاهية تقنية.

ولا تقتصر المخاطر على الملاحة البحرية، بل تمتد إلى البيئة، حيث يؤدي تآكل الحاويات المعدنية إلى تسرب المواد السامة إلى المياه. وقد شهدت العقود الأخيرة تطورًا هائلًا في نظم الكسح، بدءًا من أنظمة السونار فائقة الدقة للاستكشاف، وصولًا إلى الروبوتات الآلية وتقنيات التخلص الآمن بالحرق، مما أتاح فرصة حقيقية لتحييد هذا الخطر وضمان استدامة استخدام البحار بوصفها شرايين للاقتصاد العالمي.

ومع تزايد الاعتماد على الممرات المائية في التجارة العالمية وتطوير مشروعات الطاقة البحرية، أصبحت ضرورة تطهير هذه الممرات من الألغام قضية ملحة على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية.

الألغام البحرية،

حجم المشكلة وطبيعتها:

تتفاوت طبيعة الذخائر المغمورة بين ألغام بحرية وقنابل جوية وذخائر كيميائية. وقد أظهرت الدراسات أن تآكل المعادن بفعل مياه البحر المالحة يؤدي إلى تسرب مركب “TNT” والمواد المسرطنة إلى البيئة البحرية، وقد رُصدت بالفعل آثار لهذه المواد في الأسماك والمحار. والأكثر خطورة هي الذخائر الكيميائية التي تحتوي على غازات الخردل أو التابون أو الزرنيخ، والتي تشكل تهديدًا مباشرًا للسلسلة الغذائية البحرية.

آلية تطور نظم الكسح: من الغواصين إلى الروبوتات

شهدت عمليات إزالة الألغام البحرية تطورًا هائلًا؛ فبدلًا من الاعتماد على الغواصين البشريين الذين يواجهون مخاطر جسيمة، انتقلت التقنيات الحديثة إلى استخدام أنظمة آلية متطورة:

  1. المركبات الآلية عن بُعد (ROVs): تُستخدم هذه المركبات المزودة بكاميرات ومستشعرات متطورة لمسح قاع البحر وتحديد مواقع الذخائر بدقة، ويمكنها السباحة والغوص والزحف على القاع، وهي متصلة بسفن التحكم عبر كابلات.
  2. أنظمة الذكاء الاصطناعي: يجري تطوير خوارزميات قادرة على إعادة بناء الأجسام ثلاثية الأبعاد من بيانات السونار والكاميرات، ما يساعد في التعرف على الذخائر وتصنيفها بدقة قبل التعامل معها.
  3. القابضات الذكية: وهي ملاقط آلية مزودة بحساسات، تستطيع الإمساك بالذخائر بحركات محسوبة وفق حالتها الفيزيائية، سواء كانت سليمة أو متآكلة، ووضعها في حاويات خاصة لرفعها إلى السطح.

أهمية التخلص الآمن: بين التفجير والحرق

شكّلت طريقة التفجير الموضعي الوسيلة الأسرع تقليديًا لتدمير الألغام، لكن دراسات حديثة كشفت أن التفجيرات الضعيفة قد تُلوث البيئة بمقدار يصل إلى 100 مليون ضعف مقارنة بالتفجيرات القوية، نتيجة بقاء كميات كبيرة من مادة ثلاثي نيتروتولوين (TNT) غير المحترقة في الرواسب البحرية.

وقد ثبتت سُمية هذه الملوثات للكائنات البحرية، مثل الطحالب الدقيقة وقنافذ البحر والأسماك. ودفع ذلك إلى تطوير بدائل أكثر أمانًا، أبرزها تقنية الحرق داخل غرف احتراق محكمة الإغلاق، حيث تُجمع الذخائر بواسطة الروبوتات ثم تُنقل إلى منصات خاصة ليتم التخلص منها دون تسرب الملوثات.

وتُعد ألمانيا من الدول الرائدة في هذا المجال، إذ خصصت نحو 100 مليون يورو لتطوير هذه الأنظمة، بهدف تنظيف بحر الشمال والبلطيق خلال 30 عامًا بدلًا من 150 عامًا.

الأهمية الاستراتيجية للممرات المائية الآمنة

لا تقتصر فوائد إزالة الألغام على الجانب البيئي، بل تمتد إلى مجالات حيوية:

التحديات المتبقية:

رغم التقدم الكبير، لا تزال التحديات قائمة، أبرزها ارتفاع التكلفة، ونقص الكوادر المؤهلة، والحاجة إلى تنسيق سياسي إقليمي، خاصة في المناطق البحرية المشتركة.

الذخائر غير المنفجرة،

خاتمة:

يثبت واقع إزالة الألغام البحرية أن التحدي الأكبر ليس في زرعها، بل في التخلص الآمن منها. وقد أتاح التكامل بين تقنيات السونار والأنظمة الآلية وتقنيات الحرق إمكانية تحقيق تقدم ملموس في هذا المجال.

وفي النهاية، يمثل الاستثمار في تقنيات إزالة الألغام البحرية استثمارًا في مستقبل آمن ومستدام، حيث تتكامل حماية البيئة مع تأمين الملاحة، بما يضمن بقاء البحار مفتوحة وآمنة للأجيال القادمة.

Exit mobile version