د.ضحي عبد الحميد: هل تحقق مصر أهداف “رؤية 2030″؟ تحليل شامل للإنجازات والتحديات
الخبير الاقتصادي الدولي
-
15 عامًا من الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي في مصر: أين وصلنا؟ قراءة تحليلية
على امتداد الفترة من 2011 وحتى 2024، خاضت مصر مسارًا مزدحمًا بالتحولات الكبرى، طمعًا في بلوغ أهداف “رؤية 2030” الوطنية، المتقاطعة مع أهداف التنمية المستدامة الأممية. ومع اقتراب العد التنازلي للعام الحاسم، تبدو قابلية الأداء الاقتصادي والاجتماعي المصري موضوعًا ملحًا للنقاش، وموضعًا لعملية “كشف حساب”: إلى أي مدى تقترب المنجزات من إكمال الطريق نحو الأهداف؟ وأين تُهدد التحديات سرعة الإنجاز؟
منذ بداية العقد الماضي، كان مشهد البطالة والتشغيل من أوضح مظاهر التحول. فالمعدلات المرتفعة آنذاك – حين تجاوزت البطالة 13% في عام 2013 – بدأت في التراجع بثبات، مدعومة بنمو مشروعات البنية التحتية والتوسع في الاقتصاد غير التقليدي، ليتراجع المعدل إلى 7.1% في نهاية عام 2023. وإذا واصل السوق المصري استيعابه للعمالة الشابة، لا يبدو مستبعدًا بلوغ النسب المستهدفة (5-6%) بحلول عام 2030، خاصة مع استكمال إصلاحات بيئة الأعمال، وتوطين المشروعات المتوسطة والصغيرة، وتحفيز القطاع الصناعي الزراعي بقوة.
قفزة واضحة
وفي السياق نفسه، شهد الشمول المالي قفزة واضحة، إذ ارتفعت نسبة البالغين الذين يمتلكون حسابًا مصرفيًا من 33% في عام 2014 إلى نحو 60% في عام 2023، مدفوعة برقمنة الخدمات وانتشار معاملات الدفع الإلكتروني. وتشير توقعات المؤسسات الدولية إلى إمكانية تجاوز عتبة 80% بحلول نهاية العقد، ما سيساهم في دمج الاقتصاد غير الرسمي وزيادة كفاءة دورة رأس المال الوطني.
غير أن طريق الإنجاز لم يكن دائمًا ممهدًا. فعلى مستوى النمو الاقتصادي، حققت مصر متوسط نمو يتراوح بين 4.2% و5.6% خلال الفترة من 2017 إلى 2023، لكنها واجهت صدمات متكررة في صورة تضخم مرتفع تجاوز 30% في بعض أشهر عام 2023، إلى جانب ارتدادات أزمات كوفيد والتقلبات الإقليمية المستمرة. وقد دفع ذلك معدل الفقر – رغم هبوطه النسبي من 32.5% في عام 2018 إلى 29.7% في عام 2023 – للبقاء بعيدًا عن المستوى الطموح (أقل من 15% بنهاية العقد). وتتجلى الصعوبة في مجابهة فقر الريف والصعيد، حيث تتجاوز بعض المعدلات 40%، وتظل مناطق واسعة خارج نطاق التغطية بالخدمات الأساسية من صحة وتعليم ومرافق، رغم إطلاق مبادرات كبرى متعددة المراحل مثل برنامج “حياة كريمة”.
التعليم والصحة
وعلى صعيد التعليم والصحة، ورغم نجاح مصر في خفض نسب التسرب المدرسي إلى 1.1% وتجديد المناهج، فإن الاكتظاظ داخل الفصول (45 طالبًا في الفصل، بينما المتوسط العالمي يتراوح بين 20 و30 طالبًا)، وقلة نصيب التعليم من الناتج المحلي، ما يزالان عقبتين رئيسيتين أمام تحقيق تحول نوعي. فبينما ينص الاستحقاق الدستوري لعام 2014 على تخصيص 7% من الناتج المحلي الإجمالي للتعليم والبحث العلمي سنويًا، لا تتجاوز النسبة الفعلية حاليًا 2.6%، وهي أقل بكثير من المستوى العالمي المطلوب (4–4.5%). وبالمثل، لم يتحقق التحسن النوعي العميق في جودة الرعاية الصحية، رغم انخفاض وفيات الأطفال وارتفاع العمر المتوقع إلى 73 عامًا، إذ لا تزال الفجوات قائمة بين الحضر والريف، ويشهد نصيب الفرد من الخدمات الصحية تراجعًا في بعض المحافظات.
المرأة المصرية
المرأة المصرية حققت تقدمًا ملحوظًا في سوق العمل؛ فبعدما كانت المشاركة النسائية لا تتعدى 17% في مطلع العقد، وصلت إلى نحو 19.5% في عام 2023. إلا أن هذه النسبة لا تزال أدنى كثيرًا من الغايات الأممية والرؤية الوطنية (25%)، وهو ما يتطلب سياسات تشغيلية أكثر شمولًا واستهدافًا للفئات الأقل تمكينًا.
تحدي الدين العام والعجز المالي
أما على صعيد الإصلاح المالي، فما زال تحدي الدين العام والعجز المالي قائمًا؛ إذ بلغ إجمالي الدين العام نحو 87% من الناتج المحلي، بينما تلتهم خدمة الدين أكثر من نصف الإنفاق الحكومي سنويًا. وتظل مواجهة هذا الإرث مرهونة بتوسيع القاعدة الضريبية، وتنويع مصادر التمويل، وتحسين كفاءة الإنفاق، لا سيما في ظل تزايد الالتزامات الاجتماعية والتنموية.
يبقى عنصر الشفافية والحوكمة في قلب معادلة التنمية، بل لعله التحدي الأكبر: فقد كان التقدم في هذا المجال حقيقيًا، لكنه جاء بوتيرة أبطأ من المطلوب. فقد اكتسبت مصر أربع نقاط فقط على مؤشر مدركات الفساد الدولي بين عامي 2015 و2023 (من 32 إلى 36 نقطة)، واستمرت معاناة القطاع الخاص مع البيروقراطية وغياب المنافسة الكافية في بعض القطاعات، وهو ما يشكّل تحديًا حاسمًا لتسريع عجلة الاستثمار، وجذب رؤوس الأموال الجديدة الضرورية للنمو المستدام.
شروط السير في طريق بلوغ الأهداف
تشير قراءة هذه المؤشرات المتداخلة إلى أن بلوغ الأهداف العليا لرؤية 2030 وأجندة التنمية المستدامة ما زال في المتناول، لا سيما في ما يتعلق بالتوظيف الأساسي، والشمول المالي، والحماية الاجتماعية، والصحة الأولية – بشرط الحفاظ على وتيرة الإصلاح وتسريعها، وقيادة مساراتها بصورة لحظية. أما الأهداف المتعلقة بتخفيض الفقر الجذري، وتحقيق تعليم وصحة بجودة عالمية، وتنمية ريف يُضاهي المدن في الخدمات والبنية التحتية، وتوطين تنافسية القطاع الخاص، فلا تزال بحاجة إلى سياسات غير تقليدية، وتسريع وتيرة الإنجاز، واستثمار التجارب الدولية.
التحول الرقمي رافعة أساسية
إن تسريع هذه الوتيرة الممكنة يستدعي تحويل التحول الرقمي إلى رافعة أساسية تبدأ بالريف قبل المدينة، ومضاعفة جهود التدريب المهني وريادة الأعمال، وتوجيه الاستثمارات بشكل انتقائي إلى القرى والأحياء المحرومة، جنبًا إلى جنب مع مراجعة التشريعات لتبسيط مناخ الأعمال، وجذب الاستثمار طويل الأجل. فالمطلوب اليوم ليس فقط مزيدًا من المشروعات، بل زيادة نوعية في تحقيق الأثر وقياسه، وشمولية في التوزيع، بما يجعل النمو أكثر عدالة واندماجًا في حياة المواطنين وأولوياتهم.
وعليه، فإن طريق مصر إلى 2030 يبدو مفتوحًا، لكنه محفوف بالتحديات والاختبارات. والنجاح لن يُقاس فقط بتحقيق أرقام مستهدفة – فذلك أضعف الإيمان – بل بالقدرة على تحويل الإنجازات الكمية إلى جودة حياة أفضل، وإنصاف اجتماعي تشاركي دائم. ذلك هو الرهان الحقيقي لعقد جديد من الإصلاح، يستشرف مصر ما بعد عام 2030.





