أصبح التطور المتلاحق في استخدام التكنولوجيا أو التقنية الحيوية سمة غالبة من سمات القرن الواحد والعشرين، حيث أن التقنية الحيوية بمفهومها الواسع ستسهم في جعل العالم أكثر استدامة،
وقد بات واضحا المجالات المتعددة التي ضمتها التقنية الحيوية حتي استحوذت علي إثني عشر تخصصًا بينيًا تكامليًا (التقنية الحيوية الطبية- التقنية الحيوية الزراعية- التقنية الحيوية البيئية- التقنية الحيوية المائية- التقنية الحيوية الغذائية- التقنية الحيوية الصناعية- المعلوماتية الحياتية- التخفيف من آثار المناخ- المناطق الصحراوية والجافة- القضايا الأخلاقية والفلسفية- وضع قوانين التقنية الحيوية- الإرهاب البيولوجي والأسلحة البيولوجية).
التقنية الحيوية هي استخدام علم الأحياء (الخلايا الحية أو أي من مكوناتها) لتطوير منتجات وأساليب وكائنات حية جديدة تهدف إلى تحسين صحة الإنسان والمجتمع، وهي موجودة منذ بداية الحضارة مع تدجين النباتات والحيوانات واكتشاف التخمير.
وقد تم استخدام مصطلح التقنية الحيوية لأول مرة من قبل المهندس الزراعي المجري كارل إركي في عام ١٩١٩م، حيث تنبأ بزمن يمكن فيه استخدام علم الأحياء لتحويل المواد الخام إلى منتجات مفيدة.
وقد صاغ مصطلح التكنولوجيا الحيوية لوصف ذلك الدمج بين علم الأحياء والتكنولوجيا.
وقد تحققت رؤيته الآن من خلال آلاف الشركات ومؤسسات البحث العلمي حول العالم.
ولعل اللقاحات والأدوية علي سبيل المثال خير دليل علي أهمية التقنية الحيوية الطبية، ناهيك عن التصنيع الحيوي والجينوم البشري وتحسين السلالات والصناعات الغذائية.
تم تقدير حجم سوق التكنولوجيا الحيوية العالمي في عام ٢٠٢٣م بحوالي 1.38 إلى 1.55 تريليون دولار أمريكي. هذا القطاع يشهد نمواً ملحوظاً.
ومن المتوقع أن يصل إلى 4.25 تريليونات دولار أمريكي بحلول عام ٢٠٣٣م.
تُعد الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا من الدول الرائدة في عالم التكنولوجيا الحيوية على مر التاريخ. وتفتخر هذه الدول بوجود مجموعة من الجامعات المرموقة ومؤسسات البحث المتميزة وصناعات التكنولوجيا الحيوية الراسخة.
ويزداد حجم التداول الاقتصادي حول العالم في التكنولوجيا الحيوية، حيث يتخطي مئات المليارات سنويا، وقد تم تقييم حجم سوق التكنولوجيا الحيوية في الولايات المتحدة بـ 246.18 مليار دولار أمريكي في عام 2023م.
ومن المتوقع أن يصل إلى حوالي 763.82 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2033م،بمعدل نمو سنوي مركب قدره 11.90٪ من عام 2024 إلى عام ٢٠٣٣م، كما استحوذت أمريكا الشمالية على أكبر حصة نمو بنسبة 41٪ في عام ٢٠٢٣م.
بينما حقق سوق التكنولوجيا الحيوية في الصين إيرادات بلغت 74,157 مليون دولار أمريكي في عام 2023م.
ومن المتوقع أن يصل إلى 262,958.1 مليون دولار أمريكي بحلول عام 2030م، وبمعدل نمو سنوي مركب قدره 19.8٪ من عام 2024 إلى عام 2030م.
خلال السنوات القليلة الماضية، تغيرت نظرة المنطقة العربية إلى التكنولوجيا الحيوية باعتبارها صناعة نمو محتملة، حيث استثمر المنظمون والمستثمرون في بناء شراكات بين القطاعين العام والخاص مع شركات الأدوية الكبرى والتكنولوجيا الحيوية الناشئة،في حين تعطي الحكومات في المنطقة الأولوية للبحث في الأمراض وزيادة متوسط العمر وتطوير الأدوية.
تعمل شركات الأدوية الحيوية على خلق قدرات تصنيع مبتكرة. وتعمل شركات الأدوية المحلية على إضافة علاجات مبتكرة جديدة ــ من الأمراض المرتبطة بأسلوب الحياة إلى الاضطرابات الوراثية النادرة والسرطانات ــ إلى قدرتها الإنتاجية المحلية،
كما يتم توقيع اتفاقيات مع شركاء من الدرجة الأولى في صناعة الأدوية العالمية. وقد أثمر هذا النهج. فقد وصلت صناعة التكنولوجيا الحيوية وعلوم الحياة في المنطقة إلى مستويات جديدة مع بناء نظام بيئي.
سباق الشرق الأوسط
لا جدال أن هناك سباق محموم في منطقة الشرق الأوسط نحو اللحاق بركب استخدام التقنية الحيوية حيث المجال مفتوح ومصيري: في إيران ورغم تعرضها للحظر في مجال التكنولوجيا الحيوية منذ بداية الثورة،لكن إنجازات الباحثين في هذا المجال دفعتها إلى توفير 1.8 مليار دولار سنويًا من العملة الصعبة في الوقت الحاضر، مما جعلها تتبوأ المرتبة الاولى في المنطقة،
والثانية في آسيا والثانية عشرة في العالم، وتصدر الى أكثر من 17 دولة أجنبية عن طريق ٦٠٠ شركة معرفية (65٪ من صادرات المنتجات المعرفية مرتبطة بمجال التكنولوجيا الحيوية).
انتهجت إسرائيل استراتيجية استثمارية في شركات التكنولوجيا الحيوية والأدوية ذات الصلة بتقنيات استثنائية أو فرص منتجات تعتمد على مبررات علمية قوية وإمكانات تجارية،
وقد حقق قطاع التكنولوجيا الحيوية في إسرائيل رأس مال يزيد عن مليار دولار أمريكي في عام 2022م، وكانت هذه زيادة كبيرة بنسبة 42 بالمائة تقريبًا مقارنة بالعام السابق بزيادة مطردة في قيمة رأس المال المجمع في هذا القطاع.
السعودية
أما في المملكة العربية السعودية فقد حجزت مقعدًا دوليًا متقدمًا للمساهمة في تنمية كافة قطاعات التقنية الحيوية، عام 2021م أعلنت إحدي المؤسسات العاملة بها عن خطط لإنفاق ما يصل إلى مليار دولار سنويًا لدعم البحوث الأساسية حول بيولوجيا الشيخوخة وكيف يمكن للأدوية أن تبطئ الشيخوخة.
وقد أطلقت في عام ٢٠٢٤م الاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية مشتملة علي أربعة محاور أساسية: الفاكسينات أو اللقاحات- التصنيع الحيوي- الجينوم البشري- تحسين السلالات، مما يؤهلها لتكون مركزًا إقليميًا وعالميًا بحلول عام ٢٠٤٠م.
الإمارات وقطر
كما أطلقت جارتها الإمارات العربية المتحدة استراتيجية وطنية لرسم خريطة الحمض النووي لكل إماراتي لتوفير رعاية طبية شخصية لكل مواطن، والتي يمكنها في المستقبل إنتاج وتصميم وتصنيع علاجات رائدة، بما في ذلك السرطان والسكري، محليًا.
بينما في قطر، تبنت قطر الوطنية رؤية 2030م للتكنولوجيا الحيوية، حيث يتطلع جهاز قطر للاستثمار إلى تطوير مجال التكنولوجيا الحيوية وعلوم الحياة من أجل النهوض في مختلف القطاعات وعلي رأسها القطاع الطبي.
تجربة مصر
في مصر، أكدت الإستراتيجية القومية للعلوم والتكنولوجيا والابتكار 2030م على أهمية التكنولوجيا الحيوية ومشروعاتها في المحور الخاص بالتطبيقات التكنولوجية والعلوم المستقبلية التي تتضمن مجالات متعددة، منها: التصحيح الجيني في الطب، والصناعات الغذائية الآمنة المقاومة للأمراض والآفات، إنتاج التكنولوجيات الخضراء والبوليمرات، تطبيقات الهندسة الوراثية في الغذاء والزراعة، الوقود الحيوي والبلاستيك الحيوي، وغيرها من مجالات التكنولوجيا الحيوية.
وفي هذا السياق ومن منظور مستقبلي، تسعى الحكومة إلى استكشاف فرص مصر لتوسيع توظيف التكنولوجيا الحيوية لدعم التنمية المستدامة وتنمية الاقتصاد الحيوي.
الحقيقة أن الجامعات المصرية وخاصة جامعة القاهرة كانت سباقة في تبني برامج دراسية في مجال التقنية الحيوية،أول برنامج بجامعة القاهرة
وفي كلية العلوم جامعة القاهرة عام ٢٠٠٦/ ٢٠٠٧م انطلق أول برنامج للبكالوريوس ساهم في تخريج عدة دفعات كان لها السبق في كافة قطاعات التقنية الحيوية في القطاع الطبي والزراعي والصناعي والجامعات والمراكز البحثية والشركات والمصانع …. إلخ.
وقد استمرت مجهودات الكلية لتشمل الدراسات العليا وتم انشاء برنامج الماجستير ثم تبعه برنامج الدكتوراه لتصبح الكلية الوحيدة والمتميزة في تقديم برامج البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في فروع التقنية الحيوية المختلفة منفردة ومتفردة، ثم تبعتها كليات العلوم الأهلية والخاصة تباعا.
ومازالت برامج الدراسات العليا بكلية العلوم جامعة القاهرة مستحوذة علي أكبر عدد من الطلاب وأكبر عدد من رسائل الماجستير والدكتوراة المحكمة دوليا والأبحاث المنشورة في مختلف الدوريات العلمية المتميزة ذات المعدلات المرتفعة تصنيفيًا.
وقد توجت كلية العلوم جامعة القاهرة مجهوداتها بانشاء قسم التقنية الحيوية ليصبح أول قسم في الجامعات المصرية والعربية بالقرار الوزاري رقم ٣٩٥ وتاريخ ٧/٢/٢٠٢٢م، والذي يهتم بكافة التخصصات المختلفة للتقنية الحيوية.
وتبذل إدارة الكلية والجامعة أقصي جهدها لتطوير القسم ومعامله، مع الحرص البالغ لتقديم تدريس متميز للطلاب من خلال تعاون مثمر وبناء من مختلف أقسام الكلية والجامعة.
وعلي الرغم من حداثة قسم التقنية الحيوية بكلية العلوم جامعة القاهرة، إلا أنه استقبل العديد من طلاب الدراسات العليا من مختلف كليات وبرامج التقنية الحيوية المصرية،
فضلا عن استقباله لبعض الطلاب الدوليين من السعودية والكويت وليبيا واليمن ولبنان والسودان، وكلنا عزم أكيد على استقطاب أكبر عدد من الطلاب الدوليين، وذلك تنفيذا لسياسة الدولة المصرية وتماشيا مع استراتيجية جامعة القاهرة.
ولم يتوقف القسم عند هذا الحد بل قام بوضع برنامج علوم العمليات الحيوية والمواد الحيوية وهو برنامج جديد تم الموافقة عليه بالقرار الوزاري رقم ٤٨ وتاريخ ٥/١/٢٠٢٥م.
ولعل أهم ما يميز هذا البرنامج أنه جاء محققا لسياسة مصر ٢٠٣٠ ومواكبا لأهداف الخطة الاستراتيجية لجامعة القاهرة، حيث بنيت مقرراته وأهدافها علي تعليم الطلاب كيفية نقل وتوطين التقنية الحيوية وإعادة إنتاجها محليا في مصر، وذلك للمساهمة في حل المشاكل الملحة لدينا وسد الفجوة في وظائف قطاع التكنولوجيا الحيوية وتقليل الفاتورة الاستيرادية للمنتجات الحيوية.
ومازال يحدونا الأمل أن يصبح هذا البرنامج بأهدافه الهامة ضمن البرامج الدولية لجامعة القاهرة.
