د.رفعت جبر: هل تهزم مزارع الصراصير حظائر الأبقار في معركة بروتين المستقبل؟
عضو المجلس الأعلى للثقافة- أستاذ التقنية الحيوية بكلية علوم القاهرة
-
بروتين الحشرات يقتحم صناعة الغذاء.. استهلاك أقل للموارد وتحديات تتعلق بالسلامة والتقبل
في عالم يتجه نحو زيادة سكانية متواصلة، تتصاعد الضغوط على إنتاج الغذاء، وتزداد المنافسة على الأراضي الزراعية والمياه والطاقة. ومع توقعات وصول عدد سكان العالم إلى نحو 10 مليارات نسمة خلال العقود المقبلة، لم يعد البحث عن مصادر جديدة للبروتين رفاهية علمية، بل أصبح أحد المسارات المطروحة لتعزيز الأمن الغذائي وتقليل الأعباء البيئية للأنظمة الغذائية.
وفي هذا السياق، يبرز البروتين المستخرج من الحشرات باعتباره أحد البدائل التي تستقطب اهتمام الباحثين والشركات والمستثمرين. فبدلًا من الاعتماد الكامل على الأبقار والدواجن، تتجه مشروعات إلى تربية أنواع محددة من الحشرات في منشآت مغلقة، ثم معالجتها وتحويلها إلى مساحيق غنية بالبروتين تدخل في بعض الأغذية والمكملات والأعلاف.
لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت الحشرات قادرة على توفير البروتين، بل ما إذا كان إنتاجها يستطيع المنافسة اقتصاديًا وبيئيًا وصحيًا، وما إذا كان المستهلكون مستعدين لقبولها غذاءً يوميًا.
اقتصاد الحشرات.. سوق واعدة وتوقعات متفاوتة
لم يعد البروتين المستخرج من الحشرات مجرد فكرة غريبة أو ممارسة غذائية محصورة في ثقافات بعينها، بل أصبح قطاعًا ناشئًا ضمن صناعة البروتينات البديلة. وتشمل تطبيقاته مسحوق الحشرات، والمكونات الغذائية الغنية بالبروتين، وألواح الطاقة، وبعض المخبوزات والمكرونة، إلى جانب الاستخدامات المتنامية في أعلاف الأسماك والدواجن والحيوانات.
وتتوقع مؤسسات أبحاث السوق نمو هذا القطاع خلال السنوات المقبلة، لكن تقديراتها تختلف بصورة ملحوظة وفقًا لنطاق السوق الذي تقيسه، وما إذا كانت تشمل الغذاء البشري وحده أم تضيف إليه الأعلاف والمنتجات الحيوانية.
فعلى سبيل المثال، قدّرت شركة «جراند فيو ريسيرش» قيمة سوق الحشرات الصالحة للأكل بنحو 1.4 مليار دولار في عام 2025، مع توقع وصولها إلى 2.8 مليار دولار بحلول 2033، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 8% خلال الفترة من 2026 إلى 2033. وفي المقابل، تطرح تقارير أخرى توقعات أعلى بكثير، ما يؤكد ضرورة قراءة هذه الأرقام وفق منهجية كل دراسة وافتراضاتها، بدلًا من التعامل مع معدل نمو واحد باعتباره حقيقة ثابتة.
وتستثمر شركات في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا وآسيا في تطوير منشآت تربية ومعالجة آلية، بهدف تحسين كفاءة الإنتاج، وضمان ثبات جودة المكونات، وخفض تكلفة التصنيع مع التوسع في حجم العمليات.
ومع ذلك، فإن نمو السوق لا يعني أن بروتين الحشرات أصبح بديلًا اقتصاديًا منافسًا للحوم التقليدية في جميع الاستخدامات؛ فما زالت تكلفة الإنتاج والمعالجة، وحجم الطلب، والتشريعات، وتقبل المستهلك عوامل مؤثرة في فرص التوسع.
لماذا تتمتع الحشرات بميزة في كفاءة استخدام الغذاء؟
توضح منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» أن الحشرات الصالحة للأكل يمكن أن تتمتع بكفاءة مرتفعة في تحويل الغذاء إلى كتلة حيوية. وتشير المنظمة، في موادها التعريفية عن الحشرات والغذاء والأعلاف، إلى أن صراصير الليل تحتاج إلى علف أقل بنحو ست مرات مقارنة بالأبقار لإنتاج الكمية نفسها من البروتين، وفق المقارنة التي تعرضها المنظمة.
وتعود هذه الميزة جزئيًا إلى الاختلافات البيولوجية بين الحشرات والثدييات؛ فالحشرات لا تحتاج إلى الحفاظ على درجة حرارة جسم ثابتة بالطريقة نفسها التي تحتاج إليها الحيوانات ذات الدم الحار، كما يمكن تربية بعض أنواعها بكثافات مرتفعة داخل منشآت مصممة للتحكم في ظروف الإنتاج.
وتتيح هذه الخصائص إمكانات لخفض استخدام الأراضي والأعلاف في بعض نظم الإنتاج، لكنها لا تعني أن جميع الحشرات أو جميع المزارع تحقق النتائج نفسها. فالكفاءة تتأثر بالنوع الذي تتم تربيته، وتركيب العلف، ودرجة الحرارة والرطوبة، ومعدلات النفوق، والطاقة المستخدمة في التدفئة والتهوية والتجفيف، فضلًا عن الطريقة التي تُحسب بها كمية البروتين الناتجة.
ومن المهم أيضًا التمييز بين إنتاج الحشرات للاستهلاك البشري وإنتاجها لاستخدامها في الأعلاف؛ فلكل منهما متطلبات مختلفة من حيث الجودة والمعالجة والتكلفة والاشتراطات التنظيمية.
البصمة البيئية.. ميزة محتملة وليست ضمانًا مطلقًا
يُعد تقليل الضغط على الموارد الطبيعية أحد أبرز الأسباب التي تدفع إلى دراسة البروتين الحشري. فإنتاج لحوم الأبقار يرتبط باستخدام الأراضي والمياه اللازمة لتربية الحيوانات وإنتاج الأعلاف، فضلًا عن انبعاثات غازات الدفيئة، ومن بينها الميثان الناتج عن عمليات الهضم لدى المجترات وإدارة الروث.
أما بعض أنظمة تربية الحشرات، فقد تحقق احتياجات أقل من الأراضي والأعلاف، ويمكن أن تسهم في خفض الانبعاثات مقارنة ببعض نظم الإنتاج الحيواني التقليدي. لكن تحديد حجم هذه الميزة يتطلب مقارنة علمية تستخدم حدودًا موحدة لدورة الإنتاج، وتأخذ في الاعتبار مصدر الطاقة، ونوع العلف، ومعدلات الإنتاج، والتجفيف، والنقل، والمعالجة.
ولهذا السبب، لا يصح تعميم أرقام محددة لاستهلاك المياه أو القول إن إنتاج البروتين الحشري لا يترك بصمة كربونية تُذكر دون الاستناد إلى دراسة محددة توضّح نوع الحشرة والمنتج وظروف الإنتاج.
وتبرز فرصة إضافية عندما يمكن استخدام بعض المنتجات الثانوية الزراعية والغذائية في تغذية أنواع مناسبة من الحشرات، بما قد يدعم الاقتصاد الدائري ويعيد توجيه بعض الموارد إلى الاستخدام الإنتاجي. غير أن هذا المسار يحتاج إلى ضوابط واضحة بشأن طبيعة المواد المستخدمة، ومخاطر التلوث، وسلامة المنتج النهائي، والاشتراطات القانونية المعمول بها في كل دولة.
وبالتالي، فإن الميزة البيئية الحقيقية لا تتحقق لمجرد استبدال الأبقار بالحشرات، وإنما تعتمد على تصميم منظومة إنتاج كاملة تتسم بالكفاءة والسلامة وانخفاض الأثر البيئي.
هل البروتين الحشري أكثر أمانًا من اللحوم التقليدية؟
قد توفر المنشآت المغلقة وأنظمة التربية المنظمة قدرة أكبر على التحكم في ظروف الإنتاج، ومراقبة الأعلاف، والحد من تعرض الحشرات لبعض الملوثات. لكن ذلك لا يعني أن البروتين المستخرج منها خالٍ تمامًا من الفيروسات أو البكتيريا أو السموم أو مسببات الحساسية.
فمثلما تحتاج اللحوم والألبان والبيض إلى نظم رقابة صحية مناسبة، تحتاج منتجات الحشرات أيضًا إلى تقييم مخاطر يشمل نوع الحشرة، ومصدر الغذاء الذي تتناوله، والظروف الميكروبيولوجية للتربية، وطرق الحصاد والمعالجة والتخزين.
كما أن القيمة الغذائية لا تُقاس بنسبة البروتين وحدها. فتركيب الأحماض الأمينية، وقابلية الهضم، ووجود الكيتين في الهيكل الخارجي لبعض الحشرات، وطريقة احتساب البروتين، كلها عوامل ينبغي أخذها في الاعتبار عند مقارنة المنتجات المختلفة.
وتحذر الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية من أهمية تقييم التركيب الغذائي والسمية والخصائص المسببة للحساسية، إلى جانب دراسة عملية الإنتاج نفسها قبل السماح بتسويق الأغذية الجديدة. كما تشير الأدبيات العلمية إلى احتمال حدوث تفاعلات تحسسية متصالبة بين بعض بروتينات الحشرات ومسببات حساسية القشريات، مثل الجمبري، وكذلك عث الغبار.
ومن ثم، فإن إنتاج بروتين الحشرات داخل مزارع منظمة قد يساعد على تحسين التحكم في المخاطر، لكنه لا يغني عن الفحوص والرقابة والالتزام بمتطلبات سلامة الغذاء.
من مسحوق البروتين إلى ألواح الطاقة والمخبوزات
قد لا يرغب كثير من المستهلكين في تناول الحشرات بصورتها الكاملة، لكن تحويلها إلى مسحوق أو مكونات غذائية يمكن أن يتيح استخدامها في منتجات مألوفة.
ومن التطبيقات التي تعمل عليها الشركات أو تظهر في الأسواق وفقًا لنوع المنتج والتشريعات المحلية:
- ألواح البروتين والطاقة المخصصة لبعض فئات الرياضيين.
- مساحيق البروتين والمكملات الغذائية.
- بعض أنواع المخبوزات والمكرونة والأغذية المصنعة.
- مكونات البروتين في أعلاف الأسماك والدواجن والحيوانات، وفق الأنواع والاستخدامات المسموح بها.
ولا يعني وجود هذه التطبيقات أن جميع المنتجات متاحة في كل الأسواق أو أن كل أنواع الحشرات مسموح باستخدامها في الغذاء البشري. فالتصاريح تختلف بين الدول، وقد ترتبط بنوع محدد من الحشرات، وشكل المعالجة، والاستخدام المقصود، والكميات المسموح بإضافتها إلى المنتج.
وتظل الشفافية في بيان المكونات أمرًا أساسيًا لتمكين المستهلك من اتخاذ قرار واعٍ، لا سيما الأشخاص الذين لديهم تاريخ من الحساسية الغذائية.
ماذا تقول الهيئات الدولية والجهات التنظيمية؟
تدعم منظمة الأغذية والزراعة «الفاو» البحث في الحشرات باعتبارها مصدرًا محتملًا للبروتين والغذاء والأعلاف، وتعرض فوائدها المحتملة في كفاءة تحويل الغذاء وتقليل بعض الضغوط البيئية. لكن هذا لا يعني أن المنظمة تمنح اعتمادًا عامًا لكل منتجات الحشرات أو توصي بإدخالها دون قيود إلى جميع الأنظمة الغذائية.
أما منظمة الصحة العالمية، فلا ينبغي نسبة موقف تنظيمي محدد إليها بشأن اعتماد بروتين الحشرات بوصفه بديلًا غذائيًا عالميًا ما لم يُستند إلى وثيقة رسمية واضحة. فالاعتراف بإمكانات مصدر غذائي جديد لا يساوي إقرار سلامة كل منتج مشتق منه.
وفي الولايات المتحدة، لا يصح القول إن إدارة الغذاء والدواء الأمريكية «FDA» تعتمد مسحوق الصراصير ويرقات الذبابة المحاربة السوداء بصورة عامة باعتبارهما مكونين غذائيين صالحين للاستخدام دون تمييز. إذ يخضع الوضع التنظيمي للمكونات الغذائية للقواعد المعمول بها، بما في ذلك متطلبات سلامة المضافات الغذائية، أو الشروط ذات الصلة بالمكونات التي يُستند في استخدامها إلى اعتبارها آمنة عمومًا، بحسب طبيعة المكوّن والاستخدام المقصود.
وفي الاتحاد الأوروبي، تُعامل أنواع من الحشرات المخصصة للاستهلاك البشري باعتبارها أغذية جديدة، وتخضع لتقييم علمي وإجراءات ترخيص قبل طرحها في السوق. ويشمل التقييم بيانات عن التركيب الغذائي، والسلامة الميكروبيولوجية، والسمية، والحساسية، وظروف الإنتاج والاستخدام.
وتوضح هذه الأطر أن مستقبل البروتين الحشري لن يتحدد بقدرته على توفير البروتين وحده، بل بمدى التزام المنتجين بالمعايير الصحية والرقابية، ووضوح البيانات المقدمة للمستهلك.
التحدي الأكبر.. الثقافة والتكلفة وثقة المستهلك
رغم التطور التقني، يظل تقبل المستهلك أحد أهم العوامل التي ستحدد حجم السوق. فالحشرات تدخل في الأنظمة الغذائية التقليدية لبعض المجتمعات في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، بينما قد تثير النفور لدى مستهلكين في مجتمعات أخرى.
ولا يمكن اختزال المواقف العالمية في معادلة تقول إن نصف سكان الأرض يرفضون الحشرات والنصف الآخر يقبلها؛ إذ تختلف العادات الغذائية داخل الدولة الواحدة، كما تتأثر الاستجابة بطريقة تقديم المنتج، وسعره، ومذاقه، والمعلومات المتاحة عن سلامته.
كذلك، ليس دقيقًا افتراض أن بروتين الحشرات منتج فاخر مخصص للأثرياء والرياضيين في جميع الحالات. فتكلفة الإنتاج تختلف حسب النوع والمنشأة وحجم العمليات، كما أن بعض استخدامات البروتين الحشري في الأعلاف قد تستهدف أسواقًا مختلفة تمامًا عن أسواق المكملات الغذائية البشرية.
ومن هنا، فإن نجاح هذا القطاع يحتاج إلى أكثر من الابتكار التقني؛ فهو يتطلب بناء الثقة، وشفافية الملصقات الغذائية، وتطوير منتجات مقبولة من حيث المذاق والسعر، إلى جانب توفير بيانات مستقلة عن القيمة الغذائية والأثر البيئي.
هل تنتصر ذوات الأرجل الستة على ذوات الأرجل الأربعة؟
من غير المرجح أن يكون مستقبل البروتين معركة تنتهي بانتصار مصدر غذائي واحد على بقية المصادر. فالأمن الغذائي يحتاج إلى تنويع الإنتاج، وتحسين كفاءة الزراعة وتربية الحيوانات، وتقليل الفاقد والهدر، وتطوير مصادر بروتين متعددة تتناسب مع الموارد والاحتياجات والعادات الغذائية لكل مجتمع.
وفي هذا الإطار، يمكن أن يصبح البروتين المستخرج من الحشرات جزءًا من الحل، خصوصًا في الاستخدامات التي يثبت فيها تفوقه الاقتصادي والبيئي، أو التي يستطيع فيها توفير مكونات غذائية بكفاءة مناسبة. لكنه لن يكون حلًا سحريًا لأزمة الغذاء، ولن يحل وحده مشكلات نقص المياه أو تدهور الأراضي أو ارتفاع تكلفة الإنتاج.
إن التحدي الحقيقي أمام العالم ليس إجبار المستهلكين على تغيير موائدهم، بل بناء منظومة غذائية أكثر تنوعًا وكفاءة وأمانًا، تتيح الاختيار بين مصادر متعددة للبروتين، وتُخضع كل مصدر للمعايير العلمية والاقتصادية والبيئية نفسها.
وقد لا تصبح الحشرات بديلًا شاملًا للحوم الأبقار والدواجن، لكنها قد تتحول إلى أحد مكونات سوق البروتين المستقبلية. والفيصل في ذلك لن يكون غرابة الفكرة أو جاذبية التوقعات الاستثمارية، بل ما تثبته الأبحاث والتجارب الصناعية عن سلامتها، وتكلفتها، وأثرها الفعلي في الموارد والبيئة.





