وجهات نظر

د.رفعت جبر: عاصفة فانزور تتخطي تقنية كريسبر/ كاس لتحرير الجينوم

رئيس قسم التقنية الحيوية - كلية العلوم جامعة القاهرة

يعد اكتشاف تقنية كريسبر/ كاس9 (المقص الجيني)، أحد أهم الاكتشافات العلمية فى القرن الحادي والعشرين، والتي بموجبها حصل كل من د. إيمانويل شاربنتييه (متخصصة فى فى مجال البكتريا المسببة للأمراض)، مديرة وحدة ماكس بلانك لعلوم مسببات الأمراض، في برلين، ألمانيا؛ د.جينيفر دودنا (متخصصة فى تداخل الحمض النووي الريبي)، من جامعة كاليفورنيا، بيركيلي، الولايات المتحدة الأمريكية؛ على جائزة نوبل فى الكيمياء لعام 2020م وذلك عن جهودهما فى تطوير طريقة للتحرير الجيني.

وقد أثمر تعاونهما القصير والمكثف بداية من عام 2011م إلى إمكانية برمجة كريسبر: وهو عبارة عن آلية دفاع طبيعية موجودة في الحمض النووي للبكتيريا (بدائية النواة)، تمثل التكرارات العنقودية المتناظرة القصيرة منتظمة التباعد وهي نوع من تسلسلات الحمض النووي الريبوزي المتكررة؛ وكاس: هو عبارة عن إنزيم، لقص جزئية من جزئيات الحمض النووي في أي مرحلة وهو البروتين المرتبط بكريسبر وهو بروتين مضاد لفيروسات الحمض النووي الريبوزي، وهناك 93 نوعا منه، أحدها كاس9.

ولم نلبث أن نهدأ ونتعاطي مع تقنية كريسبر/ كاس حتى يطالعنا فريق بحثى جديد مكون من كل من (ماكوتو سايتو، بييو شو، ويليام فور، سامانثا ماجواير، سوميا كانان، هان ألتاي تران، سام فو ، أن ديسيمون، ريانون ك. ماكراي وفينج زانج) من الولايات المتحدة الأمريكية من عدة أقسام تنتمي إلى جامعة هارفارد، كامبريدج، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بتقنية جديدة للتحرير الجيني تسمي فانزور “Fanzor”: وهي كيفية استخدام الحمض النووى الريبي كدليل لتحديد موقع معين فى الجينوم، ثم قصه أوتعديله فى الخلايا حقيقية النواة؛ ببحث جديد تم إرساله للنشر بتاريخ 23 مارس 2023م وقبوله بمجلة نيتشر الشهيرة فى 20 يونيه 2023م.

ويخلص البحث إلى أن أنظمة الرنا الموجهة، والتي تستخدم التكامل بين دليل الحمض الريبوزي ومتواليات مستهدفة من الأحماض النووية للتعرف على العناصر الجينية، تلعب دورا مركزيا فى العمليات البيولوجية في كل من بدائيات النوى وحقيقيات النوى.

فعلى سبيل المثال: أنظمة كريسبر/ كاس بدائية النواة توفر مناعة تكيفية للبكتيريا والعتائق ضد العناصر الوراثية الغريبة.

وعلى الرغم من أن عددا قليلا من الأنظمة الموجهة من الحمض النووي الريبي حقيقية النواة قد تمت دراستها عن طريق استخدام كاس9، وكاس12 حتى الآن (مثل تداخل الحمض النووي الريبي وتعديل الحمض النووي الريبي الريبوزومي)، إلا أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت حقيقيات النوى تحتوي على نوكليازات داخلية موجهة من الحمض النووي الريبوزي.

إلا أنه في الآونة الأخيرة، كان هناك فئة جديدة من النظام الموجه بدائية النواة من الحمض النووي الريبي (يُطلق عليه OMEGA).

ويعد مؤثر أوميجا TnpB (نوكلياز داخلي للحمض النووي الريبوزي قابل للبرمجة)، وهو السلف المفترض لـ Cas12، وله نشاط نوكلياز داخلي موجه من الحمض النووي الريبي هو السلف المفترض لـ Cas12 ولديه RNA موجه نشاط نوكلياز.

وقد يكون TnpB أيضا سلفا لبروتينات فانزور (Fz) المشفرة بالترانسبوزون حقيقية النواة، مما يزيد من احتمالية أن تكون حقيقيات النوى مجهزة أيضا بـ CRISPR Cas / OMEGA مثل جزيئات الحمض النووي الريبي (RNA) القابلة للبرمجة والموجهة.

وهذا يؤكد امكانية إعادة برمجة فانزور لتطبيقات هندسة الجينوم البشري.

وينهي المؤلفون كلامهم قمنا بحل بنية الفطر الرميSpizellomyces punctatus ((SpuFz عند 2.7 درجة مئوية باستخدام المجهر الإلكتروني المبرد، وكشفنا عن الحفاظ على المناطق الأساسية بين Fz و TnpB و Cas12، ذلك على الرغم من تنوع هياكل الحمض النووي الريبي المتشابهة. تظهر نتائجنا أن فانزور هو نظام أوميجا حقيقي النواة، مما يدل على ذلك تواجد نوكليازات داخلية موجهة من الحمض النووي الريبي في جميع صور الحياة الثلاثة لبدائيات وحقيقيات النواة.

وكالعادة فإن تقنيات التحرير الجيني سلاح ذو حدين، فكما أنها أمل فى الزراعة والطب، بل وحتى علاج بعض الأمراض الوراثية مثل داء هنتنغتون والتليف الكيسي وبعض أنواع السرطانات، فإن تطبيقاتها وأثرها تثير المخاوف الأخلاقية والسياسية والإجتماعية.

ولعل الوصف الدقيق الذي أورده د. كليس غوستافسون، رئيس لجنة نوبل للكيمياء، في مقال نشرته الأكاديمية السويدية الملكية للعلوم قد أظهر الوجه الحسن فقط، حيث قال: “أتاح استحداث هذه التكنولوجيا للعلماء تعديل سلاسل الحمض النووي الريبوزي في مجموعة كبيرة من الخلايا والكائنات العضوية.

فلم تعد المناورات الوراثية مأزقا تجريبيا. فتكنولوجيا كريسبر-كاس 9 تستخدم اليوم على نطاق واسع في العلوم الأساسية، والبيوتكنولوجيا، وفي تطوير العلاجات المستقبلية.

ولذلك فقد أدركت كلا الحائزتين على جائزة نوبل حجم اكتشافهما مبكرا، فقد تحدثت د. دودنا موضحة كيف شعرت منذ عام 2014م بمسؤولية متزايدة عن المشاركة في المناقشات العامة المتعلقة بالجوانب الأخلاقية.

وقد صرحت في بداية عام 2020م لصحيفة الفايننشيال تايمز، معربة عن مخاوفها: “علينا التفكير في هذه التداعيات الأوسع المترتبة على تكنولوجيا قوية وفي كيفية تطويرها على نحو مسؤول.

” ولذلك فقد ساعدت في إنشاء معهد الجينوم الابتكاري وترأست مجلس إدارته في بيركيلي، بكاليفورنيا، بالولايات المتحدة الأمريكية.

ويلتزم المعهد بتعزيز فهم الجمهور، وتوفير الموارد اللازمة للمجتمع على نطاق أوسع، وتوجيه الاستخدام الأخلاقي للتكنولوجيات الوراثية.

وقد أنشئ فريق الخبراء الدولي التابع لمنظمة الصحة العالمية في ديسمبر2018م، ونشر بيانا عن الإدارة والرقابة في يوليو 2019م، مفاده محاولة التركيزعلى المسائل الأخلاقية التي تثيرها تقنيات التحرير الجيني وأنها ليست قاصرة على تحرير الخط الجنسي البشري.

ونظرا لقدرتها على تحويل الأنظمة البيولوجية، حيث تطرح تساؤلات عدة عن كيفية الإستخدام الآمن لهذه التكنولوجيا والمقبولة اجتماعيا؟

وما هي الأبحاث التي ينبغي إعطاؤها الأولوية؟ وكيف يمكن كفالة النفاذ العادل إلى العلاجات التي تغير الحياة والتي قد تتكلف ملايين الدولارات لكل علاج، لا سيما في الأنظمة الصحية التي تعتمد على دفع العامة مقابل الاستفادة منها؟

وما هي الآثار الاجتماعية والاقتصادية لتعديل جينات المحاصيل أو الوقود على المزارعين والعاملين في مجال الزراعة وكيف ستؤثر مثل هذه الاستخدامات على الأنظمة الإيكولوجية؟

وإذا كانت تفاصيل التحرير الجيني قد تبدو معقدة لغير الملمين بالموضوع، فإن العلماء يتحدثون عن البساطة التي تتسم بها نسبيا، مما جعلها متاحة للباحثين في جميع أنحاء العالم وفي مجموعة واسعة من المجالات فاقت جميع التخيلات والتوقعات.

فإن السؤال الأبرز ولاتزال إجابته غير واضحة هو: هل تقنيات التحرير الجيني تعد خطرا فى فى المستقبل القريب رغم كل المنافع الحالية؟

وإذا حق لى الإجابة عن هذا السؤال فإن رأى المتواضع هو أننا على أعتاب مستقبل يتسم بالخطورة أكثر ممايتسم بالأمان، وخاصة إذا اتحدت تقنيات النانو والذكاء الإصطناعي والتحرير الجيني فإنها سوف تمثل خطورة أكبر من القنابل النووية حول العالم وخاصة إذا اتجهت نحو التكنولوجيا السوداء.

وتكمن الخطورة فى الثقة المفرطة من العلماء فى قدرتهم على وضع الأمور تحت السيطرة، ناهيك عن سهولة الحصول على مثل هذه التقنيات مقارنة بالتكنولوجيا النووية. وعلى الرغم من عدم وجود أدلة دامغة، فإن الشواهد كثيرة ومتعددة لعدم وجود الرادع للبحوث المارقة حول العالم لاستخدام مثل هذه التقنيات فى الحروب البيولوجية.

وفى النهاية دعونا ننعم بالإيجابيات الموجودة على أرض الواقع حاليا لمثل هذه التقنيات وننظر إلى المستقبل بعين الرضا والتفاؤل مع عدم التخلى عن الحذر.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading