أخبارتغير المناخ

دراسة دولية تكشف أسباب الارتفاع القياسي لانبعاثات الميثان خلال إغلاقات كورونا

ارتفعت انبعاثات غاز الميثان خلال الأشهر الأولى من عام 2020، في وقتٍ بدت فيه الطرق السريعة شبه خالية، وتوقفت حركة الطيران، وأُغلقت المصانع أو تباطأ نشاطها. نظر كثيرون إلى السماء ولاحظوا صفاءها، وكأن الكوكب قد دخل في حالة توقف مؤقت.

انخفض تلوث الهواء الناتج عن السيارات والأنشطة الصناعية بسرعة، وبدا الاتجاه واضحًا: نشاط بشري أقل يعني هواءً أنظف. لكن الميثان لم يتبع هذا النمط، إذ ارتفع بشكل حاد رغم ذلك، وهو أحد أقوى غازات الدفيئة تأثيرًا في الاحترار العالمي.

وأثار هذا الأمر حيرة العلماء: كيف يمكن لغاز يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالنشاط البشري أن يرتفع بهذه السرعة بينما توقفت معظم تلك الأنشطة؟

لا يبقى الميثان في الغلاف الجوي بقدر ما يبقى ثاني أكسيد الكربون؛ إذ يستمر لنحو 10 سنوات فقط. لكن خلال وجوده، يكون تأثيره كبيرًا، حيث يمكن لطن واحد من الميثان أن يحتجز حرارة تعادل نحو 30 ضعف ما يحتجزه طن من ثاني أكسيد الكربون على مدى 100 عام، ما يجعله ثاني أكبر مسببات الاحترار العالمي بعد ثاني أكسيد الكربون.

وارتفعت تركيزات الميثان في الغلاف الجوي بين عامي 2020 و2022 بأسرع معدل مُسجل على الإطلاق، إذ بلغت الذروة عند 16.2 جزءًا في المليار سنويًا، قبل أن تنخفض إلى 8.6 جزءًا في المليار سنويًا في عام 2023.

وتوضح دراسة دولية جديدة ما حدث، حيث جمع الباحثون بيانات من الأقمار الصناعية، وقياسات أرضية، وبيانات كيمياء الغلاف الجوي، إلى جانب نماذج حاسوبية متقدمة، لإعادة بناء الميزانية العالمية للميثان خلال الفترة من 2019 إلى 2023.

وأشارت النتائج إلى حدوث تحول مؤقت وقوي في كيمياء الغلاف الجوي كان المحرك الرئيسي لارتفاع الميثان.

ويقف في قلب هذه القصة ما يُعرف بالجذور الهيدروكسيلية، التي يصفها العلماء غالبًا بأنها “منظف الغلاف الجوي”، إذ تعمل هذه الجزيئات شديدة التفاعل على تفكيك الميثان وملوثات أخرى، وتحدد إلى حد كبير مدة بقائه في الهواء.

وخلال عامي 2020 و2021، انخفضت مستويات هذه الجذور عالميًا، نتيجة تراجع انبعاثات غازات مثل أكاسيد النيتروجين وأول أكسيد الكربون والمركبات العضوية المتطايرة بسبب الإغلاقا

وتسهم هذه الغازات في تكوين الجذور الهيدروكسيلية من خلال تفاعلات تشمل ضوء الشمس والأوزون وبخار الماء. ومع انخفاض توافر هذه المكونات، تراجعت قدرة الغلاف الجوي على “تنظيف” نفسه، ما أدى إلى بقاء الميثان لفترة أطول.

ووفقًا للدراسة، يفسر هذا التراجع في القدرة التأكسدية للغلاف الجوي نحو 80% من التباين السنوي في نمو تركيزات الميثان خلال تلك الفترة.

ولم تكن الكيمياء وحدها العامل المؤثر، إذ شهدت أنماط الطقس تغيرات ملحوظة أيضًا، حيث أدت ظاهرة النينيا الممتدة بين عامي 2020 و2023 إلى زيادة معدلات الرطوبة في مناطق واسعة من المناطق المدارية.

وعندما تغمر المياه التربة وتتوسع الأراضي الرطبة، تنشط الكائنات الدقيقة التي تعيش في بيئات منخفضة الأكسجين، وتنتج الميثان أثناء تحلل المواد العضوية.

وسُجلت أكبر الزيادات في انبعاثات الميثان في إفريقيا المدارية وجنوب شرق آسيا، كما أطلقت الأراضي الرطبة والبحيرات في القطب الشمالي كميات إضافية من الميثان مع ارتفاع درجات الحرارة.

في المقابل، شهدت الأراضي الرطبة في أمريكا الجنوبية انخفاضًا حادًا في الانبعاثات خلال عام 2023، نتيجة جفاف شديد مرتبط بظاهرة النينيو.

وعلى الرغم من أن البعض قد يربط ارتفاع الميثان بتسربات النفط والغاز أو حرائق الغابات، فإن هذه المصادر لعبت دورًا محدودًا في هذه الزيادة.

وتمكن العلماء من تتبع مصادر الميثان من خلال دراسة “البصمات النظيرية”، التي أشارت بوضوح إلى مصادر ميكروبية مثل الأراضي الرطبة والمياه الداخلية والأنشطة الزراعية.

وكشف ذلك عن أوجه قصور في النماذج الحالية للميثان، التي قللت من تقدير الانبعاثات الصادرة عن الأراضي الرطبة خلال هذه الفترة غير المعتادة.

واعتمدت الدراسة بشكل كبير على بيانات الأقمار الصناعية، التي تتيح تتبع غازات الدفيئة على مستوى العالم، بما في ذلك المناطق النائية التي تفتقر إلى محطات رصد أرضية.

وتؤكد هذه النتائج أن اتجاهات الميثان المستقبلية لن تعتمد فقط على خفض الانبعاثات من الوقود الأحفوري والزراعة، بل أيضًا على سياسات جودة الهواء والتغيرات المناخية التي تؤثر في النظم البيئية الطبيعية.

ولا يُعد الغلاف الجوي مجرد وعاء سلبي، بل نظامًا كيميائيًا ديناميكيًا يتفاعل مع التغيرات في التلوث وأنماط الطقس ودرجات الحرارة. وعندما يتغير أحد عناصره، تستجيب بقية العناصر.

ويُظهر ما حدث في عام 2020 مدى تعقيد هذا النظام، إذ إن خفض الانبعاثات على المدى القصير لا يضمن نتائج مناخية فورية، ما لم يكن هذا الخفض مستدامًا وطويل الأجل.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading