تستعد شبكات النقل العالمية لواحدة من أكبر موجات التوسع في التاريخ، مدفوعة بنمو السكان والاقتصادات، ما سيؤدي إلى إنشاء كميات هائلة من الطرق والسكك الحديدية والجسور والمطارات.
وقد يتطلب تلبية هذا الطلب استخدام مئات المليارات من الأطنان من الخرسانة والصلب والأسفلت بحلول عام 2060.
لكن دراسة حديثة تشير إلى أن الفرصة الأكبر لخفض الانبعاثات الكربونية لا تكمن في تحسين مواد البناء أو التحول الكامل إلى السكك الحديدية، بل في تصميم مدن تقل فيها الحاجة إلى البنية التحتية من الأساس.
عالم قائم على الطرق
اعتمد الباحثون على بيانات تفصيلية لرسم خريطة شبكات الطرق والسكك الحديدية عالميًا، ووجدوا أن إجمالي المواد المستخدمة في البنية التحتية للنقل بلغ نحو 355 مليار طن في عام 2024.
وتستحوذ الطرق على النصيب الأكبر، خاصة الطرق المحلية والريفية، فيما تشكل السكك الحديدية نسبة صغيرة لا تتجاوز 6%، لكنها تستهلك الجزء الأكبر من الصلب.
كما يتفاوت توزيع هذه البنية التحتية بشكل كبير بين الدول، إذ يقل نصيب الفرد في بعض مناطق أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا عن 5 أطنان، بينما يتجاوز 500 طن في أمريكا الشمالية.
نمو متسارع في الطلب
من المتوقع أن يرتفع الطلب على التنقل بنسبة 80% بحلول عام 2060، ما قد يؤدي إلى مضاعفة حجم البنية التحتية ليصل إلى نحو 720 مليار طن.
وفي حال سعت الدول النامية إلى تحقيق مستويات مماثلة من البنية التحتية للدول المتقدمة، فقد يتجاوز الإجمالي تريليون طن.
وسيتركز هذا النمو بشكل رئيسي في دول الجنوب العالمي، خاصة جنوب آسيا وأفريقيا، التي تسعى لتوسيع شبكاتها لمواكبة النمو الاقتصادي.
التكلفة الكربونية للسكك الحديدية
رغم أن السكك الحديدية تُعد وسيلة نقل منخفضة الانبعاثات أثناء التشغيل، فإن إنشاءها يتطلب كميات ضخمة من المواد، ما يؤدي إلى انبعاثات كبيرة تُعرف بـ”الانبعاثات المتجسدة”.
وقد أظهرت الدراسة أن التحول الكامل نحو السكك الحديدية قد يرفع هذه الانبعاثات إلى نحو 37 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون، مقارنة بـ11 مليار طن في السيناريو الحالي.
تشير الدراسة إلى أن الحل الأكثر فاعلية يتمثل في تقليل الحاجة إلى التنقل من خلال تخطيط حضري أفضل.
فالمدن المدمجة، التي تجمع بين السكن والعمل والخدمات في نطاق قريب، تقلل الحاجة إلى بناء طرق جديدة، وتخفض الانبعاثات المرتبطة بالبنية التحتية.
ويمكن أن يؤدي تقليل الطلب على التنقل إلى خفض الانبعاثات المتجسدة بنسبة تصل إلى 44% بحلول عام 2060.
مواد أنظف.. لكن التأثير محدود
رغم أهمية استخدام مواد بناء أكثر استدامة وإعادة التدوير، فإن تأثير هذه الإجراءات وحدها يظل محدودًا، إذ لا تتجاوز نسبة الخفض 4 إلى 8%.
لكن عند دمجها مع تقليل الطلب على التنقل، يمكن خفض الانبعاثات بنسبة تصل إلى 63%.
تؤكد الدراسة أن تصميم المدن واختيار مواقع البنية التحتية سيكون لهما تأثير طويل الأمد على أنماط التنقل والانبعاثات.
فالمدن التي تُبنى اليوم ستحدد سلوك التنقل لعقود قادمة، ما يجعل القرارات الحالية حاسمة في مواجهة تغير المناخ.
كما تبرز أهمية التخطيط المتكامل الذي يوازن بين تلبية احتياجات التنقل وتحقيق أهداف المناخ.
