حصاد المياه من الهواء.. خارطة طريق جديدة لتحويل الرطوبة الجوية إلى مصدر مستدام للمياه

تقنية واعدة لمواجهة أزمة المياه العالمية.. مواد متطورة وأنظمة ذكية تعزز إنتاج المياه من رطوبة الهواء

في ظل تصاعد أزمة ندرة المياه عالميًا، وتزايد الضغوط الناتجة عن النمو السكاني والتغير المناخي والتوسع العمراني، تتجه الأنظار إلى مصادر غير تقليدية يمكنها تعزيز الأمن المائي وتوفير حلول مستدامة للمناطق الأكثر معاناة من شح المياه.

ومن بين هذه الحلول الواعدة تبرز تقنيات حصاد المياه من الغلاف الجوي باعتبارها أحد أكثر المجالات البحثية تطورًا خلال السنوات الأخيرة.

وتؤكد دراسة علمية حديثة نشرتها مجلة Science Advances أن التقنيات المعتمدة على امتصاص بخار الماء من الهواء، والمعروفة باسم تقنيات حصاد المياه الجوية القائمة على المواد الماصة (SAWH)، تمتلك إمكانات كبيرة لتوفير المياه في البيئات الجافة وشبه الجافة، إذا ما جرى تطوير المواد المستخدمة فيها وتحسين كفاءة الأنظمة الهندسية المرتبطة بها.

تقنية واعدة لمواجهة أزمة المياه العالمية

أزمة مياه عالمية تتفاقم

تُعد المياه عنصرًا أساسيًا لاستمرار الحياة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، إلا أن العالم يواجه تحديًا متزايدًا يتمثل في اتساع فجوة المياه بين العرض والطلب.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الطلب العالمي على المياه العذبة قد يتجاوز الإمدادات المتاحة بنحو 40% بحلول عام 2030، وهو الموعد المستهدف لتحقيق الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بضمان حصول الجميع على المياه وخدمات الصرف الصحي.

وتزداد حدة الأزمة في المناطق التي تفتقر إلى خدمات مياه الشرب الآمنة، خصوصًا في أجزاء واسعة من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا وأمريكا اللاتينية، ما يدفع الباحثين إلى البحث عن موارد مائية جديدة خارج المصادر التقليدية كالأنهار والمياه الجوفية والسدود.

تقنية واعدة لمواجهة أزمة المياه العالمية

الغلاف الجوي.. خزان مائي هائل فوق رؤوسنا

رغم أن الهواء يبدو جافًا في كثير من المناطق، فإن الغلاف الجوي للأرض يحتوي على كمية هائلة من المياه تُقدر بنحو 12.9 ألف تريليون لتر على شكل بخار ماء موزع في طبقات الجو المختلفة.

وتاريخيًا اعتمدت محاولات الاستفادة من هذه المياه على تقنيات جمع الندى أو الضباب، إلا أن هذه الوسائل ترتبط بظروف مناخية محددة تجعل استخدامها محدودًا في العديد من المناطق القاحلة.

أما تقنيات حصاد المياه الجوية الحديثة فتعتمد على مبدأ مختلف، إذ تستخدم مواد متخصصة قادرة على التقاط جزيئات الماء من الهواء حتى عند مستويات منخفضة من الرطوبة، ثم تحريرها لاحقًا للحصول على مياه سائلة قابلة للاستخدام.

كيف تعمل أنظمة حصاد المياه من الهواء؟

تعتمد هذه الأنظمة على ثلاث مراحل رئيسية:

أولًا: الامتصاص

تقوم المادة الماصة بالتقاط بخار الماء الموجود في الهواء المحيط وتخزينه داخل بنيتها الكيميائية أو المسامية.

ثانيًا: التحرير

بعد تشبع المادة بالماء، يتم تسخينها باستخدام الطاقة الشمسية أو أي مصدر حراري آخر، ما يؤدي إلى تحرير بخار الماء المخزن.

ثالثًا: التكثيف

ينتقل البخار الناتج إلى وحدة تكثيف يتم تبريدها نسبيًا، فيتحول إلى ماء سائل يُجمع داخل خزانات مخصصة.

وتتميز هذه العملية بأنها أكثر كفاءة من أنظمة تكثيف الهواء التقليدية، لأن المواد الماصة ترفع فعليًا نقطة الندى داخل النظام، ما يقلل الطاقة اللازمة لإنتاج المياه.

المواد الذكية وراء الثورة الجديدة

يرى الباحثون أن نجاح تقنيات حصاد المياه يعتمد بدرجة كبيرة على خصائص المواد المستخدمة في التقاط الرطوبة الجوية.

الهياكل العضوية المعدنية (MOFs)

تُعد هذه المواد من أكثر الخيارات تطورًا في الوقت الراهن، إذ تمتلك شبكة من المسام الدقيقة القادرة على جذب جزيئات

الماء بكفاءة عالية.

وتتميز هذه المواد بإمكانية تصميمها هندسيًا لاستهداف مستويات محددة من الرطوبة، ما يجعلها مناسبة للعمل في المناطق الصحراوية التي تنخفض فيها الرطوبة إلى أقل من 30%.

كما تسمح خصائصها المسامية بإطلاق المياه بسهولة نسبيًا عند التسخين، وهو ما يرفع كفاءة التشغيل ويخفض استهلاك الطاقة.

الهلاميات المائية (Hydrogels)

تمثل الهلاميات المائية فئة أخرى واعدة، وهي عبارة عن شبكات بوليمرية قادرة على امتصاص كميات كبيرة من الماء والاحتفاظ بها.

وتزداد أهمية هذه المواد بفضل إمكانية دمجها بأملاح ماصة للرطوبة أو تطويرها لتستجيب للتغيرات الحرارية، ما يسمح بإطلاق المياه عند درجات حرارة منخفضة نسبيًا مقارنة بمواد أخرى.

المواد المركبة القائمة على الأملاح

تعتمد هذه الأنظمة على أملاح شديدة الامتصاص للرطوبة مثل كلوريد الليثيوم، والتي تستطيع التقاط كميات كبيرة من الماء حتى في البيئات الجافة.

لكن استخدامها يواجه تحديات مرتبطة بتسرب الأملاح والتآكل وصعوبة المحافظة على الاستقرار التشغيلي خلال دورات التشغيل الطويلة.

تقنية واعدة لمواجهة أزمة المياه العالمية

التحدي الحقيقي ليس المادة فقط

تشير الدراسة إلى أن العديد من المواد الماصة تحقق نتائج ممتازة داخل المختبرات، لكنها تواجه صعوبات عند تحويلها إلى أنظمة عملية واسعة النطاق.

فكلما زادت كمية المادة المستخدمة لإنتاج المزيد من المياه، أصبحت حركة بخار الماء داخل النظام أكثر صعوبة، ما يؤدي إلى تراجع الكفاءة الفعلية.

ولهذا السبب يركز الباحثون حاليًا على تطوير هياكل ثلاثية الأبعاد ومسارات داخلية متقدمة تسمح بمرور الهواء والرطوبة بسهولة مع الحفاظ على كثافة تخزين مرتفعة للمياه.

كما يجري العمل على دمج مواد موصلة للحرارة داخل المواد الماصة لتحسين توزيع الحرارة أثناء مرحلة تحرير المياه.

أنظمة سلبية وأخرى نشطة

تنقسم أنظمة حصاد المياه الجوية إلى نوعين رئيسيين:

الأنظمة السلبية

تعتمد بالكامل على الطاقة الشمسية دون الحاجة إلى مصادر طاقة إضافية.

وتتميز بانخفاض تكاليف التشغيل وسهولة استخدامها في المناطق النائية، لكنها تتأثر بالتغيرات اليومية والموسمية في الإشعاع الشمسي.

الأنظمة النشطة

تستخدم عناصر إضافية مثل السخانات والمراوح وأنظمة التبريد لتعزيز عمليات الامتصاص والتكثيف.

وتحقق هذه الأنظمة إنتاجية أعلى بكثير، لكنها تحتاج إلى استهلاك طاقة أكبر وتكاليف تشغيل وصيانة أعلى.

إدارة الحرارة مفتاح النجاح

تُعد الحرارة العامل الأكثر أهمية في كفاءة هذه الأنظمة.

فمرحلة تحرير المياه تتطلب توفير حرارة كافية لفصل الماء عن المادة الماصة، بينما تتطلب مرحلة التكثيف إزالة كميات كبيرة من الحرارة الناتجة عن تحول البخار إلى ماء.

ولهذا يركز الباحثون على تصميم أنظمة قادرة على:

إنتاج المياه وجودتها

لا يقتصر التحدي على كمية المياه المنتجة فحسب، بل يشمل أيضًا جودة هذه المياه.

فالغلاف الجوي يحتوي على ملوثات مختلفة، منها المركبات العضوية المتطايرة وأكاسيد الكبريت والنيتروجين والجسيمات الدقيقة.

وقد تمتص بعض المواد الماصة جزءًا من هذه الملوثات إلى جانب بخار الماء، ما يستدعي تطوير أنظمة ترشيح وتنقية إضافية لضمان سلامة المياه المنتجة للاستهلاك البشري.

دمج التقنية مع الطاقة المتجددة

من أبرز الاتجاهات المستقبلية التي تناولتها الدراسة دمج أنظمة حصاد المياه الجوية مع مصادر الطاقة المتجددة.

ففي المناطق المشمسة مثل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يمكن للطاقة الشمسية أن توفر الحرارة اللازمة لتحرير المياه.

كما يمكن الاستفادة من الحرارة المهدرة في المنشآت الصناعية ومراكز البيانات ومحطات الاتصالات لتشغيل هذه الأنظمة دون الحاجة إلى استهلاك إضافي للطاقة.

ويجري أيضًا تطوير حلول هجينة تجمع بين حصاد المياه وتوليد الكهرباء عبر الألواح الشمسية، بحيث تساعد المياه المنتجة في تنظيف الألواح وتحسين أدائها، بينما توفر الألواح الطاقة اللازمة لتشغيل النظام.

هل يمكن أن تنافس تحلية مياه البحر؟

يرى الباحثون أن حصاد المياه من الهواء لن يحل محل تحلية مياه البحر أو مصادر المياه التقليدية في المستقبل القريب، خاصة في المناطق الساحلية التي تمتلك بنية تحتية متطورة.

إلا أن هذه التقنية تتمتع بميزة استراتيجية لا توفرها معظم البدائل الأخرى، وهي القدرة على إنتاج المياه في أي مكان تقريبًا دون الحاجة إلى أنهار أو بحيرات أو سواحل.

ولهذا السبب يُنظر إليها باعتبارها خيارًا واعدًا لتزويد المجتمعات الريفية المعزولة، ومناطق الكوارث، والقواعد العسكرية، والجزر النائية، والمناطق الصحراوية بالمياه.

تقنية واعدة لمواجهة أزمة المياه العالمية

خارطة طريق نحو التطبيق التجاري

خلصت الدراسة إلى أن الانتقال من المختبرات إلى التطبيقات التجارية الواسعة يتطلب تحقيق عدة أهداف رئيسية، تشمل:

وأكد الباحثون أن تقنيات حصاد المياه من الهواء تمثل أحد أكثر المجالات الواعدة في قطاع المياه خلال العقود المقبلة، وأن نجاحها قد يفتح الباب أمام نموذج جديد لإنتاج المياه يعتمد على مورد متجدد ومتوافر في كل مكان تقريبًا، وهو الرطوبة الموجودة في الغلاف الجوي.

Exit mobile version