توصلت دراسة علمية جديدة إلى نتائج قد تغيّر الطريقة التي ينظر بها الأطباء إلى نمو الأطفال وتشخيص السمنة، بعدما شككت في صحة نظرية “ارتداد الدهون” (Adiposity Rebound) التي ظلت معتمدة في الأوساط الطبية منذ أكثر من أربعة عقود.
وتشير الدراسة، التي عُرضت خلال المؤتمر الأوروبي للسمنة 2026 ونُشرت في The Journal of Nutrition، إلى أن الارتفاع الطبيعي في مؤشر كتلة الجسم (BMI) لدى الأطفال ابتداءً من سن السادسة لا يعكس زيادة في الدهون كما كان يُعتقد، بل يعود في الأساس إلى نمو الكتلة العضلية والأنسجة الخالية من الدهون.
نظرية استمرت 42 عامًا
منذ عام 1984، اعتمد الباحثون على مفهوم “ارتداد الدهون”، الذي يفترض أن مؤشر كتلة الجسم يرتفع مجددًا بعد انخفاضه في مرحلة الطفولة المبكرة نتيجة عودة تراكم الدهون في الجسم، كما اعتُبر حدوث هذا الارتفاع في سن مبكرة مؤشرًا على زيادة خطر الإصابة بالسمنة في مراحل لاحقة من العمر.
لكن الباحث الرئيسي للدراسة، البروفيسور أندرو أجباجي من جامعة شرق فنلندا، يرى أن هذا التفسير قد يكون خاطئًا من الناحية البيولوجية، موضحًا أن العلاقة الإحصائية التي ربطت بين ارتفاع مؤشر كتلة الجسم والسمنة المستقبلية لا تعني بالضرورة وجود علاقة سببية.
وقال أجباجي إن مرحلة البلوغ تمثل تغيرًا بيولوجيًا حقيقيًا، بينما ما يسمى بـ”ارتداد الدهون” ليس سوى جزء طبيعي من عملية النمو، ولا توجد آلية فسيولوجية تثبت أنه يمثل بداية للإصابة بالسمنة.
مؤشر كتلة الجسم لا يميز بين الدهون والعضلات
وأوضح الباحثون أن مؤشر كتلة الجسم يعتمد فقط على الوزن والطول، لذلك لا يستطيع التمييز بين الدهون والعضلات والعظام، ما قد يؤدي إلى تفسير مضلل عند تقييم الأطفال.
وللتأكد من ذلك، استخدم الفريق البحثي مقياسًا آخر أكثر دقة لتقدير الدهون، هو نسبة محيط الخصر إلى الطول (WHtR)، والتي أثبتت الدراسات أنها تعكس كمية الدهون في الجسم بدقة تقارب 90% مقارنة بأحدث وسائل قياس تركيب الجسم.
واعتمدت الدراسة على بيانات 2410 أطفال ومراهقين تتراوح أعمارهم بين عامين و19 عامًا، ضمن المسح الوطني الأمريكي للصحة والتغذية (NHANES) للفترة 2021-2023.
الدهون لا تعود للارتفاع
وأظهرت النتائج أن مؤشر كتلة الجسم ينخفض تدريجيًا حتى نحو سن الرابعة، ثم يبدأ في الارتفاع مجددًا ليعود عند سن السادسة تقريبًا إلى مستواه المسجل في عمر عامين، وهو ما يتوافق مع النظرية التقليدية.
لكن الصورة اختلفت تمامًا عند قياس الدهون الفعلية باستخدام نسبة محيط الخصر إلى الطول، إذ استمرت الدهون في الانخفاض حتى نحو سن السابعة، ثم ارتفعت تدريجيًا بعد ذلك دون أن تعود أبدًا إلى مستوياتها في عمر عامين.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج تؤكد عدم وجود “ارتداد” حقيقي للدهون، وأن الزيادة التي تظهر في مؤشر كتلة الجسم خلال هذه المرحلة تعكس نمو العضلات والكتلة الخالية من الدهون استعدادًا لمراحل النمو التالية.
مراجعة تشخيص السمنة
وأشار أجباجي إلى أن محاولات سابقة لتغيير توقيت ما يسمى “ارتداد الدهون” من خلال برامج غذائية طويلة المدى لم تحقق أي نجاح، وهو ما يعزز فكرة أن هذه المرحلة جزء طبيعي من النمو وليست حالة مرضية.
وأضاف، أن الاعتماد على مؤشر كتلة الجسم وحده قد يؤدي إلى تشخيص خاطئ لبعض الأطفال، داعيًا إلى استخدام نسبة محيط الخصر إلى الطول كأداة أكثر دقة لتقييم زيادة الدهون وتشخيص السمنة لدى الأطفال والمراهقين.
وأكد الباحث، أن “الزيادة الطبيعية في مؤشر كتلة الجسم خلال الطفولة ليست مشكلة صحية تحتاج إلى علاج، بل تعكس نموًا عضليًا طبيعيًا يساعد الأطفال على الاستعداد لمراحل النمو اللاحقة”.
واختتم قائلاً: “لقد تعاملنا مع ظاهرة طبيعية باعتبارها مرضًا طوال 42 عامًا. الأطفال بحاجة إلى أن نسمح لهم بالنمو بصورة طبيعية، بدلاً من محاولة علاج مشكلة قد لا تكون موجودة أساسًا”.
