احتمالات تتجاوز 90%.. «إل نينيو» يقترب والعالم يستعد لصيف شديد التقلب

العالم أمام اختبار مناخي جديد.. «إل نينيو» يهدد بموجات حر وأمطار غزيرة وجفاف

تقترب ظاهرة «إل نينيو» المناخية من العودة بقوة، مع تحذيرات منظمة الأرصاد الجوية العالمية من أن العالم قد يواجه خلال الأشهر المقبلة موجة واسعة من الاضطرابات المناخية، تشمل موجات حر شديدة، وجفافًا في بعض المناطق، وأمطارًا غزيرة وفيضانات في مناطق أخرى.

وأظهرت أحدث توقعات منظمة الأرصاد الجوية العالمية أن احتمالات تشكل ظاهرة «إل نينيو» تصل إلى 80% بحلول نهاية أغسطس 2026، بينما ترتفع الاحتمالات إلى نحو 90% أو أكثر خلال بقية العام، ما يدفع الحكومات ووكالات الإغاثة والمزارعين إلى الاستعداد مبكرًا للتداعيات المحتملة.

وتصدر المنظمة هذه التوقعات بالتعاون مع المعهد الدولي لبحوث المناخ والمجتمع، من خلال جمع نماذج وتنبؤات صادرة عن مراكز الأرصاد الجوية والمناخ حول العالم.

وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش إن العلم واضح بشأن اقتراب الظاهرة، داعيًا الحكومات إلى التعامل معها باعتبارها تحذيرًا مناخيًا عاجلًا، وتسريع إجراءات مواجهة تغير المناخ.

بدء تشكل ظاهرة “إل نينيو”، التي ترتبط عادة بارتفاع درجات الحرارة وحدوث موجات جفاف حادة

حرارة تتراكم في المحيط الهادئ

تُعد «إل نينيو» و«لا نينيا» مرحلتين متعاكستين من دورة طبيعية واسعة بين المحيط والغلاف الجوي، تعرف باسم «التذبذب الجنوبي – إل نينيو».

وتتكرر هذه الدورة عادة كل عامين إلى سبعة أعوام، بينما تستمر كل مرحلة في المتوسط بين 9 و12 شهرًا.

وتتميز ظاهرة «إل نينيو» بارتفاع درجات حرارة المياه السطحية في المنطقة الاستوائية الوسطى والشرقية من المحيط الهادئ مقارنة بمعدلاتها الطبيعية.

وخلال الفترة الممتدة من أواخر أبريل إلى منتصف مايو، ارتفعت درجات حرارة سطح البحر في هذه المنطقة بصورة اقتربت من الحدود التي تعتمدها منظمة الأرصاد الجوية العالمية للإعلان عن حدوث الظاهرة.

لكن التطور الأكثر أهمية لا يقتصر على المياه السطحية، إذ تشير البيانات إلى تراكم كمية كبيرة من الحرارة في الطبقات الموجودة أسفل سطح المحيط.

وتقترب درجات حرارة المياه تحت السطحية في أجزاء من المحيط الهادئ الاستوائي من 6 درجات مئوية فوق المتوسط، وهي كمية هائلة من الحرارة يمكن أن تنتقل تدريجيًا إلى سطح المحيط وتغذي الاحترار.

رصد إل نينيو

الغلاف الجوي يؤكد الإشارة

لا تعتمد المنظمة في تحديد «إل نينيو» على حرارة المحيط فقط، إذ يجب أن تتزامن التغيرات في درجات حرارة سطح البحر مع تغيرات في الغلاف الجوي.

ومن المؤشرات الرئيسية التي يراقبها العلماء «مؤشر التذبذب الجنوبي»، الذي يقيس الفارق في ضغط الهواء بين تاهيتي وداروين في أستراليا.

وتشير التطورات الأخيرة في هذا المؤشر إلى تغيرات تتوافق مع ارتفاع حرارة المحيط الهادئ، ما يعزز احتمالات تحول الاحترار الحالي إلى ظاهرة «إل نينيو» مكتملة.

وتراقب منظمة الأرصاد العالمية هذه المؤشرات بصورة مستمرة، مع تحديث توقعاتها كل شهر كلما توافرت بيانات جديدة.

النينيو

هل سيكون «إل نينيو» قويًا؟

لا تزال شدة الظاهرة المرتقبة غير محسومة بشكل كامل، لكن المؤشرات الحالية دفعت المنظمة إلى التحذير من احتمال حدوث «إل نينيو» قوي.

وقالت الأمينة العامة لمنظمة الأرصاد الجوية العالمية، سيليست ساولو، إن العالم بحاجة إلى الاستعداد لاحتمال حدوث ظاهرة قوية يمكن أن تؤدي إلى تفاقم الجفاف والأمطار الغزيرة، فضلًا عن زيادة مخاطر موجات الحر فوق اليابسة وفي المحيطات.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة في ضوء ظاهرة «إل نينيو» السابقة التي حدثت خلال عامي 2023 و2024، والتي كانت واحدة من أقوى خمس حالات مسجلة، وأسهمت في تسجيل درجات حرارة عالمية قياسية خلال عام 2024.

لكن العلماء يحذرون من اعتبار كل ظاهرة «إل نينيو» نسخة متطابقة من سابقتها، إذ تختلف التأثيرات بحسب قوة الظاهرة وتوقيتها وتفاعلها مع أنماط مناخية أخرى.

إل نينيو- موجة حر قياسية

«إل نينيو» يقلب خريطة الأمطار

من أبرز تأثيرات الظاهرة قدرتها على إعادة توزيع أنماط الأمطار حول العالم.

وبشكل عام، تميل مناطق في جنوب أمريكا الجنوبية، وجنوب الولايات المتحدة، والقرن الإفريقي، وأجزاء من آسيا الوسطى إلى تسجيل ظروف أكثر رطوبة خلال بعض حالات «إل نينيو».

في المقابل، تميل أمريكا الوسطى وشمال أمريكا الجنوبية ومنطقة الكاريبي وأستراليا وإندونيسيا وأجزاء من جنوب آسيا إلى التعرض لظروف أكثر جفافًا.

لكن هذه الأنماط ليست قاعدة ثابتة، إذ يمكن أن تختلف النتائج من حدث إلى آخر وفقًا لقوة الظاهرة وتوقيتها والتفاعل مع الظواهر المناخية الأخرى.

تهديد للموسم الزراعي

تمثل هذه التغيرات خطرًا خاصًا على الزراعة، لأن توقيت الأمطار وكمياتها يحددان بصورة مباشرة قدرة المزارعين على زراعة المحاصيل والحصول على إنتاج مستقر.

وفي منطقة القرن الإفريقي الكبرى، تشير التوقعات المناخية الإقليمية إلى احتمال انخفاض معدلات الأمطار عن المتوسط في الأجزاء الشمالية خلال موسم يونيو إلى سبتمبر، وهو موسم يعتمد عليه ملايين المزارعين ومربي الماشية.

كما تتوقع منتديات المناخ في جنوب آسيا موسم رياح موسمية أقل من المتوسط.

وفي أمريكا الوسطى، تشير التوقعات الإقليمية إلى ظروف أكثر حرارة وجفافًا خلال الفترة المقبلة.

وقد تؤدي هذه التغيرات إلى زيادة الضغوط على الموارد المائية، ورفع مخاطر تراجع المحاصيل في بعض المناطق، بينما تواجه مناطق أخرى أخطارًا معاكسة تتمثل في الأمطار الغزيرة والفيضانات.

ظاهرة إل نينيو

علاقة «إل نينيو» بالأعاصير

لا تتوقف تأثيرات الظاهرة عند الأمطار ودرجات الحرارة، إذ تمتد إلى نشاط الأعاصير المدارية.

ويميل «إل نينيو» إلى زيادة نشاط العواصف في المناطق الوسطى والشرقية من المحيط الهادئ، بينما يؤدي في المقابل إلى زيادة قص الرياح فوق المحيط الأطلسي، وهو ما يمكن أن يحد من تطور بعض الأعاصير في حوض الأطلسي.

ويفسر هذا التباين جزئيًا سبب توقع الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية موسم أعاصير أطلسية أقل من المعتاد خلال العام الحالي.

ومع ذلك، فإن «إل نينيو» ليس العامل الوحيد الذي يحدد موسم الأعاصير، إذ تتداخل معه درجات حرارة سطح البحر والرياح وأنماط الضغط الجوي وغيرها من العوامل المناخية.

ظاهرة إل نينيو

لماذا يصبح تأثير «إل نينيو» أخطر مع ارتفاع حرارة الأرض؟

يواجه العلماء سؤالًا مهمًا يتعلق بالعلاقة بين تغير المناخ وظاهرة «إل نينيو»: هل يؤدي ارتفاع حرارة الأرض إلى زيادة تكرار الظاهرة أو قوتها؟

لا تزال الإجابة العلمية الكاملة غير محسومة، ولا توجد حتى الآن أدلة تسمح بتحديد كيفية تغير تواتر وشدة ظواهر «إل نينيو» مستقبلًا بصورة قاطعة.

لكن هناك نقطة أخرى أكثر وضوحًا؛ فالعالم أصبح أكثر حرارة بالفعل.

ومع ارتفاع درجات حرارة المحيطات والغلاف الجوي، أصبحت الظواهر المناخية الطبيعية تعمل فوق خلفية أكثر دفئًا، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى زيادة حدة بعض تأثيراتها.

بمعنى آخر، حتى إذا كانت قوة «إل نينيو» نفسها مماثلة لظاهرة سابقة، فإن ارتفاع درجة حرارة الكوكب قد يجعل موجات الحر والأمطار الغزيرة المرتبطة بها أكثر شدة في بعض المناطق.

ظواهر مناخية أخرى قد تزيد التعقيد

لا تعمل «إل نينيو» بمعزل عن بقية النظام المناخي العالمي، وتراقب منظمة الأرصاد الجوية العالمية، إلى جانب الظاهرة، أنماطًا أخرى يمكن أن تؤثر في الطقس العالمي والإقليمي، من بينها ثنائي قطب المحيط الهندي، الذي قد يدخل مرحلة دافئة بالتزامن مع تطورات «إل نينيو».

وقد يؤدي تفاعل هذه الأنماط إلى تغيير التأثيرات المتوقعة على بعض المناطق، ما يجعل التنبؤ الإقليمي أكثر تعقيدًا من مجرد معرفة أن «إل نينيو» قادمة.

ولهذا فإن توقعات الأشهر المقبلة ستظل بحاجة إلى تحديث مستمر مع تغير ظروف المحيطات والغلاف الجوي.

ظاهرة النينيو

لا وجود لمصطلح «سوبر إل نينيو» في التصنيف الرسمي

رغم انتشار تعبير «سوبر إل نينيو» في بعض التغطيات الإعلامية، فإن منظمة الأرصاد الجوية العالمية لا تستخدم هذا المصطلح باعتباره تصنيفًا رسميًا للظاهرة.

ويعتمد العلماء على مؤشرات ودرجات مختلفة لتقييم قوة «إل نينيو»، بدلًا من استخدام وصف إعلامي موحد قد يعطي انطباعًا مبالغًا فيه عن طبيعة الحدث.

لذلك فإن السؤال الأهم بالنسبة للعلماء ليس ما إذا كان الحدث يستحق وصفًا إعلاميًا معينًا، وإنما مدى قوته، ومتى سيبلغ ذروته، وكيف سيتفاعل مع بقية الأنماط المناخية.

العالم أمام أشهر حاسمة

تظل القوة النهائية لظاهرة «إل نينيو» وتوقيت وصولها إلى ذروتها غير محسومين حتى الآن، لكن ارتفاع احتمالات تشكلها إلى مستويات تقترب من 90% أو تتجاوزها خلال بقية عام 2026 يجعل الاستعداد المبكر أكثر أهمية.

وبالنسبة إلى الحكومات، يعني ذلك ضرورة الاستفادة من التنبؤات الموسمية في التخطيط للمياه والزراعة والصحة وإدارة الكوارث.

أما المزارعون، فيمكن أن تساعدهم المعلومات المناخية المبكرة على اختيار المحاصيل ومواعيد الزراعة وإدارة الموارد المائية بصورة أكثر مرونة.

وتحتاج المدن والمناطق المعرضة للفيضانات إلى الاستعداد لاحتمالات الأمطار الغزيرة، في حين يتعين على المناطق التي قد تواجه الجفاف تعزيز خطط إدارة المياه ومواجهة نقص الموارد.

وفي النهاية، لا يمثل «إل نينيو» مجرد ظاهرة تحدث في المحيط الهادئ، بل يمكن أن يعمل كآلية لإعادة توزيع الحرارة والأمطار والعواصف على مساحات واسعة من الكوكب.

ومع ارتفاع حرارة الأرض، يصبح الاستعداد لهذه التقلبات أكثر أهمية، خصوصًا أن التأثيرات المناخية لن تتوزع بالتساوي؛ فقد تواجه منطقة فيضانات وأمطارًا قياسية، بينما تعاني أخرى في الوقت نفسه من الجفاف والحرارة ونقص المياه.

ومن المتوقع أن تقدم التحديثات المقبلة لمنظمة الأرصاد الجوية العالمية صورة أوضح عن قوة «إل نينيو» المرتقبة ومسارها، وهو ما سيحدد بصورة أدق المناطق الأكثر تعرضًا لتأثيراتها خلال بقية عام 2026.

Exit mobile version