حراس التاريخ في المتحف المصري الكبير.. كيف تُصان ذاكرة مصر القديمة؟
مخازن المتحف المصري الكبير.. عندما يصبح التخزين عرضًا متحفيًا من نوع آخر
داخل المتحف المصري الكبير، لا تتوقف الحكاية عند حدود القاعات المفتوحة للزوار، بل تمتد إلى عالم سري لا يُسمح بدخوله إلا للمتخصصين والخبراء، عالم المخازن الأثرية، العمود الفقري لعملية حفظ وصيانة تراث مصر القديمة.
فخلف الجدران المحكمة والأبواب المؤمَّنة بأحدث أنظمة الحماية، ترقد أكثر من مئة ألف قطعة أثرية تمثل خلاصة التاريخ المصري عبر آلاف السنين، تخضع لعمليات حفظ دقيقة تُدار وفق أعلى المعايير الدولية.
مخازن المتحف المصري الكبير ليست مجرد أماكن للتخزين، بل تُشبه مؤسسة علمية متكاملة تديرها أيادٍ خبيرة وعيون لا تنام، يطلق عليهم “حُراس الحضارة المصرية القديمة” أو “حَفَظة التاريخ”، هدفهم الأسمى حماية كنوز الإنسانية وصون الذاكرة المصرية من عبث الزمن.

يتسلم أمناء المخازن القطع الأثرية بعد عبورها من مركز الترميم بالمتحف المصري الكبير، وهو أكبر مركز متخصص في ترميم الآثار المصرية القديمة في العالم.
يعمل المركز وفق آليات معتمدة دوليًا تبدأ من استقبال القطعة الأثرية وحتى عودتها إلى قاعات العرض في حالتها المثالية، وتشمل المنظومة عمليات الفحص بالأشعة، والتحليل الكيميائي، وتوثيق كل أثر على حدة قبل نقله إلى المخزن المخصص له.

ويضم المتحف ستة مخازن رئيسية تم تقسيمها وفقًا للفترات التاريخية وخامات القطع: مخزن الدولة القديمة، والدولة الوسطى، والدولة الحديثة، ومخزنان مخصصان لكنوز الملك الذهبي توت عنخ آمون، ومخزن للآثار الثقيلة. جميعها مجهزة بأحدث نظم التحكم في الحرارة والرطوبة والإنذار المبكر ضد الحرائق.

رحلة نقل طويلة بدأت قبل 15 عامًا
بدأت عملية نقل الآثار إلى هذه المخازن عام 2010، حيث جرى تصنيف القطع بحسب خامتها وفترتها الزمنية، في عملية دقيقة أشبه بجراحة تراثية.

توقفت أعمال النقل خلال أحداث يناير 2011، ثم استؤنفت بكامل طاقتها عام 2014، واستمرت حتى اليوم، ليتم نقل ما يقرب من مئة ألف قطعة أثرية تمثل محتويات المتحف عند افتتاحه الكامل.
كانت أولى الدفعات نحو 11 ألف قطعة، ثم تتابعت عمليات النقل وفق خطة تضمن الحفاظ على سلامة كل قطعة خلال الرحلة.

التخزين عرض متحفي من نوع آخر
المثير أن القطع الأثرية داخل المخازن لا تُوضع عشوائيًا كما قد يتصور البعض، بل تُرتب وفق سيناريو عرض متحفي يجعلها شبه معروضة بالفعل. كل قطعة تحمل رقمًا تسلسليًا خاصًا بها، وصورة موثقة، وتقريرًا يشرح حالتها وتاريخ ترميمها، بحيث يمكن الوصول إليها إلكترونيًا في أي وقت عبر قاعدة بيانات متكاملة.

ويقول أحد أمناء المخازن: “كل أثر هنا له هويته الخاصة، رقم وبطاقة وصورة، كأنه إنسان له سيرة ذاتية محفوظة بدقة، وبأحدث الطرق العلمية المعترف بها دوليًا”.

نظام ذكي للترقيم والتوثيق
تبدأ عملية الحفظ بمرحلة ترقيم الوحدات، وهي خطوة جوهرية تسهّل عملية البحث والمتابعة سواء بالحاسب أو يدويًا. يُصوَّر كل أثر فور استلامه مع توثيق حالته الراهنة بدقة لضمان تتبعه في كل مراحل الترميم والنقل، ويؤكد الخبراء أن هذا النظام يمثل قاعدة بيانات رقمية هي الأولى من نوعها في المتاحف المصرية.

عملية التأمين داخل المخازن
داخل هذه المخازن لا مكان للصدفة أو الخطأ، فكل قطعة تدخل المخزن لا بد أن تكون مسجلة رسميًا ولها جدول حركة واضح، ولا يمكن لأي فرد التعامل معها دون تصريح مسبق. تعمل أنظمة الأمن وفق أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا: كاميرات مراقبة داخلية وخارجية، أشعة حمراء، بطاقات دخول ذكية، وكلمات مرور خاصة لكل موظف.

ويقول أحد مسؤولي المخازن: “لدينا نظام هو الأحدث في مصر، يراقب كل حركة داخل المخازن، ولا أحد يمكنه تجاوز أي مرحلة دون أن تُسجل إلكترونيًا”.

المخازن.. ذاكرة مصر الحية
من مختلف المواقع الأثرية في ربوع مصر، تجتمع هنا آلاف القطع التي تمثل الحضارة المصرية في كل مراحلها.
كل أثر يحمل بصمته الخاصة، وكل مخزن يروي فصلًا من حكاية مصر. إنها ليست مجرد حجارة أو تماثيل، بل وثائق بصرية تؤرخ للإنسان المصري منذ فجر التاريخ.

في تلك المخازن لا تُسمع الأصوات، ولا تُرى الحركة إلا بدقة محسوبة، حيث يكتب الصمتُ رواية الحضارة المصرية الخالدة.








