الصين تستورد أكثر من 3 ملايين جلد حمار سنويًا من أفريقيا.. تجارة تهدد الثروة الحيوانية وسبل معيشة الفقراء

من الطب التقليدي إلى مستحضرات التجميل.. كيف أشعل «إيجياو» الصيني تجارة جلود الحمير في أفريقيا؟

تتزايد الضغوط على أعداد الحمير في أفريقيا بفعل الطلب الصيني المتنامي على جلودها، التي تدخل في صناعة مستحضر تقليدي يُعرف باسم «إيجياو» (Ejiao)، في تجارة تحولت خلال السنوات الماضية إلى سوق عالمية واسعة، وأثارت مخاوف بشأن استنزاف الثروة الحيوانية وتهديد مصادر رزق ملايين الأسر الريفية، خاصة النساء والأطفال.

وتكشف دراسة حديثة تناولها كتاب بعنوان «الصين وأفريقيا وسوق الحمير» للباحثة الاقتصادية لورين جونستون، المتخصصة في العلاقات التجارية بين الصين وأفريقيا، أن الصين تستورد أكثر من 3 ملايين جلد حمار سنويًا، بينما يحتاج سوق مستحضر «إيجياو» إلى ما يتراوح بين 4 و5 ملايين جلد سنويًا، وهو ما يفوق قدرة القطيع الصيني على توفيره، ويدفع الصناعة إلى الاعتماد بصورة متزايدة على الإمدادات الأفريقية.

وتضم أفريقيا أكبر تجمع للحمير في العالم، بنحو ثلثي إجمالي أعدادها عالميًا، الأمر الذي جعلها هدفًا رئيسيًا لسلاسل توريد الجلود منذ أن بدأت صناعة «إيجياو» تواجه نقصًا في الإمدادات المحلية بالصين، قرابة عام 2010.

«إيجياو».. مستحضر صيني تقليدي وراء الطلب على جلود الحمير

يرتبط الطلب المتزايد على جلود الحمير بمستحضر «إيجياو»، وهو مادة جيلاتينية تُستخرج من جلود الحمير، وتُستخدم في الطب الصيني التقليدي باعتبارها منشطًا للدم وداعمًا لصحة النساء.

واستُخدم هذا المستحضر على مدى قرون لعلاج حالات مثل الإرهاق والدوخة والسعال الجاف واضطرابات النزيف، فضلًا عن الاعتقاد بقدرته على دعم صحة المرأة.

وظل إنتاجه لقرون يعتمد على التصنيع اليدوي، وكان استهلاكه مقتصرًا إلى حد كبير على دوائر محدودة من النخبة الإمبراطورية الصينية، قبل أن يتحول خلال العقود الأخيرة إلى صناعة واسعة النطاق.

وتُعزى السمعة العلاجية للمستحضر، بحسب التفسيرات المرتبطة بتركيبته، إلى احتوائه على الكولاجين والببتيدات النشطة بيولوجيًا الناتجة عن عمليات التصنيع، إلى جانب ادعاءات تتعلق بالخصائص المعدنية للمياه المستخدمة في إنتاجه.

ورغم أن بعض الأبحاث الدوائية رصدت خصائص قد تكون مفيدة، فإن مدى تحول هذه النتائج إلى فوائد علاجية مثبتة سريريًا لا يزال محل نقاش، كما تبرز تساؤلات بشأن إمكانية الحصول على فوائد مماثلة من مصادر أخرى للكولاجين ومركباته تكون أكثر استدامة.

ولم يعد سوق «إيجياو» مقتصرًا على الاستخدامات التقليدية المرتبطة بالطب، إذ شهد خلال السنوات الأخيرة توسعًا تجاريًا لافتًا، مع دخوله في تصنيع مجموعة متنوعة من المنتجات، تشمل الكعك والمشروبات ومستحضرات التجميل ومنتجات العناية بالصحة والرفاهية.

وتباع بعض منتجاته بأسعار متاحة في الصيدليات، سواء دون وصفة طبية أو بوصفة طبية، بينما تصل أسعار المنتجات الفاخرة إلى آلاف اليوانات الصينية.

كما قادت الشركة الرئيسية المنتجة، «دونغ إي إيجياو» (Dong’e Ejiao)، موجة من زيادات الأسعار في الفئات الفاخرة خلال العقدين الأول والثاني من القرن الحالي.

ولا يقتصر الطلب على الصين، بل يمتد إلى هونج كونج وتايوان والولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا وجنوب شرق آسيا.

أفريقيا تتحول إلى المصدر الرئيسي لجلود الحمير

مع توسع صناعة «إيجياو» وارتفاع احتياجاتها من المواد الخام، اتجهت سلاسل التوريد الصينية إلى أفريقيا، حيث تتركز أكبر أعداد الحمير في العالم.

وكانت إثيوبيا وكينيا وتنزانيا من أوائل الدول التي استهدفتها التجارة، بسبب وفرة الحمير فيها نسبيًا وقربها الجغرافي من الصين، قبل أن يتسع نطاق الطلب والعوائد المالية إلى درجة جعلت الحمير في مختلف أنحاء القارة عرضة للاستغلال التجاري.

وتوضح الباحثة أن جلد الحمار الواحد يمكن أن يحقق أكثر من 400 دولار في السوق الصينية، وهو مبلغ مرتفع مقارنة بالقيمة التي تمثلها هذه الحيوانات للأسر الريفية التي تعتمد عليها في أعمال النقل والزراعة ونقل المياه والحطب والمحاصيل.

وتتسم تجارة الحمير في كثير من المناطق الأفريقية بالطابع غير الرسمي، ما يجعل تتبع عمليات البيع والنقل والذبح أكثر صعوبة، خاصة مع انتشار الحدود المفتوحة أو النائية، واختلاف القوانين بين الدول، وعدم انتظام تطبيق اللوائح الرقابية.

كما يزيد بطء تكاثر الحمير من خطورة استنزاف أعدادها، إذ لا تستطيع معدلات التكاثر الطبيعية مواكبة الطلب الصناعي المتزايد على جلودها، ما يخلق فجوة مستمرة بين العرض والطلب ويرفع مخاطر تراجع أعداد الحيوانات.

وتعرضت تنزانيا، بحسب الكتاب، لصعوبات كبيرة في مواجهة هذه التجارة، من بينها تهريب الحمير عبر الحدود الكينية، وعدم القدرة على ضبط أعداد الذبح أو ضمان الالتزام بمعايير المجازر، إلى جانب عدم تطوير برامج كافية لتربية الحمير وزيادة أعدادها.

كما تخلت البلاد عن محاولات التوصل إلى اتفاق رسمي شامل على مستوى القارة لوقف التجارة، بعدما واجهت صعوبات في تنسيق الإجراءات مع الدول المجاورة.

سرقة الحمير وارتفاع الأسعار يهددان الأسر الريفية

وتشير البيانات التي استعرضتها الدراسة إلى أن الطلب الحالي على «إيجياو» يحتاج إلى ما بين 4 و5 ملايين جلد سنويًا، بينما لا يستطيع القطيع الصيني توفير هذه الكميات، ما دفع إلى الاعتماد على تجارة دولية تفتقر في كثير من مساراتها إلى الرقابة الكافية.

وتقدر منظمة «ملاذ الحمير» البريطانية المعنية برعاية هذه الحيوانات أن الصين تستورد أكثر من 3 ملايين جلد حمار سنويًا، وأن ما يتراوح بين 25% و35% من هذه الجلود يأتي من حيوانات مسروقة.

وتؤدي سرقة الحمير إلى حرمان الأسر الريفية من حيوانات أساسية في أنشطتها اليومية، بينما تسبب زيادة الأسعار في صعوبة شراء حيوانات بديلة، خاصة بالنسبة للأسر محدودة الدخل.

وفي جنوب أفريقيا، ارتفع سعر الحمار الذي كان يُباع بنحو 30 دولارًا أمريكيًا في أواخر العقد الثاني من القرن الحالي إلى نحو 125 دولارًا بحلول عام 2022، عندما فُرض وقف على تجارة جلود الحمير.

ولا تقتصر التداعيات على الخسائر المالية، إذ تؤدي الحمير دورًا مهمًا في الحياة اليومية للمجتمعات الريفية، خصوصًا في المناطق الجافة والنائية، حيث تستخدمها الأسر في نقل المياه والحطب والمنتجات الزراعية.

وتشير التقديرات إلى أن امتلاك حمار يوفر للنساء نحو خمس ساعات من العمل أسبوعيًا، وللأطفال نحو عشر ساعات على الأقل، وهو ما يوضح حجم العبء الإضافي الذي تتحمله الأسر عند فقدان هذه الحيوانات أو عدم قدرتها على شراء بدائل لها.

وتؤثر خسارة الحمير في دخل الأسرة والأمن الغذائي، كما قد تنعكس على انتظام الأطفال في التعليم، نتيجة زيادة الوقت والجهد اللازمين لإنجاز المهام المنزلية والزراعية.

وتؤدي التجارة كذلك إلى انتشار الخوف والشكوك والنزاعات داخل المجتمعات المحلية، فضلًا عن ارتباط بعض مساراتها بالجريمة المنظمة وعمليات الذبح غير الإنسانية ومخاطر الأمن الحيوي والصحة الحيوانية.

الاتحاد الأفريقي يقر وقفًا لمدة 15 عامًا لذبح الحمير

وفي محاولة لمواجهة تداعيات التجارة، شهد عام 2022 انعقاد أول مؤتمر أفريقي للحمير، بمشاركة ممثلين عن المكتب الأفريقي للموارد الحيوانية التابع للاتحاد الأفريقي، والحكومة التنزانية، ومسؤولين من دول أفريقية أخرى، إلى جانب منظمات معنية برعاية الحمير ومراكز بحثية وأكاديميين.

وأسفر المؤتمر عن «إعلان دار السلام»، الذي دعا إلى فرض وقف قاري لمدة 15 عامًا على ذبح الحمير بغرض الحصول على جلودها.

وفي فبراير 2024، أيدت القمة الأفريقية السابعة والثلاثون دعوة وقف الذبح، في خطوة وُصفت بأنها محطة تاريخية لحماية التنوع البيولوجي في أفريقيا ودعم المجتمعات الريفية الفقيرة، خاصة النساء.

لكن تطبيق القرار لا يزال يواجه تحديات، إذ يتطلب تعديل القوانين المحلية في كل دولة عضو، وضمان تنفيذها بصورة متسقة، وهو ما لم يتحقق بالقدر الكافي حتى الآن.

وتوضح التجارب الأفريقية أن حظر التجارة لا يؤدي بالضرورة إلى اختفائها، بل قد يدفعها إلى العمل بصورة سرية والانتقال عبر الحدود إلى دول أخرى.

ففي حالة جنوب أفريقيا، أدت القيود المفروضة على التجارة إلى تحويل جزء من الإمدادات عبر ليسوتو، حيث تقل معايير الرقابة على المجازر.

تجارة الحمير تتجاوز قضية الرفق بالحيوان

وتؤكد الباحثة أن قضية تجارة جلود الحمير لا تتعلق فقط بحماية الحيوانات من الذبح، بل ترتبط أيضًا بالأمن الاقتصادي والاجتماعي للمجتمعات التي تعتمد عليها في تأمين احتياجاتها الأساسية.

فالحمير تمثل وسيلة نقل مهمة في المناطق التي تفتقر إلى الطرق والخدمات، وتساعد النساء والأطفال على نقل المياه والحطب والمحاصيل، بما يقلل ساعات العمل البدني ويسمح بتوجيه مزيد من الوقت إلى التعليم والأنشطة المدرة للدخل.

كما أن ارتفاع أسعارها وسرقتها يضعف قدرة الأسر على ممارسة أنشطتها الزراعية والمعيشية، ويزيد من هشاشتها أمام الفقر ونقص الغذاء.

وترى مؤلفة الكتاب أن فهم هذه التجارة يتيح أيضًا قراءة أوسع لطبيعة الاقتصاد الصيني وتاريخه واتساع علاقاته التجارية مع أفريقيا، إذ تكشف سلسلة توريد جلود الحمير كيف يمكن للطلب الصناعي المرتبط بمنتج تقليدي أن يعيد تشكيل أسواق الحيوانات والموارد الطبيعية في دول أخرى.

وتأمل الباحثة أن يسهم توثيق هذه الظاهرة في زيادة الوعي بتداعياتها، ودعم الجهود الرامية إلى حماية الحمير الأفريقية والمجتمعات التي تعتمد عليها.

↑
Exit mobile version