تقنية جديدة يمكن أن تغير مستقبل الزراعة.. تعديلات وراثية على النباتات باستخدام الجسيمات النانوية
ضبط جينات النباتات.. الحصول على محاصيل ذات نكهات أفضل وقيمة غذائية أعلى وقدرة أكبر على الصمود في مواجهة الضغوط البيئية
يبحث العلماء باستمرار عن طرق لتحسين إنتاج المحاصيل، وتحسين جودة الغذاء، وتسريع عملية تربية النباتات، وتستغرق الطرق التقليدية سنوات، وأحيانًا عقودًا، لإنشاء أصناف جديدة من المحاصيل ذات السمات الوراثية الأفضل.
ومع ذلك، قدم باحثون في جامعة كوينزلاند ( UQ ) تقنية رائعة يمكن أن تغير مستقبل الزراعة.
ولأول مرة، نجح الخبراء في توصيل المادة الوراثية إلى النباتات من خلال جذورها. ويقدم هذا النهج، الذي تم تفصيله في مجلة Nature Plants ، طريقة أسرع وأكثر كفاءة لتعديل النباتات.
ومن خلال استخدام الجسيمات النانوية لنقل mRNA الاصطناعي، فتح الباحثون إمكانيات جديدة للتقدم الزراعي .
الجسيمات النانوية تحمل المادة الوراثية في النباتات
وقد أوضح البروفيسور برنارد كارول من كلية الكيمياء والعلوم البيولوجية الجزيئية بجامعة كوينزلاند كيف يمكن لهذه التكنولوجيا أن تساعد في ضبط جينات النباتات، كما سلط الضوء على الطبيعة البطيئة والمكلفة لأساليب التربية والتعديل الوراثي التقليدية.
وقال البروفيسور كارول: “إن تربية النباتات التقليدية والتعديل الوراثي تستغرق أجيالاً عديدة لإنتاج صنف جديد من المحاصيل، وهو أمر يستغرق وقتاً طويلاً ومكلفاً”.
نجح فريق البحث في تطوير طريقة لإدخال الجسيمات النانوية إلى جذور النباتات، وقد تم إعادة استخدام هذه الجسيمات النانوية، التي تم إنشاؤها في البداية لتوصيل اللقاحات وعلاج السرطان إلى الحيوانات، في التعديل الوراثي للنباتات.
قامت مجموعة البروفيسور جوردون شو بجامعة كوينزلاند بتطوير هذه الجسيمات النانوية، والتي تقدم طريقة واعدة لإدخال السمات المفيدة إلى النباتات.

التغلب على جدران الخلايا النباتية الصعبة
على عكس الخلايا البشرية أو الحيوانية، تمتلك الخلايا النباتية جدرانًا صلبة تجعل إجراء التعديلات الجينية أمرًا صعبًا، وقد عالج فريق البحث هذه المشكلة من خلال طلاء الجسيمات النانوية ببروتين خاص.
وقد قام البروتين بتليين جدران الخلايا النباتية القاسية، مما يسمح للجسيمات النانوية بالتغلغل وتوصيل المادة الوراثية مباشرة إلى الخلايا.
وقال البروفيسور كارول: “ساعد الطلاء البروتيني الجسيمات النانوية على اختراق جدران الخلايا لتوصيل حمولة mRNA الاصطناعية إلى النباتات لأول مرة”.
تسمح هذه التقنية للعلماء بإدخال تعليمات وراثية محددة إلى النباتات. تعمل جزيئات mRNA كرسل، توجه خلايا النبات لإنتاج البروتينات المطلوبة.
اختبر الباحثون طريقتهم على أنواع متعددة من النباتات، بما في ذلك نبات أرابيدوبسيس، وهو نبات نموذجي وثيق الصلة بالكانولا والملفوف.

حركة المادة الوراثية داخل النباتات
كان أحد أكثر النتائج المدهشة التي توصلت إليها الدراسة هو كيفية تحرك الجسيمات النانوية داخل النبات. فبدلاً من إطلاق حمولتها الجينية في خلية واحدة، تحركت الجسيمات النانوية مع الماء، ونشرت الحمض النووي الريبوزي المرسال في جميع أنحاء النبات.
وقال البروفيسور كارول: “كان من المدهش أنه بدلاً من تسليم كل حمولتها في الخلية الأولى التي دخلتها، سافرت الجسيمات النانوية مع الماء عبر النبات وتوزيع mRNA أثناء انتقالها”.
إن الحركة غير المتوقعة للجسيمات النانوية تفتح آفاقاً مثيرة للتعديل الوراثي للنباتات، وإذا تمكن العلماء من التحكم في هذه العملية وتحسينها، فسوف يكون بوسعهم تطوير محاصيل ذات سمات محسنة بسرعة أكبر كثيراً من ذي قبل.

بديل أسرع للتربية التقليدية
إن القدرة على تعديل جينات النباتات بسرعة قد تؤدي إلى إحداث ثورة في الزراعة. تتطلب طرق التربية التقليدية سنوات من التهجين الدقيق لتحقيق الصفات المرغوبة مثل النكهة الأفضل، أو زيادة الغلة، أو تحسين مقاومة الآفات.
ويتضمن التعديل الجيني باستخدام الطرق التقليدية أيضًا عمليات طويلة ومعقدة.
وأشار البروفيسور كارول إلى أنه “مع إجراء المزيد من الأبحاث، يمكننا استهداف مشكلة تتعلق بالمحصول مثل النكهة أو الجودة والحصول على صنف جديد دون الحاجة إلى عقد من التهجين أو التعديل الجيني”.
توفر هذه التقنية الجديدة القائمة على الجسيمات النانوية بديلاً أسرع، لا يغير الحمض النووي الريبوزي المرسال الذي يتم إدخاله إلى النبات الحمض النووي للنبات بشكل دائم، بدلاً من ذلك، فإنه يوجه النبات مؤقتًا لإنتاج بروتين مفيد ثم يتحلل بشكل طبيعي.
مقارنة مع لقاحات mRNA
إن الطريقة التي تعمل بها هذه التقنية تشبه اللقاحات التي تستخدم تقنية mRNA في البشر، فكما تعمل لقاحات mRNA على توجيه الخلايا البشرية لإنتاج بروتين يحفز الجهاز المناعي قبل أن يتحلل، فإن mRNA الاصطناعي الذي يتم إدخاله إلى النباتات يعبر عن بروتين ثم يختفي.
وقال البروفيسور كارول: “على غرار الطريقة التي ينتج بها لقاح mRNA بروتينًا لتحفيز الجهاز المناعي ثم يتحلل بعيدًا، فإن mRNA الذي نقدمه للنباتات يتم التعبير عنه بشكل مؤقت ثم يختفي”.
وتجعل هذه الخاصية هذه التقنية أكثر قابلية للتكيف وأكثر أمانًا لتحقيق تحسينات زراعية سريعة، ويمكن للعلماء استخدامها لإدخال تغييرات مؤقتة على النباتات دون التأثير على تركيبتها الجينية بشكل دائم.

تطوير البحوث في علم الوراثة النباتية
وتمتد التطبيقات المحتملة لهذه التكنولوجيا إلى ما هو أبعد من البحث الأكاديمي.
وقد حصلت جامعة كوينزلاند بالفعل على براءة اختراع لهذه التقنية من خلال شركتها التسويقية UniQuest، وهي تبحث الآن عن شركاء للمساعدة في تطوير هذه التقنية وتطبيقها في الزراعة في العالم الحقيقي.
وضم فريق البحث خبراء مثل البروفيسور تشي بين (جوردون) شو، والدكتور جياشي يونج من المعهد الأسترالي للهندسة الحيوية وتكنولوجيا النانو بجامعة كوينزلاند وتحالف كوينزلاند للابتكار الزراعي والغذائي.
قد يمهد البحث الطريق لتطوير أساليب أسرع وأكثر دقة لتحسين المحاصيل .

تغيير جذري في الزراعة
القدرة على تعديل النباتات بكفاءة أكبر من دون الحاجة إلى دورات تربية طويلة أو تعديلات وراثية معقدة من شأنها أن تحول إنتاج الغذاء، وقد يتمكن المزارعون قريباً من الحصول على محاصيل ذات نكهات أفضل وقيمة غذائية أعلى وقدرة أكبر على الصمود في مواجهة الضغوط البيئية.
ومع تقدم هذه التكنولوجيا، سيواصل الباحثون تحسينها لضمان سلامتها وفعاليتها. وستكون الخطوة التالية هي توسيع نطاق العملية واستكشاف إمكاناتها في مختلف البيئات الزراعية.
يمثل هذا الاكتشاف بداية حقبة جديدة في علم المحاصيل، حيث يوفر مسارًا واعدًا لتحسين الأمن الغذائي العالمي، ومع المزيد من البحث والتعاون، يمكن لهذا النهج القائم على الجسيمات النانوية إعادة تعريف كيفية تطوير المحاصيل وتعزيزها للأجيال القادمة.




