تقليل الاستهلاك قد يحسن جودة الحياة ويعزز مكافحة تغير المناخ

العيش بأقل.. استراتيجية مناخية تكسب تأييد الجمهور وتحقق فوائد أوسع

كشفت دراسة دولية حديثة أن استراتيجيات مكافحة تغير المناخ القائمة على خفض استهلاك الطاقة والمواد لا تساهم فقط في تقليل الانبعاثات الكربونية، بل تحقق أيضًا مكاسب ملموسة في جودة الحياة وتحظى بدعم شعبي أكبر مما كان يُعتقد سابقًا.

وأشارت الدراسة، المنشورة في دورية “Communications Sustainability”، إلى أن تقييم السياسات المناخية غالبًا ما يقتصر على معيارين رئيسيين هما التكلفة الاقتصادية وحجم خفض الانبعاثات، بينما يتم تجاهل تأثيراتها الأوسع على حياة المواطنين وصحتهم ورفاههم الاجتماعي.

مقارنة بين الحلول التقنية وتقليل الاستهلاك

قاد الدراسة فريق دولي من الباحثين ضمن شبكة “EDITS” المتخصصة في دراسة التحولات التكنولوجية والاجتماعية المؤثرة في الطلب على الطاقة، بإشراف المعهد الدولي لتحليل النظم التطبيقية (IIASA).

وقام الباحثون بتحليل ست استراتيجيات مختلفة لخفض الانبعاثات في قطاعات المباني والنقل والصناعة داخل 18 دولة، مع تقييم تأثير كل منها على ستة مؤشرات رئيسية لجودة الحياة تشمل الدخل وفرص العمل والصحة وأمن الطاقة والعدالة الاجتماعية.

وشملت الاستراتيجيات نوعين رئيسيين:

– استراتيجيات جانب العرض، مثل استخدام التقنيات النظيفة والوقود منخفض الانبعاثات، بما في ذلك المضخات الحرارية والسيارات الكهربائية واستبدال الهيدروجين بالوقود التقليدي.
– استراتيجيات جانب الطلب، التي تعتمد على تقليل استهلاك الطاقة والمواد من خلال تحسين العزل الحراري للمباني، وخفض درجات التدفئة أو التبريد بشكل معتدل، وتشجيع وسائل النقل الجماعي، وتحسين كفاءة استخدام المواد في الصناعة.

وصُممت جميع السيناريوهات لتحقيق النتيجة نفسها، وهي خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 10%، ما أتاح مقارنة عادلة بين الخيارات المختلفة.

تغير المناخ

جودة حياة أفضل مع استهلاك أقل

أظهرت النتائج، أن جميع الاستراتيجيات المدروسة حققت فوائد ملموسة في جودة الحياة، إلا أن الإجراءات القائمة على خفض الطلب سجلت أداءً أفضل بشكل طفيف وعلى نطاق أوسع من المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية.

وتبين أن تحسين كفاءة المباني عبر العزل الحراري الجيد وإجراء تعديلات بسيطة على درجات الحرارة الداخلية كان من أكثر التدابير نجاحًا واستقرارًا في تحقيق الفوائد عبر مختلف السيناريوهات.

ويرى الباحثون أن المكاسب الفعلية لهذه الإجراءات قد تكون أكبر من النتائج التي توصلت إليها الدراسة، لأن بعض الجوانب المرتبطة بالرفاهية والصحة النفسية وتحسين البيئة المعيشية يصعب قياسها بدقة داخل النماذج الاقتصادية التقليدية.

تغير المناخ

فوائد تتجاوز خفض الانبعاثات

أكد الباحثون، أن تقليل استهلاك الطاقة والمواد يحقق مجموعة واسعة من المنافع المشتركة، تشمل تحسين جودة الهواء، وتقليل الاعتماد على واردات الطاقة، وتعزيز الأمن الطاقي، وتحقيق نتائج أكثر عدالة للفئات منخفضة الدخل.

وأوضح الباحث أرنولف جروبلر، الباحث الفخري المتميز في المعهد الدولي لتحليل النظم التطبيقية، أن سياسات المناخ غالبًا ما تُقدَّم للرأي العام باعتبارها عبئًا اقتصاديًا أو تضحيات ضرورية، بينما تظهر الأدلة أنها قادرة على تحسين جودة الحياة بصورة مباشرة.

وأضاف أن الفوائد الاجتماعية والصحية لاستراتيجيات خفض الطلب لا تحظى بالاهتمام الكافي في النقاشات السياسية رغم أهميتها الكبيرة.

هل يرفض الناس تقليل الاستهلاك؟

اختبر الباحثون أيضًا فرضية شائعة مفادها أن المواطنين يرفضون الإجراءات التي تتطلب تغييرًا في أنماط حياتهم أو تقليلًا للاستهلاك.

وللتحقق من ذلك، أجرى الفريق استطلاعات رأي في هولندا والبرازيل والصين، وهي دول تختلف في مستويات الدخل وأدوارها في ملف المناخ العالمي.

وجاءت النتائج مخالفة للتوقعات، إذ أظهرت أن المشاركين اعتبروا كلًا من استراتيجيات جانب العرض وجانب الطلب مقبولة وقادرة على تحسين حياتهم.

كما تبين أن عرض الأدلة العلمية المتعلقة بالفوائد الصحية والاجتماعية لهذه الإجراءات أدى إلى زيادة الدعم الشعبي لها، ما يؤكد أهمية التواصل الفعال مع الجمهور بشأن المنافع التي تتجاوز مجرد خفض الانبعاثات.

رسالة إلى صناع القرار

ترى الدراسة، أن نتائجها تحمل دلالات مهمة لصناع السياسات حول العالم، إذ تشير إلى أن استراتيجيات خفض الطلب تستحق مكانة أكبر في خطط العمل المناخي مقارنة بما تحظى به حاليًا.

كما توضح أن إبراز فوائد هذه الإجراءات على الصحة والاقتصاد وجودة الحياة يمكن أن يعزز قبولها المجتمعي ويساعد على تسريع تنفيذها.

ويشير الباحثون إلى أن المكاسب التي تحققها هذه السياسات لا تقتصر على الدول الغنية، بل تمتد أيضًا إلى الدول النامية، وهو ما قد يسهم في تقليص الخلافات التقليدية بين الدول المتقدمة والنامية خلال المفاوضات المناخية الدولية.

المناخ وجودة الحياة.. هدف واحد

تخلص الدراسة إلى أن مواجهة تغير المناخ لا تعني بالضرورة فرض أعباء إضافية على المجتمعات، بل يمكن أن تشكل فرصة لتحسين مستوى المعيشة وتعزيز الصحة العامة وزيادة العدالة الاجتماعية.

وبدلًا من التركيز الحصري على التكنولوجيا أو حسابات الانبعاثات، يدعو الباحثون إلى تبني رؤية أوسع ترى في تقليل الاستهلاك الذكي للطاقة والموارد وسيلة لتحقيق أهداف مناخية وإنسانية في آن واحد.

وتشير النتائج إلى أن السياسات التي تشجع على استخدام أقل للموارد، مع الحفاظ على مستوى معيشة مرتفع، قد تكون من أكثر الأدوات فعالية في بناء مستقبل منخفض الكربون وأكثر استدامة.

Exit mobile version