لم تعد قضية الأمن المائي مجرد مواجهة موسم جاف. تحذّر دراسة عالمية جديدة من أن مناطق عديدة تقترب من «يوم الصفر المائي»؛ وهو لحظة قد تتوقف فيها صنابير المياه عن الجريان ليس لأيام فحسب، بل لأشهر أو حتى لسنوات.
تُظهر الدراسة، المنشورة في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز»، ارتفاعًا حادًا في حالات النقص متعدد السنوات الذي يدفع الطلب إلى تجاوز العرض، مما يعرّض المدن والمجتمعات الريفية للخطر أسرع مما هو متوقع.
عندما يتجاوز الطلب العرض
يعرّف الباحثون «يوم الصفر المائي» بأنه نقص مركب متعدد السنوات يتخطى فيه الطلب الإقليمي على المياه ما توفره الأمطار والأنهار والمخزونات.
إنه ليس انقطاعًا مؤقتًا للضغط، بل عجز مستمر يفرض قيودًا شديدة وإجراءات طارئة.
يشير تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) إلى أن الظواهر المركبة تزداد في عالم يزداد دفئًا، وأنها ترفع المخاطر إلى مستوى يفوق أي عامل منفرد.
دورة المياه الهيدرولوجية تربط التبخر والسحب والأمطار والجريان السطحي والبحيرات والمياه الجوفية في حركة دائمة.
ومع ارتفاع درجات الحرارة، يزداد النتح–النتح التبخري، ما يعمّق الجفاف حتى مع تغيّر طفيف في معدلات الأمطار.
بؤر عالمية لندرة المياه
تشير النماذج إلى مدن في حوض البحر المتوسط وجنوب إفريقيا وأجزاء من أمريكا الشمالية ستشهد أولى حالات النقص الحاد المنسوبة إلى الاحترار البشري.
في نحو ثلث المناطق الضعيفة تظهر الأزمة الأولى بين عامي 2020 و2030، وهي فترة تتداخل مع دورات التخطيط الحالية.
نحو 14% من الخزانات الكبيرة التي جرى تقييمها قد تجف خلال أول حلقة أزمة، إذ لا تكفي التدفقات والمياه المخزنة لتغطية الاستخدام خلال فترة الجفاف الطويلة.
وهذا اختبار ضغط لا يرغب أي مدير في فشله، لأنه قد يستغرق سنوات لإعادة الملء بعد عجز ممتد.
بحلول نهاية القرن، قد يواجه نحو 753 مليون شخص هذه الظروف، منهم 467 مليونًا في المدن و286 مليونًا في المناطق الريفية.
يُتوقع أن يتحمل البحر المتوسط أكبر تعرض حضري، فيما تواجه مناطق في شمال وجنوب إفريقيا وأجزاء من آسيا آثارًا ريفية أوسع.
المدن تنهار أسرع تحت وطأة الجفاف
تجمع المدن بين كثافة سكانية وبنى تحتية تحتاج إمدادات مائية ثابتة يوميًا.
حتى فجوات صغيرة بين التدفقات والطلب قد تتفاقم إذا جاء عام جاف في وقت يتصاعد فيه الاستهلاك.
أظهرت أزمة كيب تاون بين 2015 و2018 سرعة اقتراب مدينة حديثة من موعد انقطاع المياه عندما تتوالى سنوات قليلة الأمطار.
كما سجّل بحث أن أزمة غرب الكاب تداخلت مع قضايا عدم المساواة وخيارات الحوكمة، مما فرض قيودًا طارئة وأعاد تشكيل الحياة اليومية.
في تشيناي بالهند انخفضت الخزانات إلى قيعان جافة في يونيو 2019 بعد تأخر الأمطار الموسمية وسوء إدارة الجريان.
وأوضح بحث أن المدينة امتلكت على الورق ما يكفي من الجريان الموسمي لتلبية الطلب، لكن ضعف الالتقاط والتخزين كان الحلقة الأضعف.
قال الباحث الرئيسي في الدراسة فيكيا رافيناندراسانا: «الفاصل الزمني بين أحداث يوم الصفر المائي أقصر من مدة الحدث نفسه».
وتشير التوقعات إلى نمط حضري مشابه في العقود المقبلة، حيث تتجاوز المناطق الكثيفة العتبات الحرجة قبل الأرياف المحيطة.
البصمة البشرية على ندرة المياه
استخدم الباحثون مجموعتين من النماذج المناخية لتقدير متى يصبح الأثر البشري على ندرة المياه المركبة واضحًا.
وجرى اختبار النتائج وفق سيناريوهات المسارات الاجتماعية–الاقتصادية المشتركة (SSP) ذات الانبعاثات المرتفعة والمتوسطة.
ولإسناد الأزمة إلى التأثير البشري، طبّق الفريق مقياس «نسبة الخطر المنسوبة» (FAR) الذي يقارن احتمال وقوع حدث في مناخ اليوم مقابل خط الأساس ما قبل الصناعي، محددين أول عقد يتجاوز فيه الأثر البشري مستوى ثقة مرتفعًا جدًا.
هذا يوفر خطًا واضحًا لواضعي السياسات لمعرفة متى يصبح الإسناد غير قابل للجدل.
أربعة مؤشرات رئيسية للجفاف
تتبّع النماذج أربعة مؤشرات: الجفاف الجوي طويل الأمد، انخفاض تدفق الأنهار، ارتفاع الطلب، والمدة التي يمكن أن يوفّر فيها الخزان الماء أثناء الجفاف قبل أن يفرغ.
المؤشر الأخير مهم لأن التخزين قد يحجب الضغط فترة ثم يفشل فجأة إذا بقيت التدفقات منخفضة لسنوات.
في أجزاء من آسيا والأمريكتين، أدى نمو الاستهلاك وحده إلى تقديم موعد الأزمة الأولى، حتى دون انهيار معدلات الأمطار.
أما في مناطق المتوسط، فقد تؤخّر مدة السحب من الخزانات ظهور الأزمة الأولى نحو عقد، لكن إعادة التعبئة قد تتأخر عدة سنوات إذا لم تكن المواسم الممطرة كافية.
جداول مائية على أساس هش
كثير من مديري المياه يعملون بجداول مخاطر تستند إلى مناخ واستهلاك القرن العشرين، وهو أساس هش في ظل موجات جفاف أطول وأسرع تكرارًا مما صُممت له الأنظمة.
المسار العملي يجمع بين الكفاءة وتنوع المصادر والعدالة، بدءًا من وقت مبكر قبل إطلاق صفارات الإنذار.
يشير فصل «المياه» في تقرير تأثيرات الهيئة الحكومية إلى تدابير مثل التحكم في التسرب، التسعير الذكي، إعادة الاستخدام، جمع مياه الأمطار والجريان الحضري، وتحديث قواعد الخزانات لتوزيع الندرة على القطاعات.
الزراعة تحتاج اهتمامًا خاصًا لأن الري قد يهيمن على الطلب في لحظات انخفاض تدفقات الأنهار، فيما تحتاج المدن إلى بدائل احتياطية لا تعتمد على خط أنابيب أو محطة أو بحيرة واحدة، مع قواعد تحمي الأسر منخفضة الدخل أثناء القيود.
