خطر وجودي.. خبراء يُحذرون من تصاعد أزمات المياه وتغير المناخ في الشرق الأوسط
تواجه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي تعاني بالفعل من عدم الاستقرار والصراعات، التأثير المتزايد لتغير المناخ، وعلى رأسه الجفاف الشديد والواسع النطاق.
ومن أكثر الأمثلة إثارة للقلق، الانخفاض الأخير في إمدادات المياه في طهران إلى أدنى مستوى لها منذ قرن، مما أدى إلى انقطاعات في الخدمات وإغلاقات صناعية وتجارية قسرية.
تُجسد إيران كيف أن آثار تغير المناخ متشابكة بعمق مع سوء الإدارة وانعدام الشفافية في إدارة مورد بالغ الأهمية مثل المياه.
وتُظهر حالتها كيف أن المنطقة بأكملها، رغم كونها الأكثر معاناة من نقص المياه في العالم، لا تزال غير قادرة على تنفيذ سياسات فعالة للتكيف والتخفيف وتعزيز التعاون الإقليمي.
في بعض الحالات، لا يكون الجفاف مجرد نتيجة للإهمال أو سوء التخطيط، بل هو نتيجة مُدبرة.
وتبرز في هذا الصدد سياسة الحرب الإسرائيلية المتمثلة في تدمير إمدادات المياه الحيوية في غزة، مما أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية المروعة بالفعل.
ومما يثير القلق أن ارتفاع درجات الحرارة وتراجع هطول الأمطار قد زادا بسرعة من الطلب على الطاقة والمياه، مما زاد من التوترات على المستويين المحلي والإقليمي.
داخليًا، يُهدد شح المياه سبل عيش المجتمعات الريفية، كما هو الحال في جنوب العراق، التي تعتمد على الزراعة والثروة الحيوانية، مما يُسرّع وتيرة الهجرة إلى المراكز الحضرية الكبرى.
ولعلّ الأمر الأكثر دراماتيكية أن شمال سوريا، الذي يمرّ بمرحلة انتقالية سياسية واجتماعية دقيقة بعد الحرب، يشهد أسوأ موجة جفاف منذ عقود، مما يزيد الضغط على القطاع الزراعي المُنهك أصلًا ويُعيق تحقيق الأمن الغذائي.
التوترات بين الدول التي تتشارك في أحواض المياه
ولم تسلم دول شمال إفريقيا أيضًا، حيث عانى المغرب من جفاف دام سبع سنوات، مما أدى إلى انخفاض حاد في المحاصيل وقطعان الماشية، ما زاد الضغط على إنتاج الغذاء.
في غضون ذلك، تتصاعد التوترات بين الدول التي تتشارك في أحواض المياه نفسها، حيث لا يزال العراق يتلقى مياهًا غير كافية من السدود التركية على نهري دجلة والفرات.
من جانبها، لا تزال دول الخليج تعتمد على محطات تحلية المياه، التي تتناقص إمداداتها من المياه المتجددة منذ فترة طويلة.
ومع ذلك، فإن خطر تلوث مياه البحر واستهلاكها الهائل للطاقة يُلقي بظلال من الشك على استدامتها على المدى الطويل.
تُدقّ كل هذه الأزمات ناقوس الخطر في جميع أنحاء المنطقة: الوقت ينفد في مواجهة التحديات المتزايدة التي يفرضها تغير المناخ.
ويبقى السؤال المُلحّ: كيف تستجيب دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟
يناقش خبراء من شبكة ISPI كيفية تأثير تغير المناخ على بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وما هي الإجراءات التي يمكن تنفيذها لمعالجة آثاره السلبية.
تخفيضات المساعدات الدولية تُفاقم انعدام الأمن المائي
يُقوّض خفض المساعدات الإنمائية الدولية بشكل خطير قدرة قطاع المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية على تلبية الاحتياجات المائية الأساسية للفئات السكانية الضعيفة في جميع أنحاء بلاد الشام، لا سيما مجموعات اللاجئين والمجتمعات الريفية الفقيرة.
وتبقى المنطقة، التي تعاني أصلًا من شحّ في موارد المياه العذبة، وتدهور في البنية التحتية، وتزايد في الطلب على المياه، معرضةً باستمرار لخطر نقص المياه.
وقد أدّت الصراعات المستمرة والماضية، من سوريا إلى غزة، إلى نزوح أعداد لا تُحصى من الناس وإلحاق الضرر بشبكات المياه الأساسية، مما جعل الكثيرين يعتمدون على الدعم الخارجي.
ومع تراجع المساعدات، تتقلص حتمًا الجهود المبذولة لتوفير المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي، مما يُعرّض هذه الفئات لمخاطر صحية وسلامية متزايدة.
وتُنذر هذه التخفيضات بعكس مسار سنوات من التقدم الهش، وتفاقم تحديات المياه القائمة، وتعميق حالة عدم الاستقرار في منطقة يُمثّل فيها انعدام الأمن المائي أزمة إنسانية وجيوسياسية متشابكة.
حان الوقت لدول الخليج لتطبيق التعاون في إدارة المياه
مع زوال خطر التلوث الإشعاعي الأخير الناجم عن قصف محطة بوشهر النووية الإيرانية، ينبغي على دول مجلس التعاون الخليجي إعادة النظر في قضية التعاون الإقليمي في مجال المياه، التي ظلت قائمة منذ فترة طويلة.
لا تزال ندرة المياه أحد أكبر التحديات التي تواجه المنطقة، وتُعدّ الجهود السابقة، مثل مشروع ربط شبكات المياه بين دول مجلس التعاون الخليجي، أساسًا يمكن البناء عليه لتجديد التعاون.
كان المشروع، الذي طُرح لأول مرة خلال اجتماع استشاري عام 2000 في عُمان، يهدف إلى إنشاء محطات تحلية مياه في صحار والسلع والخفجي، لتوفير المياه عبر شبكة بطول 1324 كيلومترًا.
وعلى الرغم من دراسات الجدوى وتجدد الاهتمام بالمشروع عام 2012، فقد توقف لاحقًا، بسبب مخاوف تتعلق بالتكلفة والجدوى العملية.
وقد أعاد اجتماع افتراضي في عام 2021 فتح الحوار، مقترحًا إنشاء هيئة مشتركة لدول الخليج لمعالجة أمن المياه، وتوطين الصناعات، ووضع استراتيجيات بديلة.
وتُشير مناقشات ثنائية، مثل تلك التي جرت بين الكويت والمملكة العربية السعودية في عام 2022، إلى استمرار الاهتمام بالمسألة.
ونظرًا لتزايد شح المياه في المنطقة، والتي تفاقمت بسبب تغير المناخ والنمو السكاني السريع، فإن الوقت قد حان لإحياء هذه المبادرات وتنفيذها.
إن اتباع نهج جماعي من شأنه تعزيز القدرة على الصمود، وتوزيع المخاطر، وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
كما يُبرز انحسار أزمة بوشهر النووية ضرورة تحويل التركيز إلى التهديدات الهيكلية طويلة الأمد، وعلى رأسها انعدام الأمن المائي.
