تحذير بيئي.. تصميمات مزارع الطاقة الشمسية تهدد الحياة البرية
مزارع الطاقة الشمسية قد تضلل الطيور وتعيق الحيوانات.. علماء يدعون لتصميم صديق للطبيعة
تزدهر مزارع الطاقة الشمسية في مختلف أنحاء العالم، حيث تغطي الصحاري والسهول وحتى المواقع الصناعية السابقة بألواح متلألئة تحول ضوء الشمس إلى كهرباء خالية من الكربون.
لكن وفقًا لدراسة جديدة أجرتها عالمة البيئة تريش فليمنج من جامعة مردوخ، والمتخصصة في علم الحياة البرية، فإن هذه المنشآت تحتل بالفعل ما يقرب من 14,700 ميل مربع من الأراضي، أي ما يعادل تقريبًا مساحة ولاية فرجينيا الغربية، وهذه المساحة آخذة في التوسع بوتيرة سريعة.
ورغم احتفاء الدراسة بدور الطاقة الشمسية في خفض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، إلا أنها تحذر من أن المنتزهات الشمسية المصممة بشكل غير مدروس قد تُلحق ضررًا بالغًا بالطيور والخفافيش وسائر أشكال الحياة البرية.
نُشرت الدراسة في مجلة مراجعات الطاقة المتجددة والمستدامة.
انعكاسات الألواح تضلل الحياة البرية
تعمل الألواح الشمسية المسطحة والداكنة كمرايا عملاقة، تمتص الضوء وتعكسه، تمامًا كما تفعل البحيرات، ما يشكّل إشارة بصرية تتبعها غريزيًا العديد من الحشرات الطائرة، وكذلك الطيور والخفافيش التي تتغذى عليها.
وقد لاحظ الباحثون أن الطيور المائية المهاجرة أحيانًا ما تدور حول الألواح أو تهبط عليها، معتقدةً أنها مسطحات مائية.
أما الحشرات التي تنجذب إلى الألواح، فتؤدي إلى خلق نقاط تغذية مركزة، مما يربك أنماط البحث عن الطعام لدى الحيوانات، ويزيد من خطر الاصطدام.
وتتسبب الخصائص الانعكاسية ذاتها في “تأثير البحيرة” بمواقع الطاقة الشمسية المركزة (CSP)، حيث تُركّز المرايا ضوء الشمس على جهاز استقبال مركزي. وقد أشار تقرير جامعة مردوخ إلى أن بعض هذه المواقع تسببت في نفوق طيور بسبب الحرارة المفرطة أو الارتباك الناتج عن شدة الضوء.

الأسوار تُعيق حركة الحيوانات
غالبًا ما يُحيط مطورو الطاقة الشمسية مواقعهم بأسوار شبكية لحماية المعدات مرتفعة التكلفة، غير أن هذا الإجراء الأمني قد يؤدي إلى عواقب غير مقصودة.
فالأنواع التي تعيش على الأرض، كالثدييات الصغيرة والزواحف والطيور غير القادرة على الطيران، قد تجد مساراتها الطبيعية مقطوعة. وفي أسوأ الأحوال، قد تُحتجز الحيوانات داخل متاهة من الألواح والأسوار.
وقد استشهدت فليمنج بتقارير من مزارع الكروم في جنوب إفريقيا حيث نفقت طيور كبيرة الحجم بعد أن وقعت في شرك الأسوار الموازية المحيطة بالألواح.
في المقابل، أظهر مشروع للطاقة الشمسية في ولاية نيفادا نهجًا أكثر مراعاة، حيث ترك فجوات عند مستوى الأرض، وحافظ على ممرات للنباتات الأصلية، مما سمح لسلاحف الصحراء وثعالب الكيت والأرانب البرية بالحركة بحرية، بحسب ما رصدته كاميرات المراقبة.

الألواح تغيّر طبيعة الموائل
تتطلب محطات الطاقة الشمسية الكهروضوئية ذات النطاق الواسع ما بين هكتارين وستة هكتارات من الأرض لكل ميغاواط من الكهرباء المُنتَجة، ما قد يؤدي إلى تجزئة المواطن الطبيعية، ودفع الأنواع الحساسة إلى مغادرة مواقعها.
مع ذلك، كشفت الدراسة أيضًا عن حالات إيجابية في مناطق زراعية متدهورة، حيث ساهمت مزارع الطاقة الشمسية في دعم التنوع البيولوجي. فبفضل الإدارة الذكية باستخدام أغطية أرضية مزهرة وتقليل عمليات القص، اجتذبت هذه المواقع أعدادًا أكبر من الفراشات والنحل والطيور آكلة الحشرات مقارنة بالأراضي الزراعية المجاورة.
ويعتمد تأثير مزارع الطاقة الشمسية على البيئة على عدة عوامل: الوضع البيئي السابق للموقع، كيفية إدارة الغطاء النباتي، وموقع وترتيب الألواح.
وفي المناطق القاحلة، يمكن أن يساهم الظل أسفل الألواح في الحفاظ على رطوبة التربة، ودعم نمو الأعشاب المحلية، وهي ميزة تُعرف بـ”الزراعة الكهروضوئية” عندما تُدمج مع الزراعة أو الرعي.

تصميمات أكثر ذكاءً لمواقع الطاقة الشمسية
تشير الاختبارات المعملية إلى أن الطلاءات النانوية للألواح الشمسية يمكن أن تُقلل من الإشارات البصرية المضللة للحياة البرية، مع تحسين طفيف في كفاءة الطاقة.
ويقوم بعض الباحثين بتجربة خطوط شبكية بيضاء أو أفلام منقوشة لتقليل الانعكاس دون التأثير على الإنتاج الكهربائي.
كما أن توجيه صفوف الألواح بطريقة تتجنب توجيه وهج الضوء نحو مسارات الطيران، وترك ممرات للحيوانات، يمكن أن يقلل من الأضرار البيئية بتكلفة بسيطة.
وتوصي الدراسة الأسترالية بإدماج الخرائط البيئية منذ المراحل الأولى لتخطيط المشروع، تمامًا كما يؤخذ في الاعتبار اتصال الموقع بالشبكة الكهربائية أو خصائصه الطبوغرافية.

مخاطر الحرائق والتوقيت الموسمي
يحذر العلماء أيضًا من خطر اندلاع الحرائق، خصوصًا عند استخدام أجهزة قتل الأعشاب ذات الجهد العالي كبديل لمبيدات الأعشاب، حيث قد تتسبب في اشتعال النباتات الجافة أسفل الألواح.
لكن البيانات الواردة من مزارع الكروم في غرب أستراليا تشير إلى أن جدولة الصيانة خلال الأشهر الأكثر رطوبة، مثل الشتاء والربيع، يُقلل من هذا الخطر بشكل كبير.
نحو طاقة شمسية صديقة للتنوع البيولوجي
مع اعتماد الحكومات المتزايد على الطاقة الشمسية، وتوقعات بزيادة قدرتها الإنتاجية بمقدار عشرة أضعاف بحلول عام 2050 لتحقيق أهداف المناخ، تؤكد الدراسة على ضرورة مواكبة هذا النمو بحماية جادة للتنوع البيولوجي.
ويدعو الباحثون إلى تبني معايير تصميم إلزامية تأخذ في الاعتبار احتياجات الحياة البرية، إلى جانب مراقبة صارمة لما بعد الإنشاء، وإدارة متكيفة تسمح بإجراء تغييرات عند ظهور مشكلات بيئية.
تبقى الطاقة الشمسية من أكثر مصادر الطاقة نظافة، ولكن لا بد أن تُنفذ بأسلوب يحترم الكائنات التي تتقاسم معنا كوكب الشمس.






