أخبارالمدن الذكيةالتنمية المستدامة

بين تخزين الطعام وغسل اليدين.. هل تُحمّل الحكومات المواطنين مسؤولية مواجهة الكوارث البيئية؟

مونبيوت: تخزين الطعام وغسل اليدين لا يكفيان لمواجهة الكوارث البيئية في ظل سياسات حكومية تزيد المخاطر

هل يكفي أن يخزن المواطن بعض الطعام غير القابل للتلف، ويغسل يديه، ويحتفظ بحقيبة طوارئ في منزله، حتى يصبح مستعدًا لمواجهة الكوارث البيئية والمناخية؟

هذا هو السؤال الذي يطرحه الكاتب البريطاني جورج مونبيوت، منتقدًا حملة الحكومة البريطانية للاستعداد للطوارئ، التي تحث المواطنين والأسر على اتخاذ إجراءات فردية لمواجهة مخاطر مثل الجفاف والفيضانات وموجات الحر وتلوث الهواء وإنفلونزا الطيور، في الوقت الذي يرى فيه أن سياسات حكومية أخرى تسهم في زيادة هذه المخاطر.

ويذهب مونبيوت إلى أن المشكلة لا تكمن في كون النصائح المقدمة للمواطنين خاطئة في حد ذاتها، وإنما في أن مسؤوليات تتجاوز بكثير قدرة الأفراد يجري دفعها إلى عتبة المنازل، بينما لا تتحرك الدولة بالقدر الكافي لمعالجة الأسباب الأساسية للأزمات.

المواطن في مواجهة الجفاف

توصي حملة Prepare الحكومية البريطانية، على سبيل المثال، المواطنين بترشيد استهلاك المياه خلال فترات الجفاف، من خلال إغلاق الصنبور أثناء تنظيف الأسنان أو الاستحمام بدلًا من استخدام حوض الاستحمام.

ويرى مونبيوت أن هذه الإجراءات منطقية، وأن المواطنين يجب أن يتحملوا مسؤولياتهم، لكنه يشير إلى تناقض في السياسات الحكومية، يتمثل في الوقت نفسه في اعتبار مراكز البيانات مشروعات ذات أهمية وطنية، بما يسمح بتسريع إجراءات الموافقة عليها.

ويستشهد الكاتب بتحذيرات من قطاع المياه في بريطانيا بشأن عدم كفاية الموارد المائية لدعم التوسع المخطط في مراكز البيانات، في وقت تقول فيه الحكومة، وفقًا لما أورده، إنها لا تملك معلومات كافية عن كيفية استخدام بعض هذه المراكز.

ومن وجهة نظر مونبيوت، فإن مطالبة المواطنين بتقليل استهلاك المياه تصبح موضع تساؤل عندما تتخذ الدولة قرارات يمكن أن تزيد الطلب على الموارد المائية.

المواطن في مواجهة الجفاف

أرقام مقلقة بشأن الجفاف وموجات الحر

وينتقد مونبيوت كذلك تقديرات الحكومة البريطانية الواردة في السجل الوطني للمخاطر، معتبرًا أنها لا تعكس حجم المخاطر المناخية التي تواجه البلاد.

ويشير إلى أن الحكومة تقدر احتمال وقوع موجة جفاف ذات تأثير متوسط خلال السنوات الخمس المقبلة بما يتراوح بين 0.2% و1%، بينما تقدر احتمال وقوع موجات حر ذات تأثير كبير، يُقصد بها وفق التصنيف الرسمي ما بين 200 و1,000 وفاة، بنسبة تتراوح بين 1% و5% خلال الفترة نفسها.

ويضع الكاتب هذه التقديرات في مواجهة حصيلة الوفيات المرتبطة بالحرارة، مشيرًا إلى تقديرات حكومية تفيد بوقوع 2,877 وفاة إضافية مرتبطة بالحرارة في إنجلترا خلال موجات الحر في مايو ويونيو من العام الحالي.

كما يشير إلى تسجيل عدد مماثل تقريبًا من الوفيات خلال موجة الحر التي ضربت البلاد عام 2022.

مئات الوفيات الزائدة وأثرت بشكل كبير على الحياة اليومية في أنحاء القارة الأوروبية لأكثر من أسبوع
أرقام مقلقة بشأن الجفاف وموجات الحر

«اتصل بالمجلس المحلي».. ولكن ماذا بعد؟

وتوصي حملة الاستعداد للطوارئ الأشخاص الذين يعيشون في منازل أكثر عرضة لارتفاع الحرارة بالتواصل مع المجالس المحلية أو شركات إدارة العقارات أو خدمات الاستشارات للحصول على المساعدة والدعم.

لكن مونبيوت يرى أن هذه النصائح لا تعالج المشكلة الأساسية، خصوصًا مع استمرار تأخر تطبيق معايير البناء الجديدة منخفضة الكربون في إنجلترا.

ومن المقرر أن تدخل معايير المنازل المستقبلية حيز التنفيذ في مارس 2028، إلا أن الكاتب يشير إلى انتقادات من متخصصين يرون أن القواعد، حتى بعد تطبيقها، لن تكون كافية لجعل المنازل الجديدة ملائمة بدرجة كافية للتحديات المناخية المقبلة.

كما ينتقد القيود المفروضة على السلطات المحلية التي تمنعها، وفق طرحه، من فرض معايير بيئية أكثر طموحًا على المشروعات السكنية.

الفيضانات.. احمل حقيبة الطوارئ

وفي مواجهة مخاطر الفيضانات، تنصح حملة الاستعداد البريطانية المواطنين بإعداد «حقيبة طوارئ» تحتوي على المستلزمات الأساسية، ونقل الأشياء الثمينة إلى الطوابق العليا، وإجراء تعديلات على العقارات لتقليل الأضرار المحتملة.

لكن مونبيوت يطرح سؤالًا أكثر جوهرية: لماذا يجري بناء منازل جديدة في مناطق معرضة لخطر الفيضانات من الأساس؟

ويشير إلى بيانات تفيد بأن منزلًا واحدًا من كل تسعة منازل جديدة في إنجلترا يُبنى في مناطق معرضة لخطر الفيضانات.

كما يستشهد بحكم قضائي حديث للمحكمة العليا البريطانية، يرى أنه يكشف عن قيود قانونية تحول دون قدرة السلطات المحلية على منع بعض هذه المشروعات حتى عندما لا تستوفي اختبارًا أساسيًا للسلامة.

وهنا تظهر، وفق رؤيته، المفارقة بين مطالبة الأسر بالاستعداد للفيضانات وبين السماح باستمرار أنماط من التنمية يمكن أن تزيد تعرضها للخطر.

ملايين المنازل في بريطانيا مهددة بالفيضانات

إنفلونزا الطيور.. اغسل يديك ولكن ماذا عن مزارع الدواجن؟

ويصل نقد مونبيوت إلى ملف إنفلونزا الطيور، إذ تنصح حملة الاستعداد المواطنين بغسل أيديهم بالماء والصابون بعد إطعام الطيور البرية للمساعدة في الحد من انتشار المرض.

ويرى الكاتب أن النصيحة منطقية، لكنه يطرح في المقابل تساؤلًا حول سياسات التوسع في قطاع الدواجن.

ويشير إلى خطط حكومية تستهدف نمو قطاع الدواجن، معتبرًا أن زيادة مزارع الدواجن الصناعية يمكن أن تؤدي إلى توسيع البيئات التي تساعد على ظهور وانتشار إنفلونزا الطيور شديدة العدوى.

ويستند في ذلك إلى تحذيرات سابقة من فريق علمي متخصص في إنفلونزا الطيور والطيور البرية، أشار إلى أن مزارع الدواجن كانت من البيئات التي ظهرت فيها إنفلونزا الطيور شديدة الضراوة.

كما ينتقد السماح لصناعة الصيد بتربية أعداد ضخمة من طيور التدرج والحجل في ظروف مشابهة، قبل إطلاقها في البيئة الطبيعية، بما يزيد فرص اختلاطها بالطيور البرية.

الخلاصة التي يطرحها الكاتب ساخرة: اغسل يديك، لكن لا تسأل عن السياسات التي تزيد فرص نشوء المشكلة.

تلوث الهواء.. نصائح فردية وسياسات متناقضة

وفي ملف تلوث الهواء، تحث الحملة المواطنين على تقليل تعرضهم للملوثات.

لكن مونبيوت ينتقد في المقابل السماح بتزويد منازل جديدة في إنجلترا بمدافئ تعمل بالحطب، والاستمرار في مشروعات طرق ضخمة، إلى جانب مناقشة تأجيل الانتقال إلى السيارات الكهربائية بالكامل.

ويرى أن هذه القرارات لا تنسجم مع الهدف المعلن المتمثل في تقليل تعرض المواطنين لتلوث الهواء، خصوصًا عندما تتداخل المصالح والضغوط السياسية والاقتصادية مع عملية صناعة السياسات.

تلوث الهواء يزيد السعال ليلًا
تلوث الهواء.. نصائح فردية وسياسات متناقضة

الأمن الغذائي أكبر من تخزين بعض المعلبات

وفيما يتعلق بالأمن الغذائي، لا تقدم حملة الاستعداد للطوارئ سوى نصيحة محدودة للأسر تتمثل في تخزين بعض المواد الغذائية غير القابلة للتلف والتي لا تحتاج إلى طهي.

لكن الكاتب يرى أن أزمة الأمن الغذائي المحتملة أكبر بكثير من قدرة الأسر على تكوين مخزون منزلي مؤقت.

وينقل عن مجموعة من كبار المسؤولين التنفيذيين في قطاع الأغذية تحذيرهم من أن الصناعة تواجه انخفاضات ملموسة في الإنتاجية والجودة وموثوقية الإمدادات، لكنها لا تزال تتعامل مع المشكلة من خلال حلول سريعة لإدارة الأزمات بدلًا من اتباع استراتيجية طويلة الأجل.

ويرى هؤلاء المسؤولون أن بعض الشركات تواصل الضغط ضد اللوائح الضرورية، بينما يلتزم آخرون الصمت، وهو ما قد يؤدي إلى فشل في التعامل مع ما وصفوه بأنه تهديد وجودي.

من يتحمل تكلفة الأزمات؟

يرى مونبيوت أن القضية الأوسع لا تتعلق بحملة حكومية بعينها، وإنما بالسؤال عن من يتحمل مسؤولية حماية المجتمع من المخاطر المتزايدة.

فالأفراد يمكنهم ترشيد استهلاك المياه، والاستعداد للفيضانات، وتخزين الطعام، وتقليل التعرض لتلوث الهواء، واتباع إجراءات النظافة، لكن هذه الإجراءات لا تستطيع بمفردها إصلاح البنية التحتية للمياه، أو تغيير أنماط التخطيط العمراني، أو إعادة تصميم أنظمة الغذاء، أو مواجهة أزمة المناخ.

وبالتالي، فإن بناء قدرة حقيقية على الصمود يتطلب، بحسب الكاتب، استثمارات وسياسات عامة طويلة الأجل تتعامل مع جذور المخاطر، بدلًا من الاكتفاء بإرشاد الأفراد إلى كيفية التعامل مع نتائجها.

تلوث الهواء
من يتحمل تكلفة الأزمات؟

التنظيم الحكومي في مواجهة «إلغاء القيود»

ويربط مونبيوت هذه القضية بالجدل السياسي الأوسع في بريطانيا حول إلغاء القيود التنظيمية.

ويشير إلى تصريحات أندي بورنهام التي اعتبر فيها إلغاء القيود أحد الشرور الكبرى التي تدفع بريطانيا في الاتجاه الخطأ، معتبرًا أن ذلك يمثل خروجًا عن عقود من السياسات التي تعاملت مع كثير من أشكال الحماية التنظيمية باعتبارها «روتينًا بيروقراطيًا» ينبغي تقليله.

لكن الكاتب يرى أن التعهد بالالتزام الصارم بالقواعد المالية الحكومية يمكن أن يحد من قدرة السياسيين على تنفيذ الاستثمارات المطلوبة لتعزيز قدرة البلاد على الصمود أمام الأزمات.

الاستعداد الحقيقي يبدأ قبل وقوع الكارثة

وتكشف المقالة في جوهرها عن جدل أوسع من حدود بريطانيا: هل يمكن تحميل الأفراد مسؤولية الاستعداد للكوارث بينما تستمر السياسات العامة في إنتاج أو زيادة مصادر الخطر؟

فحقيبة الطوارئ قد تساعد أسرة على تجاوز فيضان، وتخزين الطعام قد يوفر احتياطًا مؤقتًا، وترشيد المياه قد يقلل الاستهلاك، وغسل اليدين قد يخفض فرص انتقال العدوى.

لكن هذه الإجراءات لا تستطيع وحدها وقف تغير المناخ، أو تدهور البنية التحتية، أو التوسع العمراني في المناطق المعرضة للفيضانات، أو فقدان الأمن الغذائي، أو تلوث الهواء، أو المخاطر المرتبطة بتكثيف الإنتاج الحيواني.

ومن ثم، فإن الاستعداد الحقيقي للكوارث البيئية لا يبدأ فقط من منزل المواطن، بل من السياسات التي تحدد شكل الاقتصاد والطاقة والزراعة والغذاء والبنية التحتية واستخدام الأراضي.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة