- 10 آلاف وفاة سنويًا بسبب الحرارة.. خسائر قد تصل إلى 260 مليار جنيه سنويًا.. تكلفة تجاهل أزمة المناخ في بريطانيا
حذّر تقرير حديث صادر عن لجنة تغير المناخ في المملكة المتحدة من أن البلاد لم تعد مهيأة لمواجهة الواقع المناخي الجديد، مؤكدًا أن بريطانيا “بُنيت لمناخ لم يعد موجودًا”، في ظل تسارع وتيرة الاحترار العالمي وتزايد حدة الظواهر المناخية المتطرفة.
وبحسب التقرير، فإن المملكة المتحدة تتجه نحو ارتفاع متوسط درجات الحرارة بنحو درجتين مئويتين بحلول عام 2050، مع تزايد احتمالات تجاوز هدف 1.5 درجة المنصوص عليه في اتفاق باريس، وهو ما سيقود إلى تحولات جذرية في طبيعة المناخ داخل البلاد.
حرارة قاتلة تتحول إلى “الوضع الطبيعي”
تشير التقديرات إلى أن موجات الحر في بريطانيا ستتجاوز 40 درجة مئوية في جميع المناطق بحلول منتصف القرن، مع احتمالية وصولها إلى 45 درجة مئوية، وهو ما يتجاوز الرقم القياسي المسجل في عام 2022.
ولن تكون المشكلة في شدة الحرارة فقط، بل في مدتها أيضًا، إذ ستستمر موجات الحر لفترات أطول، مصحوبة بظاهرة “الليالي الاستوائية” التي لا تنخفض فيها درجات الحرارة عن 20 درجة مئوية، ما يؤثر على النوم والصحة العامة.
ويتوقع التقرير أن يؤدي ذلك إلى نحو 10 آلاف حالة وفاة سنويًا بسبب الحرارة، مقارنة بنحو 3 آلاف حالة وفاة خلال موجة الحر القياسية في 2022، ما يجعل الحرارة الشديدة أخطر تهديد مباشر للحياة في بريطانيا.
التكييف لم يعد رفاهية
في مواجهة هذه التغيرات، أكد التقرير أن الاعتماد على الحلول التقليدية مثل فتح النوافذ أو استخدام الستائر أو زراعة الأشجار لن يكون كافيًا، داعيًا إلى نشر أنظمة التبريد على نطاق واسع.
وأوصى بتركيب أجهزة تكييف في جميع المستشفيات ودور الرعاية خلال 10 سنوات، وفي المدارس خلال 25 عامًا، مع إمكانية تخصيص “غرفة باردة” داخل المنازل لاستخدامها خلال فترات الحر الشديد.
ومع ذلك، أشار التقرير إلى أن التكييف يمثل تحديًا بيئيًا، إذ يسهم بنحو 4% من الانبعاثات العالمية، ما يستدعي التوسع في استخدام حلول أكثر كفاءة مثل المضخات الحرارية وربطها بالطاقة الشمسية لتحقيق توازن بين الطلب والعرض.
مخاطر مائية متزايدة: بين الفيضانات والجفاف
لا تقتصر التهديدات على الحرارة، بل تمتد إلى دورة المياه في البلاد، حيث حذر التقرير من تصاعد مخاطر الفيضانات، مع احتمال زيادة عدد العقارات المعرضة لها بنسبة 40% بحلول 2050، وارتفاع تدفقات الأنهار بنسبة 45%.
كما يُتوقع ارتفاع مستوى سطح البحر بين 20 و45 سم، ما يهدد المناطق الساحلية، إلى جانب زيادة شدة الأمطار بنسبة تصل إلى 60%.
وفي المقابل، ستشهد البلاد موجات جفاف أكثر حدة، مع انخفاض تدفقات الأنهار الصيفية بنحو الثلث مقارنة بالعقود الماضية، واحتمال وصول العجز اليومي في إمدادات المياه إلى 5 مليارات لتر، وهو ما يعادل نحو 2000 حمام سباحة أولمبي.
وحذر التقرير من سيناريو قد يشهد فيه المواطنون انقطاع المياه تمامًا بحلول 2050 إذا لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة، تشمل بناء خزانات جديدة، وتحسين شبكات النقل، وتقليل الفاقد، ورفع كفاءة الاستهلاك.
حرائق الغابات وتهديد الأمن الغذائي
ومن بين التداعيات الأخرى، توقع التقرير تضاعف عدد الأيام عالية الخطورة لاندلاع حرائق الغابات بحلول 2050، مع امتداد موسم الحرائق إلى أوائل الخريف.
كما يواجه القطاع الزراعي ضغوطًا متزايدة، مع تراجع الإنتاج المحلي وارتفاع أسعار الغذاء نتيجة تأثر المحاصيل محليًا وعالميًا، ما يهدد الأمن الغذائي، ويدفع الحكومة إلى ضرورة الحفاظ على إنتاج 60% من الغذاء محليًا.
تكلفة اقتصادية باهظة وخيارات سياسية حاسمة
قدّر التقرير تكلفة التكيف مع تغير المناخ بنحو 11 مليار جنيه إسترليني سنويًا، إلا أن الفوائد المتوقعة تصل إلى خمسة أضعاف هذا الرقم، ما يجعل الاستثمار في التكيف خيارًا اقتصاديًا مجديًا.
في المقابل، تبلغ تكلفة الأضرار الحالية نحو 60 مليار جنيه سنويًا (ما يعادل 2% من الناتج المحلي)، مع توقع ارتفاعها إلى 260 مليار جنيه خلال العقدين المقبلين في حال عدم التحرك.
وأكد التقرير أن خطط التكيف الحالية “غير ملائمة”، داعيًا إلى التعامل مع أزمة المناخ باعتبارها قضية أمن قومي، تتطلب استجابة شاملة تشمل البنية التحتية والطاقة والمياه والزراعة.
أزمة مناخية تعمّق عدم المساواة
حذر التقرير وخبراء من أن آثار التغير المناخي لن تكون متساوية، إذ ستتأثر الفئات منخفضة الدخل بشكل أكبر، نتيجة ضعف قدرتها على التكيف.
وتشمل هذه التأثيرات زيادة المخاطر الصحية على الحوامل، وارتفاع معدلات فشل الطلاب في الامتحانات بسبب الحرارة، وصعوبة تحمل تكاليف التبريد أو الانتقال من المناطق المعرضة للفيضانات.
كما أن ارتفاع أسعار الغذاء، والذي أضاف بالفعل نحو 360 جنيهًا إسترلينيًا إلى فاتورة الأسرة السنوية، قد يتفاقم بشكل كبير، مع توقع زيادات تصل إلى 50% مقارنة بمستويات 2021.
بين التكيف والوقاية
ورغم أهمية إجراءات التكيف، شدد الخبراء على أن الحل الجذري يكمن في خفض الانبعاثات والانتقال السريع بعيدًا عن الوقود الأحفوري، لتحقيق الحياد الكربوني والحد من تفاقم الأزمة.
وأكد التقرير أن “التراجع ليس حتميًا، بل هو خيار سياسي”، مشيرًا إلى أن القرارات التي تُتخذ اليوم ستحدد مستقبل البلاد لعقود قادمة، سواء نحو مزيد من الأزمات أو نحو نموذج أكثر استدامة ومرونة.
