بقايا حرائق الغابات قادرة على خفض أقوى غازات الاحتباس الحراري

"الكربون الشارد" من الحرائق.. مخزن إلكتروني طبيعي لمواجهة تغيّر المناخ

بقايا سوداء تحمل أملاً

الحرائق تخلّف وراءها مشاهد مأساوية: منازل متفحمة، غابات محترقة، ومجتمعات مدمرة. لكن حتى في تلك البقايا السوداء، يرى البروفيسور بيي تشيو من جامعة ديلاوير فرصة غير متوقعة لمواجهة أزمة المناخ.
تشيو يدرس مادة “الشار“، وهي بقايا غنية بالكربون تتكوّن عند احتراق الكتلة الحيوية بكمية محدودة من الأكسجين. وقد اكتشف وفريقه أن هذه المادة البسيطة قد تُغيّر قواعد اللعبة فيما يتعلق بانبعاثات الميثان.

ما هو “الشار” وكيف يتكوّن؟

يتكوّن “الشار” في الطبيعة خلال حرائق الغابات، بينما يُنتج صناعيًا عبر عملية الانحلال الحراري التي تعتمد على تسخين المخلفات الزراعية مثل سيقان الذرة، قش الأرز، أو نشارة الخشب في ظروف قليلة الأكسجين.
الفحم الحيوي التجاري يُستخدم بالفعل في تحسين التربة وتنقية المياه، بينما الشار الناتج عن الحرائق يتناثر بكميات هائلة في الأراضي المحترقة، ليدمج تدريجيًا في التربة عبر الأمطار والجذور والرياح.

بطاريات طبيعية في قلب التربة
خلال التجارب، لاحظ فريق تشيو أن الشار يشبه بطارية قابلة للشحن. إذ يمتلك قدرة على تخزين الإلكترونات وإطلاقها، وهي خاصية أسماها العلماء “القدرة على تخزين الإلكترونات” (ESC).، هذه الخاصية تمنح الميكروبات وسيلة بديلة لـ”التنفس” في البيئات الفقيرة بالأكسجين، مثل المستنقعات ومدافن النفايات وحقول الأرز المغمورة. النتيجة: تراجع كبير في نشاط الميكروبات المنتجة للميثان.

لماذا الميثان هو العدو الأخطر؟

الميثان يُعد أحد أخطر غازات الاحتباس الحراري، إذ يفوق تأثيره الحراري 85 مرة تأثير ثاني أكسيد الكربون على المدى القصير، وهو مسؤول عن نحو ثلث الاحترار الحالي.
لكن الميزة هنا أن عمره في الغلاف الجوي لا يتجاوز 12 عامًا، مقابل قرون لثاني أكسيد الكربون، ما يجعل خفض انبعاثاته رافعة مناخية سريعة التأثير يمكن أن نشعر بنتائجها خلال حياتنا.

أرقام مذهلة: تريليونات من الإلكترونات
التقديرات المعملية كشفت أن جرامًا واحدًا من الشار – ما يعادل ربع ملعقة صغيرة – قادر على تخزين ما يقارب 10²¹ إلكترونًا.
وعند مقارنة ذلك بكميات المخلفات الزراعية في الولايات المتحدة وحدها (نحو 140 مليون طن جاف سنويًا، إضافة إلى 60–70 مليون طن من المخلفات الحرجية)، يتضح أن الشار يمثل خزانًا عالميًا هائلًا للإلكترونات يضخ في الدورة البيوجيوكيميائية كل عام.

أكثر من مجرد تقليل للميثان

لا يقتصر دور الشار على خفض انبعاثات الميثان. بل يساعد أيضًا في:
• منع انتقال الزرنيخ إلى مياه الشرب أو المحاصيل.
• إزالة النترات والبركلورات من المياه الجوفية ومياه الأمطار.
تحسين خصوبة التربة ودعم النشاط الميكروبي الإيجابي.
هذا يجعله مادة متعددة الفوائد البيئية، قادرة على الجمع بين مكافحة التلوث وتعزيز الزراعة المستدامة.

من المختبر إلى التطبيقات العملية

التجارب أثبتت أن جميع أنواع الشار – سواء الناتجة عن الحرائق أو المُحضّرة صناعيًا – قادرة على كبح إنتاج الميثان بشكل ملحوظ، ويطمح العلماء إلى توسيع استخدام هذه النتائج في:
• تغطية مدافن النفايات.
• معالجة مخلفات الماشية.
• استعادة الأراضي الرطبة.
• إدارة التربة بعد الحرائق.
بهذه الطريقة يمكن أن يصبح “الشار” أداة طبيعية فعّالة ضمن حزمة الحلول المناخية.

بصيص أمل من قلب الدمار

لا يُقلل هذا البحث من مأساوية حرائق الغابات وما تخلّفه من خسائر بشرية وبيئية. لكن البروفيسور تشيو يؤكد أن في هذه البقايا السوداء “موردًا طبيعيًا طويل العمر”، قادرًا على إحداث فرق ملموس في مواجهة تغيّر المناخ.
الشار، باختصار، قد يكون الأثر الوحيد للحرائق الذي ينظر إلى المستقبل.

Exit mobile version