انبعاثات الوقود الأحفوري المحترقة اليوم ستواصل تسخين الأرض حتى 2500
انبعاثات كبار منتجي الوقود الأحفوري ستواصل رفع حرارة الأرض بعد قرون
قد يبدو أن تأثير الفحم ينتهي بمجرد احتراقه، أو أن تأثير الغاز يتوقف بعد خروجه من عوادم السيارات ومحطات الطاقة، لكن نماذج مناخية جديدة تشير إلى أن الأمر أبعد من ذلك بكثير.
فالكربون المنبعث من أنشطة أكبر منتجي النفط والغاز والفحم والأسمنت في العالم سيظل مرتبطًا بارتفاع درجات حرارة الأرض حتى عام 2500، وفق دراسة جديدة تناولت الانبعاثات المتراكمة حتى نهاية عام 2024.
وظل هذا الأثر قائمًا في جميع السيناريوهات المستقبلية التي اختبرها الباحثون، بدءًا من التحول السريع بعيدًا عن الوقود الأحفوري ووصولًا إلى سيناريوهات تستمر فيها معدلات الحرق المرتفعة لعقود.
ومن النتائج اللافتة، أن الانبعاثات السابقة تترك نسبة أكبر من الاحترار المستمر في سيناريوهات خفض الانبعاثات السريع، مقارنة بالسيناريوهات التي تشهد استمرارًا مرتفعًا للانبعاثات، بسبب الطريقة التي يتغير بها تأثير ثاني أكسيد الكربون مع ارتفاع تركيزه في الغلاف الجوي.
أكثر من 1.2 تريليون طن من ثاني أكسيد الكربون
ونُشرت الدراسة كاملة في دورية PLOS Climate، واعتمد الباحثون، بقيادة دارجان فرييرسون، عالم الغلاف الجوي في جامعة واشنطن، وبمشاركة لورين هينري، على قاعدة بيانات Carbon Majors، التي تتتبع الانبعاثات المرتبطة بأكبر منتجي الوقود الأحفوري والأسمنت.
وتضم قاعدة البيانات 178 من أكبر منتجي الوقود والأسمنت، بما في ذلك شركات تجارية وشركات مملوكة للدول.
وتحسب القاعدة الانبعاثات المرتبطة بالوقود الذي أحرقته هذه الجهات مباشرة، وكذلك الوقود الذي اشتراه العملاء واستخدموه لاحقًا.
وبين عامي 1854 و2024، ارتبطت هذه الجهات بأكثر من 1.2 تريليون طن متري من ثاني أكسيد الكربون.
وبحلول عام 2024، كانت مسؤولة عن نحو 30 مليار طن متري من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، بينما ارتبطت عمليات النفط والغاز والفحم التابعة لها بتسرب نحو 30% من إجمالي انبعاثات الميثان العالمية، وفق البيانات المستخدمة في الدراسة.
وقال فرييرسون إن العلماء يعرفون أن انبعاثات الوقود الأحفوري تسببت في قدر كبير من الاحترار، وأن آثار ذلك أصبحت واضحة بالفعل، لكن السؤال الذي حاولت الدراسة الإجابة عنه هو: إلى متى يستمر هذا الاحترار في المستقبل؟

نموذج مناخي يحاكي تأثير الانبعاثات حتى عام 2500
استخدم الباحثون نموذجًا مناخيًا مفتوحًا وشائع الاستخدام يُعرف باسم FaIR، لتحويل بيانات الانبعاثات إلى تركيزات لغازات الاحتباس الحراري، ثم تقدير تأثيرها في درجات الحرارة.
ويمتاز النموذج بقدرته على إجراء عدد كبير من المحاكاة بسرعة، ما يسمح للباحثين باختبار إعدادات وسيناريوهات مختلفة.
وأجرى الفريق محاكاتين لكل واحد من أربعة سيناريوهات مستقبلية معيارية يستخدمها علماء المناخ.
في المحاكاة الأولى، احتفظ الباحثون بالتاريخ الفعلي للانبعاثات، بينما أزالوا في المحاكاة الثانية كل الانبعاثات المرتبطة بجهات Carbon Majors حتى نهاية عام 2024.
وكان الفرق بين المحاكاتين هو التقدير المستخدم للاحترار الناتج عن انبعاثات تلك الجهات.
0.66 درجة مئوية من الاحترار في 2025
أظهرت النتائج أنه في عام 2025 بلغ الفرق في متوسط الاحترار نحو 0.66 درجة مئوية، أي 1.2 درجة فهرنهايت.
وبحلول ذلك الوقت، كانت انبعاثات هذه الجهات قد أضافت نحو 80 جزءًا في المليون من ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي، وهو ما يعادل تقريبًا نصف كمية ثاني أكسيد الكربون التي أطلقتها، وامتصت المحيطات والتربة والنباتات الجزء المتبقي.
لكن النموذج أظهر أن نحو 35 جزءًا في المليون من ثاني أكسيد الكربون المرتبط بهذه الانبعاثات سيظل موجودًا في الغلاف الجوي على المدى الطويل.
وقال فرييرسون إن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية وصلت حاليًا إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق.
الانبعاثات القديمة تواصل تسخين الأرض في عام 2500
بحلول عام 2500، ينخفض الفرق في درجات الحرارة بين السيناريوهين، لكنه لا يختفي، ففي السيناريو الذي يشهد أكبر خفض للانبعاثات، تظل الانبعاثات التاريخية لمنتجي الوقود الأحفوري والأسمنت مرتبطة بزيادة في الاحترار تبلغ نحو 0.45 درجة مئوية، أو 0.8 درجة فهرنهايت.
أما في السيناريو الذي يستمر فيه الحرق بمعدلات مرتفعة، فتبلغ الزيادة نحو 0.31 درجة مئوية، أو 0.6 درجة فهرنهايت.
ويبدو الاختلاف بين السيناريوهين للوهلة الأولى غير متوقع، لكن الباحثين يفسرونه بتغير تأثير ثاني أكسيد الكربون مع ارتفاع تركيزه في الغلاف الجوي.
فمع وجود كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، تصبح الزيادة الإضافية في تأثير الاحتباس الحراري الناتجة عن كل وحدة جديدة من الغاز أقل نسبيًا.
وفي الوقت نفسه، تؤدي المستويات المرتفعة من الانبعاثات إلى بقاء نسبة أكبر من الكربون المرتبط بالمنتجين في البيئة، لأن ارتفاع حرارة الكوكب وزيادة كمية الكربون في المحيطات والتربة يمكن أن يبطئا قدرة هذه النظم على امتصاص المزيد منه.
وتؤدي هاتان الآليتان إلى تعويض جزء من تأثير بعضهما، بحيث يصبح الاحترار المتبقي المرتبط بالانبعاثات التاريخية متقاربًا نسبيًا في السيناريوهات المختلفة.

نسبة الاحترار تختلف بشدة بين السيناريوهات
في سيناريو الانبعاثات المنخفضة، تمثل الانبعاثات المرتبطة بمنتجي Carbon Majors نحو 30% من إجمالي الاحترار في عام 2500.
أما في سيناريو الانبعاثات المرتفعة، فتبلغ حصتها نحو 5% فقط، لأن كميات كبيرة من الاحترار الجديد ستضاف فوق تأثير الانبعاثات السابقة.
وبحسب فرييرسون، فإن مقدار الاحترار المرتبط بهذه الانبعاثات يمكن حسابه، ويظل متقاربًا نسبيًا بغض النظر عن حجم الانبعاثات المستقبلية.
لكن هذا لا يعني أن المسار المستقبلي للانبعاثات غير مهم؛ فإجمالي الاحترار العالمي سيظل يعتمد بصورة كبيرة على كمية الانبعاثات التي ستضاف في العقود المقبلة.
الميثان يختلف عن ثاني أكسيد الكربون
لا تتصرف جميع غازات الاحتباس الحراري بالطريقة نفسها، فالميثان الذي تسرب من عمليات إنتاج الوقود الأحفوري أضاف دفعة كبيرة من الاحترار، لكنها تتراجع خلال عقود قليلة، لأن الميثان يتحلل في الغلاف الجوي بصورة أسرع بكثير من ثاني أكسيد الكربون.
وأظهرت المحاكاة أنه بعد فترة طويلة يمكن أن يصبح التأثير المرتبط بهذا الميثان أقل من الصفر بشكل طفيف، بسبب زيادة سرعة تحلل الميثان في عالم أكثر دفئًا.
وهذا يوضح الفرق بين عمر وتأثير الغازات المختلفة في النظام المناخي، مقارنة بثاني أكسيد الكربون الذي يمكن أن يستمر جزء منه في النظام المناخي لفترات طويلة جدًا.
النموذج المناخي له حدود
أشار الباحثون إلى عدد من القيود المهمة في الدراسة، ففي السيناريوهين اللذين يشهدان أعلى مستويات للانبعاثات، يعمل نموذج FaIR خارج النطاق الذي جرى ضبطه من أجله، ولاحظ الباحثون أن بعض سلوكيات دورة الكربون في هذه الحالات بدت غير موثوقة بصورة كافية.
لذلك دعوا إلى إجراء التجربة نفسها باستخدام نماذج أكبر لنظام الأرض، تستطيع محاكاة المحيطات والغابات والتربة بصورة أكثر تفصيلًا.
كما أن التقدير الوارد في الدراسة يميل إلى أن يكون أقل من التأثير الفعلي المحتمل، لأن الباحثين احتسبوا الانبعاثات حتى عام 2024 فقط.
وفي المقابل، استمرت الجهات نفسها في استخراج واستخدام الوقود خلال عام 2025، ومن المرجح أن تستمر الانبعاثات في السنوات المقبلة.
وهذا يعني أن كل طن إضافي من ثاني أكسيد الكربون يُطلق بعد عام 2024 يمكن أن يضيف إلى الاحترار طويل الأمد.
ماذا يعني الوصول إلى عام 2500؟
تظل أي محاكاة تمتد إلى عام 2500 مرتبطة بالمسار الذي ستتخذه الانبعاثات العالمية خلال القرون المقبلة، وهو أمر لا يمكن تحديده مسبقًا.
ولذلك أتاح الباحثون الأكواد المستخدمة في الدراسة بصورة عامة، بما يسمح للباحثين الآخرين بإعادة تشغيل النموذج واختبار النتائج باستخدام افتراضات مختلفة.
ويرى الباحثون أن دراسة التأثير طويل الأمد للانبعاثات تكتسب أهمية أيضًا في ظل النقاشات القانونية المتعلقة بالمسؤولية عن الأضرار المناخية.
وتستخدم أبحاث أخرى تقديرات تربط بعض الظواهر المناخية والخسائر الاقتصادية بالانبعاثات المرتبطة بمنتجين محددين، بينما تضيف الدراسة الجديدة بُعدًا زمنيًا أطول إلى هذا النوع من الحسابات.
وأكد فرييرسون أن درجات الحرارة ستواصل الارتفاع إلى أن يتوقف حرق الوقود الأحفوري تقريبًا، مشيرًا إلى أن استمرار الانبعاثات يعني استمرار إمكانية إضافة أضرار مناخية جديدة يمكن تجنبها.
ويعمل الباحث حاليًا على نمذجة سيناريوهات التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري، بما يسمح بإدخال خطط الشركات المتعلقة بأعمالها المستقبلية ضمن الحسابات المناخية.





