هل يختفي “الويب المفتوح”؟ كبار ناشري الأخبار يمنعون القراء الوصول إلى الأرشيف لمواجهة الذكاء الاصطناعي
قيود الوصول إلى المعلومات التاريخية والمحتوى المعاصر تهدد حرية المعلومات والحفاظ على المعرفة
عندما أُطلِق الويب العالمي في أوائل التسعينيات، كان الهدف إنشاء مساحة مفتوحة يمكن للجميع مشاركة المعلومات والتعاون بحرية.
لكن اليوم، يبدو أن الحلم بالويب المفتوح يتآكل تدريجيًا، مع تصاعد التوتر بين المصلحة التجارية للشركات الإخبارية والجهود المجتمعية للحفاظ على الإنترنت كموروث عام.
الإنترنت الأرشيفي تحت الضغط
منذ عام 1996، يعمل مشروع الإنترنت الأرشيفي على تسجيل تاريخ الإنترنت وإتاحته للجمهور عبر Wayback Machine، إلا أن عددًا من أكبر الصحف العالمية اتخذت مؤخرًا خطوات لمنع الأرشيف من الوصول إلى صفحاتها.
من بين هذه الشركات: The Guardian، The New York Times، Financial Times، وUSA Today .
هذه الشركات تؤكد دعمها لمهمة الأرشيف، لكنها ترى أن الوصول المفتوح يُمثل تهديدًا للأعمال التجارية ولحقوق الملكية الفكرية، خصوصًا مع استغلال شركات التكنولوجيا للمحتوى لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي.
لطالما شكّل أرشيف الإنترنت مصدرًا قيّمًا للصحفيين، بدءًا من العثور على سجلات التغريدات المحذوفة وصولًا إلى توفير النصوص الأكاديمية اللازمة للبحوث الأساسية، إلا أن ظهور الذكاء الاصطناعي قد أدى إلى توتر جديد بين الطرفين.

الذكاء الاصطناعي والمحتوى الإخباري
تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل ChatGPT، Copilot، وGemini، على كميات هائلة من البيانات لتعلم اللغات، فهم الأخبار، وإنشاء النصوص، وهذا يشمل: مقالات إخبارية، كتب، أعمال فنية، أبحاث أكاديمية.
الشركات التكنولوجية غالبًا ما حصلت على محتوى إعلامي مجانيًا أو بدون إذن صريح، ما دفع بعض ناشري الأخبار لملاحقتها قضائيًا بتهمة انتهاك حقوق الملكية الفكرية.
أمثلة بارزة تشمل دعوى The New York Times ضد OpenAI وNews Corp ضد Perplexity AI .
قال روبرت هان، رئيس الشؤون التجارية والترخيص في صحيفة الجارديان ،: “تبحث العديد من شركات الذكاء الاصطناعي هذه عن قواعد بيانات منظمة ومتاحة بسهولة للمحتوى، وكان من الواضح أن واجهة برمجة تطبيقات أرشيف الإنترنت ستكون مكانًا مناسبًا لتوصيل أجهزتهم الخاصة بها واستخراج الملكية الفكرية”.
حاول العديد من الناشرين مقاضاة شركات الذكاء الاصطناعي بسبب كيفية وصولها إلى المحتوى المستخدم في تدريب نماذج لغوية ضخمة. على سبيل المثال لا الحصر، في مجال الصحافة:
رفعت صحيفة نيويورك تايمز دعوى قضائية ضد شركتي OpenAI ومايكروسوفت
رفع مركز الصحافة الاستقصائية دعوى قضائية ضد شركتي OpenAI ومايكروسوفت
رفعت صحيفتا وول ستريت جورنال ونيويورك بوست دعوى قضائية ضد شركة بيربلكسيتي
رفعت مجموعة من دور النشر، من بينها “ذا أتلانتيك” و “ذا غارديان” و “بوليتيكو”، دعوى قضائية ضد شركة “كوهير”.

رفعت شركة بنسكي ميديا دعوى قضائية ضد جوجل
رفعت صحيفتا نيويورك تايمز وشيكاغو تريبيون دعوى قضائية ضد شركة بيربلكسيتي .
من المحتوى المفتوح إلى الأرشيف المدفوع
ردًا على هذه المخاطر، بدأت بعض شركات التكنولوجيا في التفاوض على تراخيص مدفوعة:
– NewsCorp وقع صفقة مع OpenAI بقيمة 250 مليون دولار لمدة خمس سنوات.
– الناشرون الأكاديميون مثل Taylor & Francis وElsevier وقعوا صفقات مماثلة، إذ حصلت مايكروسوفت على وصول إلى أكثر من 3,000 مجلة مقابل 10 ملايين دولار.
في الوقت نفسه، تستخدم الشركات تقنيات حجب الزواحف الآلية (bots) لمنع الوصول غير المرغوب فيه إلى المحتوى، بما في ذلك تلك المستخدمة من قبل الإنترنت الأرشيفي.
وتصف بعض الصحف الإنترنت الأرشيفي بأنه “بوابة خلفية” تتيح لشركات التكنولوجيا الاستمرار في جمع المحتوى مجانًا.
سعت وسائل إعلام أخرى إلى إبرام صفقات مالية قبل عرض مكتباتها كمواد تدريبية، مع أن هذه الترتيبات تبدو وكأنها تُقدم تعويضات لشركات النشر لا للكتاب.
هذا دون الخوض في قضايا حقوق النشر والقرصنة التي تُحاربها مجالات إبداعية أخرى ضد أدوات الذكاء الاصطناعي، من كتّاب الروايات إلى الفنانين التشكيليين والموسيقيين .
تحديات الصحافة المجانية
تاريخيًا، ساعد الانتقال إلى الإنترنت على جعل الأخبار مجانًا ومتاحة للجميع في أواخر التسعينيات، وهو ما ساهم في نشر ثقافة المشاركة.
لكن الخبراء يشيرون إلى أن هذا التحول كان بمثابة “الخطيئة الأصلية” للأخبار الرقمية:
– أصبح الجمهور معتادًا على الوصول المجاني، مما وضع ضغوطًا مالية على الشركات الصحفية المتوسطة والصغيرة.
–
– التحول إلى نموذج الاشتراك المدفوع يخلق بيئة مغلقة تجاريًا، حيث يحتاج المستخدمون للاشتراك في عدة خدمات للوصول إلى محتوى متنوع.
الفجوة في الأرشيف التاريخي
الإنترنت الأرشيفي كان وما زال سجلًا عامًا لتاريخ الإنترنت، يستخدمه الباحثون، المعلمون، الصحفيون، والهواة.
حظر الوصول إلى الصحف الدولية يترك ثغرات كبيرة في السجل العام للويب.
بينما يمكنك اليوم رؤية الصفحة الرئيسية لـ The New York Times من يونيو 1997، قد لا يكون هناك وصول مماثل بعد 30 عامًا للصفحات الحالية، حتى لو استمر الأرشيف نفسه.
الويب المفتوح في مواجهة الواقع التجاري
اليوم، تتصارع قوى متعددة:
– الناشرون التجاريون الذين يسعون لحماية حقوق الملكية وتحقيق عوائد مالية من المحتوى.
– شركات التكنولوجيا التي تبحث عن محتوى لتدريب الذكاء الاصطناعي وتطوير خدمات جديدة.
– المؤسسات غير الربحية مثل الإنترنت الأرشيفي وويكيبيديا، التي تسعى للحفاظ على الإنترنت كمورد مفتوح وعام.
النتيجة هي الويب الأكثر انغلاقًا تجاريًا، مع قيود على الوصول إلى المعلومات التاريخية والمحتوى المعاصر، ما يطرح أسئلة كبيرة حول مستقبل حرية المعلومات والحفاظ على المعرفة الرقمية.





