من الأوراق المتحللة إلى الطحالب.. الأمطار تحدد مصادر الغذاء في النظم النهرية

تغير معدلات الأمطار يعيد تشكيل النظم البيئية للأنهار.. الجفاف قد يضاعف إنتاجية الكائنات المائية

كشفت دراسة علمية أُجريت على تسعة أنهار في جنوب ولاية تكساس الأمريكية أن اختلاف معدلات هطول الأمطار يمكن أن يعيد تنظيم الحياة داخل النظم البيئية للمياه العذبة، من نمو الطحالب وتوافر الغذاء إلى إنتاجية الأسماك واللافقاريات وتركيب الشبكات الغذائية.

وتشير النتائج إلى أن تأثير الأمطار لا يقتصر على كمية المياه التي تصل إلى الأنهار، بل يمتد إلى تحديد مصادر الطاقة التي تعتمد عليها الكائنات الحية، وسرعة نموها وتكاثرها، وطبيعة العلاقات الغذائية بين المفترسات وفرائسها.

قاد الدراسة برادلي ستريكلاند، من معهد فرجينيا لعلوم البحار (VIMS)، وشارك الباحثون في تتبع مجتمعات الأسماك واللافقاريات على مدار أربع سنوات، في دراسة تناولت إنتاجية المجتمعات الحيوانية بوصفها مؤشرًا على كيفية عمل النظام البيئي، وليس مجرد عدد الأنواع التي تعيش فيه.

جنوب تكساس.. مختبر طبيعي لدراسة تأثير الأمطار

اختار الباحثون منطقة السهول الساحلية للخليج في جنوب تكساس، حيث تلتقي الكتل الهوائية الجافة القادمة من صحراء تشيهواهوا غربًا بالرطوبة القادمة من خليج المكسيك شرقًا، ما يؤدي إلى تدرج واضح في معدلات هطول الأمطار.

ونُشرت الدراسة في دورية Ecology العلمية.

ويتراوح الهطول السنوي في المنطقة بين نحو 55 و135 سنتيمترًا، رغم وقوع المواقع ضمن نطاق جغرافي متقارب نسبيًا.

وقال كريس باتريك، الأستاذ المشارك في معهد فرجينيا لعلوم البحار وأحد المشاركين في الدراسة، إن التدرج المطري في مناطق أخرى من الولايات المتحدة يرتبط عادة بعوامل جيولوجية، مثل السلاسل الجبلية، وهو ما يصعّب فصل تأثير الأمطار عن العوامل الأخرى.

أما في جنوب تكساس، فيوفر اختلاف معدلات الهطول فرصة لدراسة تأثير الأمطار بصورة أكثر وضوحًا، لأن العامل الأبرز المتغير بين المواقع هو كمية المطر.

وخلال أربع سنوات، أخذ الفريق عينات من الأسماك والقواقع والطحالب وغيرها من الكائنات في تسعة مجارٍ مائية موزعة على امتداد التدرج المطري، مع قياس جودة المياه ودرجة حرارتها وتركيز الأكسجين المذاب.

وساعد هذا النهج الباحثين على مقارنة المجتمعات المائية في البيئات الأكثر جفافًا بتلك الموجودة في المناطق الأعلى مطرًا، وفهم كيفية ارتباط الاختلافات المناخية بوظائف النظام البيئي.

لماذا لا يكفي عدّ الأنواع لقياس صحة النهر؟

تعتمد كثير من الدراسات البيئية على رصد عدد الأنواع الموجودة في منطقة معينة، أو قياس الكتلة الحيوية للكائنات وأعدادها.

لكن هذه المؤشرات لا تكشف وحدها عن سرعة إنتاج النظام البيئي لكائنات جديدة، أو عن كيفية انتقال الطاقة بين مستوياته الغذائية.

لهذا ركز الباحثون على ما يُعرف باسم الإنتاج الثانوي، وهو معدل تكوين أنسجة حيوانية جديدة داخل المجتمع البيئي خلال فترة زمنية محددة.

ويتيح هذا المؤشر فهمًا أعمق لكفاءة انتقال الطاقة، وديناميكيات الجماعات الحيوانية، والعلاقات بين الأنواع المختلفة.

وأوضح ستريكلاند، أن الإنتاج الثانوي يُعد من أفضل المقاييس المتاحة لفهم وظائف النظام البيئي، لأنه يجمع في مؤشر واحد جوانب متعددة تتعلق بالكفاءة والبنية البيئية وديناميكيات الجماعات وتركيب المجتمعات الحية.

وتكمن أهمية الدراسة في أن قياس هذا النوع من الإنتاج على مستوى نوع واحد أمر غير شائع، بينما جمعه على مستوى مجتمعات كاملة من الأسماك واللافقاريات أتاح للباحثين مقارنة أداء الأنظمة البيئية بصورة أكثر شمولًا.

الأسماك

المفاجأة: الأنهار الأكثر جفافًا سجلت إنتاجية حيوانية أعلى

أظهرت النتائج نمطًا واضحًا؛ إذ سجلت المجاري المائية الأقل مطرًا معدلات أعلى من الإنتاج الثانوي مقارنة بالمجاري الأكثر رطوبة.

وبحسب الدراسة، بلغت الإنتاجية الثانوية في المجاري الواقعة ضمن النصف الأكثر جفافًا من التدرج المطري نحو ضعف مستواها في المجاري الأكثر رطوبة.

ويرتبط هذا الاختلاف بسلسلة من التغيرات البيئية. فمع انخفاض الأمطار، يقل الغطاء الشجري في المنطقة المحيطة، وتصل كميات أكبر من ضوء الشمس إلى المياه، ما يوفر ظروفًا أكثر ملاءمة لنمو الطحالب.

وتؤدي زيادة الطحالب إلى وفرة الموارد الغذائية التي تعتمد عليها الكائنات العاشبة، فتزداد قدرة بعض الحيوانات المائية على النمو والتكاثر، ويرتفع الإنتاج الحيواني الإجمالي.

لكن هذه النتيجة لا تعني أن الجفاف يحسن صحة الأنهار بالضرورة، أو أن انخفاض الأمطار مفيد لجميع الكائنات.
فالدراسة ترصد اختلافًا في الإنتاجية وبنية الشبكة الغذائية ضمن ظروف بيئية محددة، ولا تثبت أن الجفاف يمثل ميزة عامة للنظم البيئية المائية.

انقلاب الهرم الغذائي في المياه الأكثر جفافًا

لم تقتصر المفاجأة على ارتفاع الإنتاجية، بل امتدت إلى الطريقة التي تتوزع بها الكتلة الحيوية والطاقة بين مستويات الشبكة الغذائية.

ففي كثير من النظم البيئية المائية، يمكن أن تكون الكتلة الحيوية للكائنات الموجودة في المستويات الغذائية العليا كبيرة مقارنة بالكتلة الحيوية للمنتجين الأساسيين في لحظة القياس.

ويرتبط ذلك بسرعة تجدد الطحالب والعوالق النباتية، التي قد تُستهلك قبل أن تتراكم كتلتها الحيوية.

لكن المجاري المائية الأكثر جفافًا في جنوب تكساس أظهرت نمطًا مختلفًا، إذ أصبحت القاعدة الغذائية أكثر كثافة وإنتاجية، بما يشبه الهرم المعتاد في المراعي البرية، حيث تدعم النباتات أعدادًا كبيرة من الحيوانات العاشبة، التي بدورها توفر الغذاء للمفترسات.

وهي إشارة إلى أن اختلاف الأمطار لا يغيّر كمية الموارد المتاحة فحسب، بل يمكن أن يغيّر أيضًا المسارات التي تنتقل عبرها الطاقة داخل النظام البيئي.

أسماك تتكاثر سريعًا تستفيد من وفرة الطحالب

في المجاري الأكثر جفافًا، برزت أسماك المولي ذات الزعانف الشراعية بوصفها من الكائنات العاشبة سريعة التكاثر، مستفيدة من وفرة الطحالب.

ووفقًا للمادة المنشورة عن الدراسة، تستطيع إناث هذه الأسماك بلوغ النضج الجنسي خلال نحو 32 يومًا، ما يسمح لأعدادها بالزيادة سريعًا عندما تتوافر الموارد الغذائية المناسبة.

وفي قمة الشبكة الغذائية، توجد أسماك مفترسة مثل سمك الغار المرقط، لكنها تظهر بأعداد أقل نسبيًا، وتعتمد على تدفق مستمر من الفرائس التي تتكاثر وتنمو بسرعة في المستويات الأدنى.

وقال ستريكلاند، إن هذه النتائج تشير إلى تغير مسار انتقال الطاقة بالكامل على امتداد التدرج المطري، موضحًا أن الأمطار تحدد كمية الموارد الموجودة عند قاعدة الشبكة الغذائية وطبيعتها، وأن الكائنات المستهلكة تستجيب لهذه التغيرات بصورة كبيرة.

وبذلك، فإن زيادة الطحالب في المجاري الأكثر جفافًا لا تؤثر في نوع واحد فقط، بل تمتد آثارها إلى مستويات غذائية متعددة، من الحيوانات العاشبة إلى الأسماك المفترسة.

الأسماك

الأنهار الأكثر رطوبة تعتمد على الأوراق والمواد العضوية

على الطرف الأكثر رطوبة من التدرج، وجد الباحثون نظامًا بيئيًا مختلفًا. فالأشجار الأكثر كثافة توفر الظل للمياه، ما يحد من وصول ضوء الشمس ويقلل نمو الطحالب.

وفي هذه الظروف، يعتمد جزء أكبر من الشبكة الغذائية على المواد العضوية المتحللة، مثل الأوراق المتساقطة وبقايا الحيوانات وغيرها من المخلفات العضوية.

وتؤدي اللافقاريات التي تتغذى على هذه المواد، والمعروفة باسم الكائنات آكلة الحطام العضوي، دورًا أساسيًا في تفكيكها وإعادة إدخال عناصرها الغذائية في الشبكة الغذائية.

ووفقًا للباحثين، تتسم هذه المجاري بنمط مختلف من الإنتاجية، إذ تكون وتيرة الحياة أبطأ نسبيًا، وتبدو الشبكة الغذائية أكثر تعقيدًا، مع تركز أكبر للإنتاج الحيواني عند المستويات الغذائية الأعلى مقارنة بالمجاري الأكثر جفافًا.

ووصف ستريكلاند هذا النمط بأنه أبطأ وأكثر استقرارًا مقارنة بنمط الحياة الأسرع والأكثر تعرضًا للضغوط في المجاري الجافة.

ولا يعني ذلك أن أحد النظامين أفضل بالضرورة من الآخر؛ فلكل منهما تركيب بيئي ومسارات مختلفة لتدفق الطاقة، تتشكل وفق الظروف المناخية والموارد المتاحة.

الأمطار متغير رئيسي في مستقبل النظم البيئية

تخلص الدراسة إلى أن معدلات هطول الأمطار يمكن أن تؤدي دورًا محوريًا في تنظيم إنتاجية الأنهار وبنية شبكاتها الغذائية وتوزيع الكائنات الحية، ما يجعلها عاملًا مهمًا عند تقييم آثار تغير المناخ على المياه العذبة.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية في ظل التغيرات المتوقعة في أنماط الهطول، إذ لا يقتصر تأثير تغير المناخ على ارتفاع درجات الحرارة أو زيادة موجات الحر، بل يشمل أيضًا تغير كمية الأمطار وتوزيعها وتواترها، بما في ذلك احتمال اتساع المناطق الجافة في بعض الأقاليم وزيادة الرطوبة في مناطق أخرى.

ويرى الباحثون، أن الأنماط التي رصدوها في جنوب تكساس قد تساعد على فهم تحولات مماثلة في بيئات أخرى، مثل المراعي والأنظمة الساحلية والبحرية، مع ضرورة مراعاة الاختلافات بين كل نظام وآخر.

وقال باتريك إن بعض المناطق قد تشهد توسعًا للظروف الصحراوية، بينما تصبح مناطق أخرى أكثر رطوبة على مدار العام، مؤكدًا أن الأمطار تمثل إحدى الآليات المهمة التي يمكن من خلالها لتغير المناخ إعادة تشكيل النظم البيئية.

ومع ذلك، فإن نتائج الدراسة لا تعني أن جميع الأنهار ستستجيب بالطريقة نفسها؛ إذ يتوقف التأثير الفعلي على طبيعة المنطقة والغطاء النباتي والخصائص المائية ومصادر الغذاء والعوامل البيئية الأخرى.

↑
Exit mobile version