بدون النحل.. وجبات أفقر وطعام أغلى ومستقبل في خطر
"النحل يُلهمنا".. حملة عالمية لحماية الملقحات من الانقراض
في يوم النحل العالمي.. دروس من الطبيعة لحياة أكثر استدامة
تخيّل عالمًا بلا تفاح، أو لوز، أو طماطم، أو قهوة. لن يكون العالم مجرد عالمٍ رتيب، بل سيُعاني من اختلالٍ خطير، هذا ليس خيالًا، بل واقعٌ محتملٌ إذا اختفت المُلقّحات كالنحل. يوم النحل العالمي، الذي يُحتفل به في 20 مايو، هو دعوةٌ عالميةٌ لتذكّر هذه المخلوقات الأساسية، وتقديرها، وحمايتها.
في عام 2025، وتحت شعار “النحل مُلهمٌ من الطبيعة ليُغذّينا جميعًا”، تتجاوز الحملة مجرد الإعجاب، إذ تحثّ على اتخاذ إجراءات لدعم التنوّع البيولوجي، والزراعة المستدامة، ومرونة النظم البيئية.
النحل، إلى جانب الملقّحات الأخرى، لا يملأ أطباقنا فحسب، بل يحافظ أيضًا على توازن أنظمة الحياة على كوكبنا. بقاءه مرتبط ارتباطًا وثيقًا ببقائنا.

الملقّحات تساعد معظم النباتات على النمو
النحل مهم، لكنه ليس الكائن الوحيد الذي يساعد النباتات على النمو. الفراشات، والطيور، والخفافيش، وحتى بعض الحيوانات مثل الليمور، تنقل حبوب اللقاح من زهرة إلى أخرى. وتُسمّى هذه العملية التلقيح.
بدون التلقيح، لا تستطيع معظم النباتات إنتاج الثمار أو البذور. وتساعد هذه الملقّحات مجتمعةً ما يقرب من 90 من كل 100 نبات بري على النمو، كما تُساهم في نمو أكثر من ثلاثة أرباع المحاصيل الغذائية التي نتناولها، مثل التفاح، واللوز، والبصل، والقهوة، والأفوكادو.
هناك أكثر من 20 ألف نوع من النحل في العالم، يعيش معظمها في البرّية. وغالبًا ما نعتبرها أمرًا مُسلّمًا به، لكن حين تختفي، نشعر بالفرق.
يخسر المزارعون أموالهم بسبب ضعف نمو المحاصيل، وترتفع أسعار المواد الغذائية، ويقل تنوّع الفواكه والخضراوات، وتصبح وجباتنا أقل صحّة.
الملقّحات لا تساعد النباتات على النمو فحسب، بل تجعل الثمار أكبر، وألذ، وأكثر تنوّعًا، وتعمل مجانًا كل يوم دون أن يطلبها أحد. ولكن عندما تتضرر الطبيعة، تكون الملقّحات أول من يتأثر، وعندما تختفي، يكون لدينا الكثير لنخسره.

يوم النحل العالمي: عش مثل النحل
يعيش النحل بطريقة تنسجم مع الطبيعة. فهو لا يُدمّر أو يُهدر شيئًا، بل يبني خلاياه، ويساعد الأزهار على النمو، ويدعم العديد من النباتات والحيوانات الأخرى. كل ما يفعله يتوافق مع النظام الطبيعي. إنه ذكي، ومتوازن، ومفيد لكوكب الأرض.
رسالة يوم النحل العالمي لهذا العام تدعونا إلى النظر في كيفية عيش النحل والتعلّم منه.
يعمل النحل معًا، ويساعد بعضه بعضًا، ويحافظ على صحة الطبيعة دون التسبب في أي ضرر.
إذا اقتدينا به، يُمكننا زراعة الغذاء بطرق أفضل. لسنا بحاجة إلى إزالة الغابات أو الإضرار بالنباتات البرّية. يمكننا الزراعة دون استخدام مواد كيميائية ضارة.
الطبيعة تعرف الطريق الصحيح بالفعل – النحل يُرشدنا إليه. ما علينا سوى المُشاهدة والقيام بالمثل.
الملقّحات في ورطة
هذه ليست مجرد قصة عن موت النحل، بل قصة أكبر من ذلك بكثير. الطبيعة أشبه بسلسلة، والملقّحات إحدى حلقاتها القوية.
عندما تنقطع هذه الحلقة، يبدأ النظام بأكمله بالانهيار، ويشعر الحيوانات والنباتات والبشر جميعًا بالضرر.
تختفي الملقّحات – كالنحل، والفراشات، والخفافيش، والطيور – بوتيرة أسرع مما ينبغي، تصل إلى ألف مرة.
حوالي 35 من كل 100 حشرة مُلقّحة مهددة بالخطر، أما بالنسبة للحيوانات كالطيور والخفافيش، فإن 17 من كل 100 منها معرضة للخطر أيضًا.
إذا استمر هذا الوضع، فستتغير طريقة تناولنا للطعام.
قد تُصبح الفواكه، والمكسّرات، والبذور، والخضراوات الورقية نادرة، وتُستبدل بالأرز، والقمح، والذرة.
هذا يعني تغذية أقل، وجوعًا أكبر.
سيواجه المزارعون صعوبةً أكبر في زراعة المحاصيل، سترتفع الأسعار، وسيكون الأفقر بيننا هو الأكثر معاناة. لا أحد يتمنى مستقبلًا كهذا.

يوم النحل العالمي وحماية الملقّحات
في عام 2018، أطلقت الأمم المتحدة رسميًا يوم النحل العالمي، واختارت يوم 20 مايو تزامنًا مع ذكرى ميلاد أنطون جانشا، الذي عاش في سلوفينيا في القرن الثامن عشر، وساهم في تحسين رعاية الناس للنحل.
كان يؤمن بأن النحل مميز لأنه يعمل بجد، ولا يحتاج إلى الكثير في المقابل.
واليوم، ما زلنا نحترم النحل للسبب نفسه. لكن الاحترام لم يعد كافيًا. النحل في خطر، وهو بحاجة إلى مساعدتنا.
يوردي ياسمي، مدير قسم الإنتاج النباتي وحماية النباتات في منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، قال:”إن هذه الدعوة موجّهة إلى جميع الدول الأعضاء، والمنظمات الدولية والإقليمية، والمجتمع المدني، وقادة الشعوب الأصلية، والباحثين، والقطاع الخاص، وكل من يعمل في هذا القطاع، وأي شخص لديه اهتمام بالنحل والملقّحات الأخرى، للمشاركة ومشاركة تجاربهم وإظهار مدى أهمية هذه الملقّحات.”
المنظمة لا تقتصر على نشر الوعي فقط، بل تُدرّب مربّي النحل، وتدعم المزارع الصديقة للبيئة، وتشجع القوانين التي تحمي الملقّحات.
رسالتهم بسيطة: إذا حمينا الملقّحات، نحمي مستقبلنا.

مشاريع النحل تساعد الناس والطبيعة
في ساموا، لا يقتصر دور النحل على إنتاج العسل، بل أصبح وسيلة تمكين. مشروع “ثقّف النحل!” يُدرّب النساء على رعاية خلايا النحل.
يتعلّمن، ويكسبن، ويُعلّمن الآخرين. النحل يجلب المال والثقة، ويُعيد التوازن إلى الأرض. إنه ليس مجرد مشروع، بل حركة اجتماعية وبيئية.
في اليمن، لا تزال تربية النحل مستمرة رغم الحرب. وبدعم من منظمة الفاو والبنك الدولي، يحصل المزارعون على أدوات أفضل، ويتعلمون كيفية حماية نحلهم وجمع العسل بأمان.
رغم الصراع والضغوط المناخية، لا يزال النحل – ومربّوه – مستمرين.
تُثبت هذه القصص أمرًا بالغ الأهمية:
عندما تساعد النحل، تساعد الناس. تحمي الثقافة، والوظائف، والأرض. وتفعل ذلك مع الطبيعة، لا ضدها.

المشاركة في يوم النحل العالمي 2025
لستَ بحاجةٍ لامتلاك مزرعةٍ كبيرةٍ لمساعدة النحل والملقّحات الأخرى. أفعالٌ صغيرةٌ تُحدث فرقًا كبيرًا.
• ازرع أزهارًا محلية تُغذّي النحل.
• تجنّب استخدام المبيدات الضارة في حديقتك.
• دع النحل البري يبني أعشاشه في أمان.
• ضع وعاء ماء ضحل مع بعض الحجارة ليشرب النحل بأمان.
• اشترِ العسل من النحالين المحليين.
• أخبر الآخرين بأهمية النحل.
حتى هذه الخطوات البسيطة تُشكّل فرقًا.
ويمكن للمزارعين أيضًا أن يُحدثوا فارقًا، من خلال:
• زراعة أنواع متعدّدة من المحاصيل.
• تقليل استخدام المبيدات.
• زراعة التحوطات والأشجار حول الحقول لتوفير ملجأ آمن للملقّحات.
كما أن الحكومات تستطيع دعم هذه الجهود، من خلال:
• تقديم حوافز مالية للمزارعين الذين يحمون الملقّحات.
• الإنصات إلى المجتمعات الأصلية التي تمتلك معرفة عميقة بالطبيعة.
كلما زاد عدد المشاركين، كان ذلك أفضل للملقّحات – ولنا جميعًا.

لا يزال بإمكاننا حماية النحل
قد يكون النحل صغيرًا، لكن دوره في الطبيعة عظيم.
إنه يُساعد على نمو الأزهار، والفواكه، والخضراوات بنقل حبوب اللقاح.
وهذا ما يربط كل شيء في العالم الطبيعي، من التربة تحت أقدامنا إلى الهواء الذي نتنفسه.
لا يقتصر دوره على التلقيح فحسب، بل يُنتج العسل، ويبني خلايا من الشمع، ويُغذّي البشرية.
يعمل النحل بهدوء، لكن تأثيره قوي. بدونه، تتوقف نباتات كثيرة عن النمو، ويضعف نظامنا الغذائي، وتنهار أنظمة بيئية كاملة.
يوم النحل العالمي ليس مجرد مناسبة لشكر النحل، بل تذكيرٌ جادٌّ بأن الوقت ينفد.
إن لم نتحرك الآن، فقد نفقده. لكنه أيضًا رسالة أمل: لا يزال بإمكاننا حماية النحل، واتباع نهج الطبيعة.





