من ندرة الماء إلى سيول جارفة.. قراءة علمية بالأرقام في تحولات المناخ بالمغرب العربي
التطرف سيصبح القاعدة، لا الاستثناء..المغرب وشمال أفريقيا في عصر التطرف المناخي
لم يعد السؤال في المغرب العربي: هل ستمطر؟ بل كيف ستمطر، ومتى، وبأي ثمن؟
فالمنطقة التي ظلت لسنوات طويلة تصارع شبح الجفاف، وجدت نفسها فجأة أمام سيول جارفة تجتاح المدن والقرى، كأن الطبيعة قررت أن تعوّض سنوات البخل دفعة واحدة، غير أن ما يبدو تقلبًا عابرًا في الطقس، هو في حقيقته انعكاس لاختلال عميق في النظام المناخي الإقليمي.
المغرب العربي يقع جغرافيًا في منطقة تماس حساسة بين الصحراء الكبرى جنوبًا والحزام المتوسطي شمالًا، هذه المنطقة تخضع لتأثير ما يُعرف علميًا بـ”خلية هادلي”، وهي دورة جوية كبرى تنقل الهواء الرطب من خط الاستواء صعودًا، قبل أن يهبط جافًا في نطاقات شبه مدارية، مشكّلًا الأحزمة الصحراوية الكبرى في العالم.

المعضلة أن هذه الخلية ليست ثابتة. خلال العقود الأربعة الماضية، تحرك نطاقها الجاف شمالًا بمقدار يتراوح بين نصف درجة ودرجتين عرضيتين، وهو ما وسّع رقعة الجفاف في شمال أفريقيا.
هذا التحول الطفيف على الخرائط يعني فعليًا سنوات متتالية من انخفاض التساقطات، تراجع مخزون السدود، واستنزاف المياه الجوفية.
لكن الاحترار العالمي لا يكتفي بدفع الجفاف شمالًا، بل يعيد تشكيل الدورة الهيدرولوجية ذاتها. فالغلاف الجوي الأكثر دفئًا يحتفظ بكميات أكبر من بخار الماء.
وعندما تتوفر الظروف المناسبة، سواء بفعل اضطرابات دورية مثل “النينيو” أو تغيرات في أنماط الضغط الجوي، يتحرر هذا المخزون دفعة واحدة، على شكل أمطار كثيفة خلال فترات زمنية قصيرة.
وهنا تتكشف المفارقة الكبرى: الجفاف الطويل لا يمهد فقط للعطش، بل يمهد أيضًا للغرق.

فالتربة التي تتعرض لأشهر، بل لسنوات من الجفاف، تفقد بنيتها المسامية. المسامات الدقيقة التي كانت تمتص المياه وتخزنها تنهار أو تنغلق، فتتحول الأرض إلى سطح متصلب يشبه الإسفنج اليابس.
وعندما تهطل الأمطار الغزيرة، بدل أن تتشربها التربة، ترتد المياه على السطح، متحولة إلى جريان سطحي سريع، يغذي السيول ويضاعف قوتها التدميرية.
البيانات الميدانية تكشف حجم التدهور. ففي شمال المغرب، تشير دراسات حديثة إلى أن نحو 22% من مناطق الريف والأطلس المتوسط تقع ضمن نطاقات تعرية عالية جدًا.
وعلى مستوى شمال أفريقيا عمومًا، ارتفعت نسبة المناطق المعرضة لانجراف متوسط إلى مرتفع من 7% عام 2002 إلى 15% اليوم.
تضاعف الخطر خلال عقدين فقط ليس رقمًا عابرًا؛ إنه مؤشر على تدهور بنيوي في التربة والغطاء النباتي، بفعل الجفاف والضغط العمراني.
النتيجة أن الأودية الجافة، التي بدت لسنوات أراضي آمنة للبناء أو الزراعة، تتحول في ساعات إلى مجارٍ هائجة.
المدن التي توسعت على ضفافها تجد نفسها فجأة في قلب الخطر. فالكارثة ليست نتاج المطر وحده، بل نتاج تفاعل بين مطر متطرف وبنية تحتية صُممت لمناخ لم يعد قائمًا.
تجربة درنة عام 2023 قدمت مثالًا مأساويًا على هذا التفاعل، حيث التقت أمطار غير مسبوقة ببنية سدود مهترئة وتوسع عمراني في مجاري السيول، فكانت النتيجة آلاف الضحايا.
المشهد نفسه، وإن بدرجات متفاوتة، يتكرر في مناطق أخرى من شمال أفريقيا كلما اجتمع التطرف المناخي مع هشاشة التخطيط.
المشكلة أعمق من دورة جفاف تتبعها دورة مطر، إنها انتقال المنطقة إلى حالة “التذبذب الحاد”، حيث تصبح الحدود بين المناخين، الصحراوي والمتوسطي، أكثر اضطرابًا، كل انزياح طفيف في أنظمة الضغط أو في حافة خلية هادلي قد يعني موسمًا جافًا قاسيًا أو موسمًا مطريًا عنيفًا.

التطرف سيصبح القاعدة، لا الاستثناء
التوقعات المناخية تشير إلى أن نطاق الضغط شبه الاستوائي قد يتحرك شمالًا بنحو درجة ونصف إضافية بحلول نهاية القرن، هذا يعني أن المغرب العربي سيعيش بشكل دائم على حافة هذا الخط المتذبذب، أي أن التطرف سيصبح هو القاعدة، لا الاستثناء.
في هذا السياق، تتحول إدارة المياه من مسألة هندسية إلى مسألة استراتيجية وجودية.
فالسدود التي بُنيت لتخزين مياه مواسم معتدلة، والبنية التحتية المصممة على أساس متوسطات مناخ القرن العشرين، لم تعد كافية للتعامل مع زخات قصيرة فائقة الشدة أو موجات جفاف ممتدة.
كما أن التوسع العمراني في مناطق الفيضانات، وضعف تطبيق خرائط المخاطر، يزيدان من عدد السكان المعرضين سنويًا لمخاطر الانجراف والسيول.
وتشير تقديرات حديثة إلى أن عشرات الآلاف في شمال أفريقيا أصبحوا أكثر هشاشة أمام مخاطر التربة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عقدين.
هكذا يقف المغرب العربي اليوم على “حد السكين” المناخي: من جهة، اتساع رقعة الجفاف بفعل زحف الأنظمة الجافة شمالًا؛ ومن جهة أخرى، أمطار أكثر كثافة حين تهطل، بفعل غلاف جوي مشبع ببخار الماء.

معادلة جديدة
ليس التحدي في كمية المطر وحدها، بل في القدرة على التكيف مع زمن تتغير فيه القواعد بسرعة.
بين العطش والغرق، تتشكل معادلة جديدة عنوانها: الاستعداد المسبق، إعادة تأهيل التربة، حماية الأحواض المائية، والتخطيط العمراني القائم على سيناريوهات مناخية مستقبلية لا على ذاكرة الماضي.
المناخ في شمال أفريقيا لم يعد يتدرج بين المواسم كما اعتدنا. إنه يقفز من طرف إلى آخر. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس إن كان المطر سيعود، بل هل سنكون مستعدين حين يعود؟





