أخبارصحة الكوكب

المشروبات المحتوية على الكافيين ترتبط بنوم أقل ومشكلات نفسية لاحقة.. حتى لو مشروب واحد يوميا

المشروبات الغازية والكافيين.. ماذا تكشف فحوص أدمغة الأطفال عن تأثيراتهما المحتملة؟

يرتبط استهلاك المشروبات المحتوية على الكافيين، حتى بمعدلات منخفضة، باختلافات طفيفة في بنية أدمغة الأطفال، وانخفاض مدة النوم، وظهور مزيد من المشكلات النفسية في الأشهر اللاحقة، وفق دراسة أمريكية شملت أكثر من 9600 طفل تتراوح أعمارهم بين 9 و11 عامًا.

 

وأظهرت النتائج أن الأطفال الذين تناولوا كميات أكبر من الكافيين ناموا ساعات أقل، كما ارتبط تناول مشروب واحد يحتوي على الكافيين أسبوعيًا بوجود اختلافات طفيفة في مساحة الطبقة الخارجية من الدماغ، المعروفة باسم القشرة المخية. وبعد ستة أشهر، أبلغ هؤلاء الأطفال أيضًا عن مستويات أعلى من مشكلات الانتباه والمزاج والسلوك.

 

ورجح الباحثون أن يكون قصر مدة النوم أحد العوامل التي تفسر جزءًا من هذه الارتباطات، لكنهم شددوا على أن الدراسة لا تثبت أن الكافيين هو سبب التغيرات الدماغية أو المشكلات النفسية، وأن الفروق المسجلة كانت صغيرة.

 

الكافيين يصل إلى الأطفال في سن مبكرة

الكافيين

 

يُعد الكافيين من أكثر المواد ذات التأثير النفسي استهلاكًا في العالم، لكن تأثيراته المحتملة في الدماغ خلال مراحل النمو لا تزال أقل فهمًا مقارنة بمواد أخرى، مثل الكحول والقنب.

 

وقادت الدراسة ديفيانجانا راكيش، الباحثة الرئيسية المشاركة، وجيايي تشنغ، المؤلفة الأولى، وهما باحثتان في معهد الطب النفسي وعلم النفس وعلوم الأعصاب بجامعة كينجز كوليدج لندن.

 

وأشارت راكيش إلى أن شيوع الكافيين في الحياة اليومية قد يجعل من السهل نسيان أن الأطفال والمراهقين يستهلكونه أيضًا، لافتة إلى أن دراسات سابقة وجدت أن نحو ثلثي المراهقين يتناولون الكافيين مرة واحدة أسبوعيًا على الأقل.

 

وتكتسب المسألة أهمية خاصة في مرحلة المراهقة المبكرة، إذ يشهد الدماغ خلالها تغيرات كبيرة، كما تتبدل أنماط النوم، وتبدأ خلال هذه الفترة لدى بعض الأطفال والمراهقين مشكلات الصحة النفسية في الظهور.

 

كيف درس الباحثون أدمغة الأطفال ونومهم؟

استخدم الباحثون بيانات 9632 طفلًا مشاركًا في دراسة «إيه بي سي دي» (ABCD)، وهي واحدة من أكبر الدراسات طويلة الأمد في الولايات المتحدة التي تتناول نمو الدماغ وصحة الأطفال.

 

وأجاب الأطفال عن أسئلة تتعلق بعدد المشروبات المحتوية على الكافيين التي يتناولونها عادة خلال الأسبوع، بما يشمل القهوة والشاي والمشروبات الغازية.

 

وبلغ متوسط الاستهلاك أقل قليلًا من مشروبين أسبوعيًا، وكانت المشروبات الغازية تمثل نحو 60% من إجمالي المشروبات المحتوية على الكافيين. أما القهوة، فكان استهلاكها أقل بكثير، بمتوسط يقارب كوبًا واحدًا كل خمسة أسابيع.

 

وفي المقابل، قدم أولياء الأمور تقديرات لمدة نوم أطفالهم المعتادة، والتي بلغ متوسطها نحو تسع ساعات في الليلة.

 

واستخدم الباحثون التصوير بالرنين المغناطيسي لقياس القشرة المخية، وهي الطبقة الخارجية المطوية من الدماغ التي تشارك في عمليات التفكير والانتباه واتخاذ القرار وتنظيم المشاعر.

 

وركز التحليل على قياسين: سُمك القشرة المخية، ومساحة سطحها الإجمالية بعد احتساب طياتها. وبلغ متوسط مساحة السطح لدى الأطفال نحو 1900 سنتيمتر مربع، أي ما يقارب قدمين مربعين.

 

وبعد ستة أشهر ثم 18 شهرًا من التقييم الأول، أجاب الأطفال عن استبيانات تتعلق بصحتهم النفسية. كما أخذ الباحثون في الحسبان دخل الأسرة ومستوى تعليم الوالدين، نظرًا لارتباطهما بأنماط استهلاك المشروبات وبكيفية تطور الدماغ.

 

ارتباطات ظهرت حتى مع مشروب واحد أسبوعيًا

وجد الباحثون أن الأطفال الذين تناولوا كميات أكبر من الكافيين كانت لديهم مساحة سطح إجمالية أقل قليلًا للقشرة المخية.

وظهر هذا الارتباط حتى لدى الأطفال الذين تناولوا مشروبًا واحدًا يحتوي على الكافيين أسبوعيًا، مقارنة بمن لم يتناولوا أيًا منها.

 

وأشار الباحثون إلى أن هذا المستوى من الاستهلاك يقل عن الحدود التي يشار إليها عادة في بعض الإرشادات الصحية الأمريكية للمراهقين، والتي تذكر نحو 100 ملليجرام من الكافيين يوميًا.

 

وظهرت الفروق في مساحة القشرة المخية عبر 22 منطقة مختلفة موزعة في الدماغ، تشمل مناطق ترتبط بالنوم والمزاج والتخطيط وضبط النفس والميل إلى المخاطرة.

 

وكانت المشروبات الغازية مسؤولة عن الجزء الأكبر من الارتباطات التي رصدها الباحثون، بينما لم يظهر استهلاك الشاي ارتباطًا واضحًا بمقاييس الدماغ التي درسوها.

 

أما القهوة والإسبريسو، فارتبط استهلاكهما بنمط مختلف؛ إذ كان لدى الأطفال الذين شربوا كميات أكبر من القهوة سُمك أقل قليلًا في القشرة المخية، خصوصًا في المناطق الأمامية من الدماغ، من دون اختلاف واضح في مساحة سطحها.

 

ولا تعني هذه النتائج أن تناول مشروب واحد أسبوعيًا يؤدي بالضرورة إلى تغير ضار في الدماغ، بل تشير إلى ارتباط إحصائي بفروق طفيفة تحتاج إلى مزيد من البحث للتحقق من دلالتها وأسبابها.

 

النوم قد يفسر جزءًا من العلاقة

النوم

 

اختبر الفريق ما إذا كان النوم يمكن أن يفسر جزءًا من العلاقة بين استهلاك الكافيين واختلافات بنية الدماغ.

 

وأظهرت النتائج أن الأطفال الذين تناولوا كميات أكبر من الكافيين ناموا ساعات أقل، وأن قصر مدة النوم ارتبط بدوره بانخفاض مساحة سطح القشرة المخية.

وفسر مسار النوم جزءًا من العلاقة بين الكافيين ومساحة القشرة، لكنه لم يفسرها بالكامل.

 

ويكتسب النوم أهمية في هذه المرحلة العمرية لأن الدماغ يواصل النمو وإعادة تنظيم اتصالاته العصبية. وخلال النوم، تحدث عمليات تشمل التخلص من بعض الفضلات الأيضية وإعادة تنظيم بعض الروابط بين الخلايا العصبية، وهي عمليات وصفها الباحثون بأنها مهمة لنضج القشرة المخية.

 

لكن النوم لم يفسر الارتباطات الخاصة بالقهوة، واقترح الباحثون أن توقيت تناول المشروب قد يكون أحد التفسيرات المحتملة؛ فالقهوة تُشرب غالبًا في الصباح، ما يمنح الجسم وقتًا أطول للتخلص من الكافيين قبل موعد النوم، بينما قد تُستهلك المشروبات الغازية في أوقات متأخرة من اليوم، بما قد يزيد احتمال اضطراب النوم.

 

غير أن الدراسة لم تسجل التوقيت الفعلي لتناول الأطفال للمشروبات، ولذلك تظل هذه الفرضية بحاجة إلى اختبار مباشر.

 

مشكلات في الانتباه والمزاج والسلوك بعد ستة أشهر

بعد ستة أشهر من فحوص الدماغ، أبلغ الأطفال الذين تناولوا كميات أكبر من الكافيين عن مشكلات أكثر في الانتباه والمزاج والسلوك.

 

واستمر هذا الارتباط حتى بعد أن أخذ الباحثون في الحسبان المشكلات التي كان أولياء الأمور قد أبلغوا عنها في بداية الدراسة.

 

كما فسر انخفاض مدة النوم وصغر مساحة سطح القشرة المخية معًا جزءًا محدودًا من العلاقة بين استهلاك الكافيين والمشكلات النفسية اللاحقة.

وعندما أعاد الباحثون التحليل بعد 18 شهرًا، ظل هذا المسار قائمًا عند النظر إلى مساحة سطح القشرة المخية ككل.

 

وقالت راكيش، إن النتائج تربط حتى المستويات المنخفضة نسبيًا من استهلاك الكافيين باختلافات طفيفة في بنية الدماغ ومشكلات نفسية لاحقة، مشيرة إلى أن انخفاض مدة النوم يبدو حلقة مهمة في هذه العلاقة.

 

وأضافت، أن النتائج لا تثبت السببية، لكنها تشير إلى أهمية الانتباه إلى استهلاك الكافيين، بما في ذلك الموجود في المشروبات الغازية، وإلى مدة النوم عند تقييم العوامل المرتبطة بالصحة النفسية للشباب.

 

واقترح الباحثون أن يكون السؤال عن استهلاك الكافيين جزءًا من تقييم عادات الأطفال والمراهقين الذين يعانون مشكلات في النوم أو تظهر لديهم أعراض نفسية.

 

السكر وعادات الحياة قد يكونان جزءًا من الصورة

لا تزال هناك عوامل أخرى قد تفسر بعض النتائج، من بينها مكونات النظام الغذائي والعادات اليومية المصاحبة لاستهلاك المشروبات الغازية.

 

فالمشروبات الغازية لا تحتوي على الكافيين فقط، بل قد تتضمن كميات كبيرة من السكر. وتشير أبحاث سابقة إلى احتمال تأثير السكر في الروابط العصبية لدى المراهقين، كما أن استهلاك المشروبات المحلاة قد يرتبط بعادات أخرى أقل صحة أو بسلوكيات تنطوي على مخاطر أكبر.

 

وقالت تشنج، إن الباحثين لا يستطيعون حتى الآن فصل تأثير الكافيين عن تأثير بقية مكونات المشروبات والعادات المرتبطة بها.

 

وأضافت أن الخطوة التالية تتمثل في استخدام قياسات أكثر دقة لما يشربه الأطفال والشباب، وتوقيت تناوله، ومدى جودة نومهم، حتى يتمكن الباحثون من تحديد العوامل الأكثر ارتباطًا بالنتائج.

 

قيود الدراسة والحاجة إلى متابعة أطول

رغم حجم العينة، أقر الباحثون بوجود قيود تؤثر في تفسير النتائج، فقد اعتمدت بيانات استهلاك المشروبات على إفادات الأطفال أنفسهم، ولم تتضمن تفاصيل دقيقة عن العلامات التجارية أو الأنواع التي تناولوها، كما يحتمل أن يكون بعض المشاركين قد خلطوا بين المشروبات الغازية المحتوية على الكافيين وتلك الخالية منه.

 

واعتمد تقدير مدة النوم على إفادات أولياء الأمور، الذين قد يبالغون في تقدير عدد الساعات التي ينامها أطفالهم، كذلك، كان جميع المشاركين من الولايات المتحدة، ما يعني أن النتائج قد لا تنطبق بالضرورة على أطفال يعيشون في بيئات تختلف فيها الأنظمة الغذائية وأنماط الحياة.

 

وكان معظم الأطفال يستهلكون كميات قليلة من الكافيين، في حين قد تكون قلة من أصحاب الاستهلاك المرتفع قد أثرت في النتائج الإحصائية، ولهذا، دعا الباحثون إلى تكرار النتائج المتعلقة بمشروب واحد أسبوعيًا لدى مجموعات ذات أنماط استهلاك أعلى وأكثر تنوعًا.

 

ومن القيود المهمة أيضًا أن التحليل اعتمد على فحص واحد للدماغ لكل طفل، ما لا يسمح بتحديد ما إذا كانت الفروق المرصودة تمثل اختلافات سابقة أم ترتبط بتغيرات حدثت خلال النمو.

 

وتواصل دراسة ABCD متابعة الأطفال مع تقدمهم في العمر، وتشمل مراحلها اللاحقة قياس النوم باستخدام أجهزة تُرتدى على المعصم بدلًا من الاعتماد على تقديرات الوالدين.

وقد تتيح عمليات التصوير المتكررة للدماغ خلال سنوات عدة فهمًا أفضل لما إذا كان استهلاك الكافيين يرتبط بتغيرات في مسار نمو القشرة المخية.

 

ونُشرت الدراسة في دورية «بيولوجيكال سايكاتري: كوجنيتيف نيوروساينس آند نيوروايمدجنج» (Biological Psychiatry: Cognitive Neuroscience and Neuroimaging) .

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة