مدن العالم تهبط بسبب استنزاف المياه الجوفية.. ودراسة تكشف طريق عكس الظاهرة

المدن الساحلية بين هبوط الأرض وارتفاع البحار.. هل تنقذ إدارة المياه الجوفية مستقبلها؟

تواجه مدن كثيرة حول العالم خطر الهبوط التدريجي لسطح الأرض، نتيجة الإفراط في ضخ المياه الجوفية من الخزانات الطبيعية الموجودة تحتها.

ولا يقتصر تأثير هذه الظاهرة على المباني والبنية التحتية، بل يزيد أيضًا من تعرض المدن الساحلية لمخاطر ارتفاع مستوى سطح البحر مع استمرار الاحترار العالمي.

لكن دراسة علمية جديدة تكشف أن هذا المسار ليس بالضرورة أحادي الاتجاه؛ إذ يمكن للأرض أن تستعيد جزءًا من ارتفاعها عندما تتعافى خزانات المياه الجوفية، بعدما أدى استنزافها إلى هبوط سطح الأرض.

كما توصل الباحثون إلى أن الصدوع الجيولوجية تؤدي دورًا غير متوقع في تحديد المناطق التي تستعيد ارتفاعها بسرعة أكبر.

وتستند الدراسة المنشورة في دورية Communications Earth & Environment في 30 سبتمبر 2026، إلى بيانات مدينة أوساكا اليابانية، لتوضح كيف يرتبط تعافي المياه الجوفية بحركة سطح الأرض، ولماذا لا يحدث هذا الارتفاع بصورة متجانسة في جميع أنحاء المدينة.

المدن الساحلية

مدن كبرى تهبط تحت تأثير استنزاف المياه الجوفية

يُعرف الهبوط الأرضي بأنه الانخفاض التدريجي في ارتفاع سطح الأرض، ويمكن أن ينتج عن عوامل طبيعية أو بشرية، من بينها استخراج المياه الجوفية بمعدلات تتجاوز قدرة الخزانات على التجدد.

وتُعد هذه الظاهرة مشكلة متزايدة في عدد من المدن الكبرى، خاصة تلك التي تعتمد بدرجة كبيرة على المياه الجوفية لتلبية احتياجات السكان والصناعة والزراعة.

ففي جاكرتا، عاصمة إندونيسيا، تهبط بعض المناطق بأكثر من 10 سنتيمترات سنويًا، وهو ما دفع الحكومة إلى التخطيط لنقل العاصمة إلى موقع آخر، في ظل مجموعة من التحديات التي تشمل الهبوط الأرضي والفيضانات ومخاطر ارتفاع البحر.

وفي مدينة تيانجين الصينية، التي يبلغ عدد سكانها نحو 15 مليون نسمة، يُعد الهبوط الأرضي مصدر قلق كبيرًا. وتشير تقديرات نقلها التقرير الأصلي إلى أن استمرار الظاهرة دون احتواء قد يجعل نحو 15% من سكان المدينة عرضة للغمر بالمياه بحلول عام 2120.

وتظهر مشكلات مماثلة في مدن أخرى، من سان دييغو الأمريكية إلى مدن إيرانية تواجه ضغوطًا متزايدة على مواردها المائية، حيث يؤدي ضخ المياه الجوفية بمعدلات تفوق تعويضها الطبيعي إلى تغيير ارتفاع سطح الأرض.

وفي نيوزيلندا، أظهرت دراسات حديثة أن نحو 80% من السواحل الحضرية تشهد هبوطًا أرضيًا، مع احتمال مساهمة المياه الجوفية في الظاهرة ببعض المناطق، ومنها كرايستشيرش وويلينغتون.

وتزداد خطورة المشكلة في المدن الساحلية، لأن هبوط الأرض وارتفاع مستوى البحر يعملان معًا على زيادة مستوى المياه النسبي مقارنة باليابسة.

وهذا يعني أن المناطق المتأثرة قد تواجه الفيضانات الساحلية في وقت أبكر، حتى عندما يكون ارتفاع البحر وحده أقل حدة مما توحي به التأثيرات المحلية مجتمعة.

كيف يؤدي ضخ المياه الجوفية إلى هبوط الأرض؟

تقع مدن كثيرة فوق خزانات طبيعية للمياه الجوفية تُعرف باسم طبقات المياه الحاملة، وهي تكوينات جيولوجية تحتفظ بالمياه داخل المسام والشقوق الموجودة في الصخور أو الرواسب.

ويمكن تبسيط آلية الهبوط بتخيل خزان مائي ضخم تحت المدينة؛ فعندما تُسحب المياه منه بكميات كبيرة، ينخفض ضغط المياه داخل الطبقات الحاملة، وقد تنضغط الرواسب أو تتغير بنيتها، ما يؤدي إلى هبوط سطح الأرض فوقها.

ولا يعني ذلك أن الأرض ترتكز على الماء وحده، أو أن كل خزان جوفي يتصرف بالطريقة نفسها، لكن تغير الضغط داخل الطبقات الجيولوجية يمكن أن يؤثر في حجمها واستقرارها، خصوصًا في الرواسب القابلة للانضغاط.

وقد يصبح جزء من هذا الانضغاط دائمًا إذا تعرضت الطبقات لضغط شديد، وهو ما يجعل استعادة المياه الجوفية غير كافية بالضرورة لإعادة الأرض إلى ارتفاعها السابق بالكامل.

ومن المعروف علميًا أن الإفراط في استخراج المياه الجوفية يمكن أن يؤدي إلى الهبوط الأرضي، وأن تنظيم الضخ وتحسين إدارة الموارد المائية من الوسائل الأساسية للحد من استمرار الظاهرة.

لكن السؤال الذي ركزت عليه الدراسة الجديدة هو: ماذا يحدث لسطح الأرض عندما تتعافى مستويات المياه الجوفية بعد سنوات طويلة من الاستنزاف؟ وهل يرتفع سطح الأرض بصورة متساوية، كما لو أن خزانًا فارغًا أُعيد ملؤه، أم أن الاستجابة أكثر تعقيدًا؟

المدن الساحلية

أوساكا.. مختبر طبيعي لفهم تعافي الأرض

وفرت مدينة أوساكا اليابانية فرصة مناسبة لدراسة هذه العلاقة، بعدما شهدت خلال القرن العشرين استنزافًا كبيرًا للمياه الجوفية، أعقبه تدخل حكومي أدى إلى تحسن مستوياتها تدريجيًا.

فبين عشرينيات وستينيات القرن الماضي، أدى الضخ المكثف للمياه الجوفية إلى انخفاض مستويات المياه تحت المدينة بما يصل إلى 30 مترًا، وهبوط الأرض بأكثر من مترين في بعض المواقع.

ودفعت هذه المشكلة الحكومة اليابانية إلى فرض قيود صارمة على استخراج المياه الجوفية في أوائل ستينيات القرن الماضي، ومنذ ذلك الوقت، بدأت مستويات المياه في الخزانات الجوفية بالتعافي تدريجيًا.

ولرصد هذا التعافي، حلل الباحثون بيانات 44 بئرًا لمراقبة المياه الجوفية، يصل عمق بعضها إلى 500 متر تحت سطح الأرض، واستندوا إلى سجلات تمتد إلى عام 1985.

أما لقياس التغيرات الدقيقة في ارتفاع سطح الأرض، فاستخدموا تقنية رادارية تُعرف باسم قياس التداخل بالرادار ذي الفتحة الاصطناعية، أو «إنسار» (InSAR) وتعتمد هذه التقنية على مقارنة صور رادارية متكررة لسطح الأرض تلتقطها الأقمار الصناعية، للكشف عن التغيرات الدقيقة في الارتفاع، مع الاستفادة من قياسات أرضية عالية الدقة لتحسين النتائج.

وأظهرت النتائج أن الأرض ترتفع في مناطق واسعة من أوساكا الكبرى، التي يبلغ عدد سكانها نحو 15 مليون نسمة.

وبلغ متوسط معدل الارتفاع نحو 4 مليمترات سنويًا، ووصل إلى 12 مليمترًا سنويًا في بعض المواقع.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت مستويات المياه الجوفية بمعدلات بلغت مترًا واحدًا سنويًا في بعض الآبار.

ووجد الباحثون ارتباطًا واضحًا بين سرعة تعافي المياه الجوفية وسرعة ارتفاع الأرض؛ فالمناطق التي ارتفعت فيها مستويات المياه بوتيرة أسرع شهدت أيضًا معدلات أعلى من الارتفاع الأرضي.

لكن المفاجأة لم تكن في ارتفاع الأرض وحده، بل في التباين المكاني الكبير في معدلاته.

فقد كانت بعض المناطق ترتفع بسرعة، بينما تسجل مناطق أخرى على مسافة تقل عن 100 متر معدلات أبطأ بكثير. ولم تكن هذه الاختلافات عشوائية، بل ظهرت في نطاقات ضيقة وممتدة عبر المدينة.

وعند مقارنة هذه النطاقات بالخرائط الجيولوجية، لاحظ الباحثون أنها تتطابق بدرجة كبيرة مع مسارات صدوع جيولوجية معروفة.

الصدوع الجيولوجية.. حواجز تتحكم في حركة المياه تحت الأرض

تُعرف الصدوع بأنها كسور أو مناطق كسر في القشرة الأرضية تتحرك على امتدادها الكتل الصخرية، وغالبًا ما ترتبط في الأذهان بالزلازل والنشاط التكتوني.

لكن نتائج الدراسة تشير إلى أن بعض الصدوع قد تؤدي أيضًا دورًا في التحكم في حركة المياه الجوفية، من خلال الحد من انتقالها أفقيًا بين أجزاء الخزان المائي.

ويمكن تصور الصدع، في هذه الحالة، بوصفه حاجزًا رأسيًا يمتد داخل الطبقات الحاملة للمياه، ويعيق مرور الماء من جانب إلى آخر، على نحو يشبه السد الموجود تحت سطح الأرض.

ولا تتصرف جميع الصدوع بالطريقة نفسها؛ إذ يمكن لبعضها أن يعيق حركة المياه، بينما تسمح صدوع أخرى بمرورها، تبعًا لطبيعة الصخور والمواد التي تملأ منطقة الصدع وخصائصها الهيدرولوجية.

وفي أوساكا، وجد الباحثون، أن مستويات المياه الجوفية على أحد جانبي صدع أوماتشي كانت ترتفع بمعدل يزيد ثلاثة أضعاف على المعدل المسجل في الجانب الآخر.

وتكرر نمط مشابه عند صدوع أخرى في المدينة. وتشير النتائج إلى أن المياه قد تتجمع أو تتعافى بوتيرة أسرع في الجانب الذي يحد الصدع من انتقالها بعيدًا عنه، بينما يتأخر التعافي في الجانب الآخر، وبهذا، لا يقتصر تأثير الصدوع على البنية الجيولوجية أو مخاطر الزلازل، بل يمكن أن يمتد إلى تشكيل أنماط تعافي المياه الجوفية والتغيرات الدقيقة في ارتفاع سطح الأرض.

وتساعد هذه النتيجة على تفسير سبب اختلاف استجابة مناطق متجاورة داخل المدينة نفسها، حتى عندما تخضع لظروف مناخية وإدارية متقاربة.

المدن الساحلية

هل يمكن عكس هبوط المدن؟

تشير الدراسة إلى أن تقليل ضخ المياه الجوفية والسماح للخزانات بالتعافي يمكن أن يحدا من استمرار الهبوط الأرضي، وقد يؤديان إلى ارتفاع سطح الأرض مجددًا في بعض المناطق التي ساهم استنزاف المياه فيها في حدوث الهبوط.

لكن ذلك لا يعني أن كل مدينة هبطت أراضيها تستطيع استعادة ارتفاعها السابق بالكامل، أو أن تعافي المياه الجوفية سيحدث بالسرعة نفسها في كل مكان.

فالاستجابة تعتمد على خصائص الطبقات الجيولوجية، ومدى انضغاطها خلال فترة الاستنزاف، وما إذا كانت التغيرات التي حدثت قابلة للعكس، فضلًا عن طبيعة الصدوع ومسارات حركة المياه تحت الأرض.

وفي بعض الحالات، قد تكون أجزاء من الهبوط دائمة نتيجة انضغاط الطبقات الجيولوجية، ما يعني أن استعادة المياه لا تعيد بالضرورة الوضع إلى ما كان عليه قبل بدء الضخ المكثف.

ولهذا، فإن الدرس الأساسي من أوساكا لا يتمثل في أن المدن يمكنها دائمًا «الارتفاع من جديد»، بل في أن إدارة المياه الجوفية قد تؤثر في حركة سطح الأرض، وأن فهم الخصائص الجيولوجية المحلية ضروري لتوقع حجم الاستجابة ومناطق حدوثها.

لماذا تهم هذه النتائج المدن الساحلية؟

مع استمرار ارتفاع مستوى سطح البحر بفعل تغير المناخ، تواجه المدن الساحلية تحديًا مزدوجًا: ارتفاع المياه من جهة، واحتمال هبوط الأرض من جهة أخرى.

وعندما تجتمع الظاهرتان، يرتفع مستوى البحر النسبي مقارنة باليابسة بوتيرة أكبر، ما يزيد احتمالات الغمر الساحلي والفيضانات والأضرار التي تلحق بالمباني والطرق وشبكات الصرف وغيرها من مرافق البنية التحتية.

ومن هنا، يمكن أن تصبح إدارة المياه الجوفية جزءًا مهمًا من استراتيجيات التكيف مع تغير المناخ، إلى جانب إجراءات مثل تحسين الحماية الساحلية، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتحديث معايير تخطيط المدن والبناء.

وتؤكد نتائج أوساكا أهمية الجمع بين مراقبة مستويات المياه الجوفية وقياس حركة سطح الأرض بالأقمار الصناعية، بدلًا من التعامل مع كل منهما باعتباره مشكلة منفصلة.

كما يمكن أن تساعد الخرائط التي تحدد الصدوع المؤثرة في حركة المياه على تحسين فهم الفروق المحلية في معدلات الهبوط والتعافي، وتوجيه إجراءات إدارة المياه إلى المناطق الأكثر احتياجًا.

وفي النهاية، تكشف تجربة أوساكا أن الهبوط الأرضي الناتج عن استنزاف المياه الجوفية ليس دائمًا مسارًا لا رجعة فيه، وأن الحد من الضخ المفرط قد يمنح بعض المناطق فرصة للتعافي.

غير أن نجاح هذه الاستراتيجية يتطلب فهمًا دقيقًا للطبقات الجيولوجية، ومراقبة طويلة الأجل للمياه والأرض، وإدارة مستدامة للموارد المائية، خصوصًا في المدن التي تواجه في الوقت نفسه مخاطر ارتفاع البحار وتغير المناخ.

↑
Exit mobile version