لا يتوقف مستقبل الغذاء في العالم على توافر المياه وأشعة الشمس والأراضي الزراعية وحدها، بل يعتمد أيضًا على عنصر كيميائي أساسي لا يمكن للنباتات الاستغناء عنه: الفوسفور، الذي يدخل في صناعة الأسمدة اللازمة لنمو المحاصيل، ويشكل أحد مفاتيح استقرار الإنتاج الزراعي العالمي.
لكن التحدي لا يتمثل بالضرورة في قرب نفاد الفوسفات من باطن الأرض، وإنما في تركز احتياطياته القابلة للاستغلال في عدد محدود من الدول، وما يترتب على ذلك من مخاطر جيوسياسية واقتصادية قد تؤثر في أسعار الأسمدة وتوافرها، ومن ثم في تكلفة إنتاج الغذاء.
وبحسب تقرير نشره موقع «فوتورا ساينس» في 19 سبتمبر 2026، يمتلك المغرب نحو 70% من احتياطيات الفوسفات العالمية المُعلنة، ما يمنحه موقعًا استراتيجيًا في سوق أحد أهم المدخلات الزراعية.
لماذا لا تستطيع الزراعة الاستغناء عن الفوسفور؟
تحتاج النباتات إلى مجموعة من العناصر الغذائية الأساسية للنمو والإنتاج، وفي مقدمتها النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم، وهي العناصر الثلاثة الرئيسية التي تقوم عليها صناعة الأسمدة التقليدية.
ويؤدي الفوسفور دورًا حيويًا في العمليات المرتبطة بنقل الطاقة داخل الخلايا، وتكوين الأحماض النووية، ونمو الجذور وتطور النبات. وعندما لا يتوافر بكميات مناسبة، يمكن أن يتراجع نمو المحاصيل وإنتاجيتها، خصوصًا في الأراضي التي تعاني نقصًا في العناصر الغذائية.
ومع تكرار زراعة المحاصيل، قد تستنزف التربة جزءًا من مخزونها المتاح من العناصر الغذائية، ما يجعل تعويضها عبر التسميد وإدارة خصوبة التربة ضرورة للحفاظ على الإنتاج الزراعي.
لكن مصادر هذه العناصر تختلف؛ فالنيتروجين متوافر بكميات كبيرة في الغلاف الجوي، ويمكن تحويله صناعيًا إلى مركبات صالحة للاستخدام في الأسمدة، بينما يعتمد إنتاج الأسمدة الفوسفاتية على استخراج خامات معدنية طبيعية ومعالجتها.
المغرب يمتلك نحو 70% من احتياطيات الفوسفات العالمية
لا يُعد الفوسفور نادرًا في القشرة الأرضية من الناحية الجيولوجية، لكن التحدي يكمن في العثور على رواسب تحتوي على تركيزات مناسبة من الفوسفات، ويمكن استخراجها ومعالجتها اقتصاديًا.
وتتركز نسبة كبيرة من الاحتياطيات المعروفة في عدد محدود من الدول، يتقدمها المغرب، إلى جانب الصين وروسيا ودول أخرى.
وتشمل مناطق الفوسفات الرئيسية في المغرب أحواض خريبكة والكنتور، إلى جانب منطقة بوكراع في الصحراء الغربية، التي تديرها المغرب.
ويعني هذا التركّز أن سوق الأسمدة الفوسفاتية يمكن أن يتأثر بالتوترات الجيوسياسية، أو القيود التجارية، أو ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، أو تعطل سلاسل الإمداد.
ولا يشترط أن تؤدي هذه العوامل إلى نقص فعلي في خام الفوسفات حتى يشعر المزارعون بتأثيراتها؛ إذ يمكن أن يؤدي ارتفاع أسعار الأسمدة أو تراجع توافرها إلى زيادة تكاليف الإنتاج، والضغط على هوامش ربح المزارعين، وربما انتقال جزء من الزيادة إلى أسعار الغذاء.
هل ينفد الفوسفات من العالم؟
لا يشير التقرير إلى وجود خطر وشيك يتمثل في نفاد خام الفوسفات عالميًا. وتتمثل المشكلة الأكثر إلحاحًا في ضمان إمدادات مستقرة وبأسعار يمكن للقطاع الزراعي تحملها.
فحتى عندما تكون الاحتياطيات الجيولوجية كبيرة، لا يعني ذلك أن جميعها متاح للاستخراج الفوري أو بالتكلفة نفسها. كما أن الاحتياطيات المعلنة تختلف عن الموارد الجيولوجية الإجمالية، وتتغير تقديراتها مع تطور تقنيات التعدين والأسعار والبيانات المتاحة.
لذلك، فإن تقييم أمن الفوسفات يتطلب النظر إلى حجم الاحتياطيات، وقدرات الإنتاج والتكرير، والتجارة الدولية، واحتياجات الدول المستوردة، ومدى قدرتها على تنويع مصادر الإمداد.
التربة تفقد الفوسفور.. والأسمدة لا تصل كلها إلى النباتات
تتجاوز أزمة الفوسفور حدود التعدين والتجارة، لتصل إلى طريقة استخدامه داخل الحقول.
فليس كل الفوسفور الذي يضاف إلى التربة عبر الأسمدة متاحًا لامتصاص النباتات؛ إذ يمكن أن يرتبط بمعادن التربة أو يتحول إلى مركبات يصعب على الجذور الاستفادة منها. وفي المقابل، قد ينتقل جزء منه إلى المجاري المائية بفعل الجريان السطحي وتعرية التربة.
وتؤدي خسارة التربة السطحية بفعل التعرية إلى فقدان جزء من العناصر الغذائية المهمة، بينما قد يؤدي الاستخدام غير الكفء للأسمدة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج دون تحقيق الاستفادة الزراعية المطلوبة.
ولا تقتصر آثار تسرب الفوسفور على المزارع؛ إذ يمكن أن يؤدي وصول كميات زائدة منه إلى البحيرات والأنهار إلى الإثراء الغذائي للمياه، وتحفيز نمو الطحالب بصورة مفرطة، والإضرار بالتوازن البيئي وجودة المياه.
وهكذا يتحول سوء إدارة الفوسفور إلى مشكلة مزدوجة: هدر مورد تحتاج إليه الزراعة، وتفاقم التلوث في النظم المائية.
إعادة تدوير الفوسفور.. فرصة لتقليل الاعتماد على التعدين
يمثل استرداد الفوسفور وإعادة استخدامه أحد المسارات المهمة لتعزيز استدامة الزراعة، بدلًا من الاعتماد الكامل على استخراج خامات جديدة.
ويمكن استعادة جزء من الفوسفور الموجود في مخلفات الثروة الحيوانية، ومياه الصرف الصحي، وحمأة محطات المعالجة، وبعض مخلفات الأغذية، ثم معالجته وفق ضوابط تضمن ملاءمته للاستخدام الزراعي.
لكن نجاح هذه الحلول يتطلب تقنيات معالجة مناسبة، ومراقبة الملوثات، وضمان سلامة المنتجات المستردة، إلى جانب وجود بنية تحتية وسياسات تشجع على إعادة استخدام العناصر الغذائية بدلًا من التخلص منها.
ويمكن أن تسهم الإدارة الدقيقة للتسميد، وتحليل التربة، وتحديد احتياجات المحاصيل، والحد من التعرية والجريان السطحي، في تحسين كفاءة استخدام الفوسفور وتقليل الفاقد منه.
ماذا يعني ذلك للأمن الغذائي في مصر والدول العربية؟
بالنسبة إلى الدول التي تعتمد على استيراد الأسمدة أو المواد الخام اللازمة لإنتاجها، فإن تركز إمدادات الفوسفات عالميًا يجعل تنويع مصادر الاستيراد، ومراقبة الأسعار، ورفع كفاءة الاستخدام الزراعي عناصر مهمة في إدارة مخاطر الأمن الغذائي.
وفي مصر والدول العربية، لا تقتصر الاستجابة على تأمين الإمدادات؛ بل تشمل أيضًا حماية خصوبة التربة، وتحسين كفاءة التسميد، وتطوير معالجة المخلفات الزراعية والحيوانية، والتوسع في استرداد العناصر الغذائية عندما يكون ذلك آمنًا ومجديًا اقتصاديًا.
ويحتاج تحقيق هذه الأهداف إلى سياسات تربط بين إدارة الموارد المعدنية والزراعة والمياه والنفايات، بدلًا من التعامل مع كل قطاع بمعزل عن الآخر.
الخلاصة: لا تكمن خطورة الفوسفور في أنه على وشك الاختفاء من الأرض، بل في أن إنتاج الغذاء يعتمد على إمدادات معدنية تتركز جغرافيًا، في وقت لا تزال فيه الزراعة تواجه تحديات تتعلق بفقد العناصر الغذائية وهدرها وتلوث المياه بها. ومن ثم، فإن تأمين مستقبل الغذاء يتطلب الجمع بين استقرار سلاسل الإمداد، وتحسين إدارة التربة، واسترداد الفوسفور وإعادة تدويره بكفاءة وأمان.
