طورت جامعة البوليتكنيك الفيدرالية في لوزان أداة رقمية لقياس البصمة الكربونية للمختبرات البحثية، ومقارنة الانبعاثات الناتجة عن استهلاك الطاقة والمعدات والمشتريات والسفر والخدمات الرقمية، بما يساعد العلماء على اختيار إجراءات أكثر فاعلية لخفض الانبعاثات.
لا تقتصر البصمة الكربونية للمؤسسات العلمية على استهلاك الكهرباء داخل المباني؛ فالمختبرات البحثية تستخدم معدات متخصصة، وتستهلك مواد كيميائية ومنتجات يصعب تتبع مصادر تصنيعها ونقلها، كما ترتبط أنشطتها برحلات العمل واستخدام البنية التحتية الرقمية والخدمات السحابية.
ولمساعدة الباحثين على فهم هذه المصادر وتحديد أولويات خفض الانبعاثات، طورت جامعة البوليتكنيك الفيدرالية في لوزان السويسرية (EPFL) أداة رقمية جديدة باسم «CO₂ Calculator»، تتيح حساب البصمة الكربونية للمختبرات وتحليل مكوناتها ومتابعة التغيرات من عام إلى آخر.
وتأتي الأداة في وقت تتزايد فيه أهمية الاستدامة داخل الجامعات والمؤسسات البحثية، ليس فقط من خلال تحسين كفاءة المباني، بل أيضًا عبر إعادة النظر في قرارات شراء المعدات، وتشغيل الأجهزة، وتنظيم السفر، وإدارة المشروعات العلمية منذ مرحلة التخطيط.
المختبرات تستهلك طاقة تفوق المكاتب
تُعد المختبرات البحثية من أكثر المنشآت استهلاكًا للطاقة داخل الجامعات، بسبب تشغيل الأجهزة العلمية المتخصصة وأنظمة التهوية والتحكم في درجات الحرارة، إلى جانب متطلبات السلامة وحفظ العينات وإجراء التجارب.
ووفقًا للمعلومات التي أوردتها الجامعة، تستهلك المختبرات طاقة تتراوح بين ثلاثة وعشرة أضعاف ما تستهلكه المكاتب التقليدية ذات المساحة المماثلة، استنادًا إلى بيانات من جامعة كوليدج لندن والمبادرة السويسرية Green Lab.
لكن ارتفاع استهلاك الطاقة لا يعني أن الكهرباء هي المصدر الأكبر للانبعاثات في كل مختبر؛ فقد تكون مشتريات المعدات والمواد، أو السفر المرتبط بالعمل البحثي، من المصادر المهمة أيضًا، بحسب طبيعة الأنشطة التي ينفذها كل فريق.
وهنا تظهر المشكلة التي تستهدف الأداة الجديدة معالجتها: فمعرفة إجمالي الانبعاثات وحدها لا تكفي لتحديد الإجراء الأكثر جدوى. إذ تحتاج الجامعات إلى معرفة المصادر التي تسهم بأكبر حصة من البصمة الكربونية، حتى تتمكن من توجيه مواردها إلى الإجراءات ذات التأثير الأكبر.
كيف تعمل حاسبة الكربون؟
طورت جامعة EPFL الأداة بالتعاون بين وحدات إدارية وأقسام أكاديمية ومختبرات بحثية، بينما عمل فريق الاستدامة بالجامعة لعدة أشهر على إدراج مصادر الانبعاثات المختلفة واختبار النظام داخل مجموعة من المختبرات.
وأُطلقت الحاسبة في أواخر سبتمبر 2026، وبدأ استخدامها داخل الجامعة، فيما أبدت جامعات سويسرية أخرى، من بينها جامعة لوزان والمعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ (ETH Zurich)، اهتمامًا بإمكانية الاستفادة منها.
وتعتمد الأداة على استيراد جزء كبير من البيانات المتاحة بالفعل داخل الجامعة، مثل مساحة المختبر وسجلات المشتريات واستهلاك الكهرباء، بدلًا من مطالبة الباحثين بإدخال كل المعلومات يدويًا.
ويضيف المستخدمون البيانات الخاصة بأنشطة مختبراتهم، بما يشمل رحلات العمل، والمواد والمنتجات المتخصصة، والأجهزة العلمية وتقنيات المعلومات، والخدمات السحابية التي يقدمها مزودون خارجيون.
وتُحسب الانبعاثات وفق بروتوكول غازات الاحتباس الحراري (Greenhouse Gas Protocol)، وهو معيار دولي للمحاسبة عن انبعاثات الغازات الدفيئة.
وتوفر النتائج تفصيلًا لمصادر الانبعاثات داخل كل مختبر، بما يسمح للباحثين بمقارنة أثر الخيارات المختلفة، ثم متابعة ما إذا كانت الإجراءات التي اتخذوها قد أدت إلى خفض البصمة الكربونية في السنوات اللاحقة.
مدفأة واحدة تكشف فرصة لخفض الانبعاثات
خلال المرحلة التجريبية، استخدم مختبر معالجة المركبات المتقدمة في جامعة EPFL الحاسبة لتقييم مصادر انبعاثاته.
وكشفت النتائج أن أحد المصادر المهمة للانبعاثات في المختبر كان مدفأة كهربائية تُستخدم للحفاظ على درجة حرارة مناسبة لإجراء التجارب وتوفير الراحة للعاملين.
وساعد تقدير الانبعاثات المرتبطة بهذا الجهاز فريق المختبر على توثيق المشكلة وتعزيز طلباته لتحسين المبنى، بدلًا من الاعتماد على الانطباعات العامة بشأن استهلاك الطاقة.
وقالت فيرونيك ميشو، رئيسة المختبر، إن الأداة توفر مدخلات مفيدة لاتخاذ القرارات، لكنها شددت على أن التحدي التالي يتمثل في تحويل الأرقام إلى إجراءات مؤثرة، دون الإخلال بالهدف الأساسي للمختبر، وهو إجراء البحوث العلمية.
وتوضح هذه الحالة كيف يمكن لأداة قياس تفصيلية أن تكشف فرصًا عملية قد لا تظهر عند الاكتفاء بمراجعة فواتير الطاقة أو إجمالي الاستهلاك. ومع ذلك، فإن تحديد جدوى استبدال جهاز أو تحسين عزل المبنى يتطلب أيضًا النظر في التكلفة والاحتياجات العلمية والآثار المتوقعة لكل خيار.
تقديرات كربونية للمشروعات قبل تنفيذها
لا تقتصر الحاسبة على تقييم الانبعاثات الناتجة عن الأنشطة الجارية، بل تتضمن أداتين إضافيتين لدعم التخطيط واتخاذ القرار.
الأولى هي «CO₂ Project Planner»، التي تقدر البصمة الكربونية لمشروع بحثي قبل تنفيذه، اعتمادًا على عوامل مثل عدد المشاركين، والمعدات التي سيستخدمها المشروع، ورحلات العمل المتوقعة، وغيرها من الأنشطة المرتبطة به.
ويمكن أن تساعد هذه الأداة فرق البحث في تقدير الآثار البيئية لمشروعاتها عند إعداد طلبات التمويل، خصوصًا مع تزايد إدراج معايير الاستدامة في بعض قرارات الجهات الممولة.
أما الأداة الثانية، «CO₂ Explorer»، فتتيح تقدير الانبعاثات المرتبطة بإجراء محدد، مثل القيام برحلة أو شراء جهاز جديد، لتوفير أساس كمي للمقارنة بين البدائل المتاحة.
وبذلك يمكن للباحثين استخدام القياس الكربوني في مراحل مختلفة: عند التخطيط للمشروع، وأثناء اختيار المعدات والمشتريات، ثم عند مراجعة الأداء البيئي للمختبر بعد التنفيذ.
لماذا لا تقدم الحاسبة رقمًا دقيقًا تمامًا؟
رغم إمكانات الأداة، تؤكد الجامعة أن حساب البصمة الكربونية لا يمكن أن يقدم قياسًا دقيقًا بصورة مطلقة؛ إذ تعتمد جودة النتائج على مدى توافر البيانات وموثوقيتها، وعلى الافتراضات المستخدمة لتقدير الانبعاثات التي يصعب قياسها مباشرة.
فعندما تكون البيانات متاحة، يمكن تقدير الانبعاثات المرتبطة باستهلاك الكهرباء أو السفر بضرب كمية النشاط، مثل عدد الكيلوواط/ساعة أو عدد الكيلومترات المقطوعة، في معامل الانبعاث المناسب.
لكن الحساب يصبح أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى الأجهزة البحثية المتخصصة والمواد الكيميائية، عندما لا تتوافر معلومات دقيقة عن مكان تصنيعها، أو طريقة إنتاجها، أو وسائل نقلها.
وفي هذه الحالات، تستخدم الحاسبة تقديرات تستند إلى قيمة الإنفاق المرتبط بالمنتج أو النشاط. وقد تكون هذه الطريقة مفيدة عند غياب البيانات التفصيلية، لكنها قد تنتج تقديرات غير دقيقة؛ لأن السعر لا يعكس بالضرورة حجم الانبعاثات الفعلي الناتج عن التصنيع والنقل.
ولهذا أتاحت الجامعة للمستخدمين الاطلاع على المعايير والبروتوكولات والافتراضات التي تعتمد عليها الحسابات، حتى يتمكنوا من فهم حدود النتائج وعدم التعامل معها باعتبارها قياسات مباشرة لجميع الانبعاثات.
وتبرز هذه النقطة أهمية الشفافية في أدوات المحاسبة الكربونية، خصوصًا عندما تُستخدم النتائج للمقارنة بين المختبرات أو لاتخاذ قرارات تمويلية وتشغيلية.
هل يمكن تعميم التجربة على الجامعات؟
صُممت الحاسبة بحيث يمكن لمؤسسات جامعية أخرى الاستفادة منها، لكن تطبيقها يتطلب ربطها بأنظمة البيانات الداخلية لكل جامعة، وتكييف قواعد بيانات المعدات لتناسب طبيعة مختبراتها.
وأوضح سيباستيان كالر، المسؤول عن برنامج الحياد الصفري في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، أن تخصيص النتائج لكل مختبر يتيح تقديم بيانات تفصيلية على المستوى الذي تُتخذ فيه كثير من القرارات، ويساعد على تحديد الإجراءات التي يمكن أن تحقق أكبر أثر.
وأشار إلى أن استخدام الأداة في جامعته سيتطلب ربطها بالأنظمة الداخلية لاستيراد بيانات المساحات والمشتريات واستهلاك الكهرباء، وربما تعديل قاعدة بيانات المعدات للحصول على تقديرات أكثر ملاءمة للأنشطة البحثية المختلفة.
ومن شأن التعاون بين الجامعات وتبادل طرق الحساب والخبرات أن يساعدا على تحسين التقديرات وتقليل الاختلافات المنهجية بين المؤسسات، بما يتيح إجراء مقارنات أكثر فائدة بمرور الوقت.
من قياس الانبعاثات إلى خفضها فعليًا
تمثل حاسبة الكربون خطوة أولى نحو إدماج الاستدامة في إدارة المختبرات، لكنها لا تخفض الانبعاثات تلقائيًا؛ فالنتيجة الفعلية تعتمد على القرارات التي تتخذها الفرق البحثية بعد تحديد مصادر الانبعاثات.
وتشمل الخيارات المحتملة تحسين كفاءة تشغيل الأجهزة، وتطوير أنظمة التدفئة والعزل، وإطالة العمر التشغيلي للمعدات عندما يكون ذلك مناسبًا، وإعادة تقييم المشتريات والرحلات، واختيار الخدمات الرقمية وفق احتياجات البحث وأثرها البيئي.
ولا يمكن افتراض أن إجراءً واحدًا سيكون الأفضل في جميع المختبرات؛ فقد تختلف الأولويات بين مختبر يحتاج إلى تبريد مستمر لحفظ العينات، وآخر يعتمد على أجهزة كثيفة الاستهلاك للطاقة، وثالث ترتبط انبعاثاته بدرجة كبيرة بالمشتريات أو السفر.
وتعتزم وحدة الاستدامة في جامعة EPFL دعم المختبرات في تحديد تدابير ومشروعات عملية لخفض انبعاثاتها، مستفيدة من البيانات التي توفرها الحاسبة.
وتكمن أهمية هذه التجربة في نقل البصمة الكربونية من رقم إجمالي يصعب تفسيره إلى مجموعة من المصادر القابلة للمقارنة والمتابعة، بما يساعد المؤسسات العلمية على الموازنة بين متطلبات البحث وكفاءة استخدام الموارد والمسؤولية البيئية.
