تعديل وراثي بسيط ينقذ المحاصيل من مرض بكتيري مدمر
بمساعدة الذكاء الاصطناعي.. مستقبل الزراعة يبدأ من جينات النباتات.. بلا مبيدات
يفقد المزارعون مليارات الدولارات سنويًا بسبب أمراض نباتية تسد أنسجة النباتات وتُتلف الحقول بأكملها.
ولكن، كشفت دراسة جديدة من جامعة كاليفورنيا في ديفيس أن تعديلًا دقيقًا لجين مناعي يمكن أن يساعد المحاصيل على التعرف على بعض البكتيريا المسببة لهذه الخسائر، لا سيما في ظل ازدياد التهديدات المناخية.
يعتمد هذا الاكتشاف على عقود من الأبحاث حول كيفية تمييز النباتات للممرضات وإطلاق الإنذارات الداخلية.
ووفقًا لفريق البحث بقيادة العالمة “غيتا كوكر”، فإن مستشعرًا مناعيًا طبيعيًا يُعرف باسم FLS2 يستطيع الكشف عن جزء معين من بروتين بكتيري، ولكنه غالبًا ما يفشل في التعرف على نسخ معدّلة منه.
من خلال دراسة جينات FLS2 في نباتات مختلفة، تمكن الباحثون من تحديد 13 حمضًا أمينيًا حاسمًا يمكن تعديلها لإعادة تنشيط هذا المستقبل المناعي.
ونجح التعديل في تمكين النباتات من التعرف على بكتيريا لم تكن تميزها سابقًا.
قالت كوكر: “تمكنا من إحياء مستقبل مهزوم، ومنح النبات فرصة جديدة لمقاومة العدوى بطريقة دقيقة وموجهة”.

الذكاء الاصطناعي يرشد التعديلات الجينية
اعتمد الفريق على نموذج “ألفافولد” للذكاء الاصطناعي، القادر على التنبؤ بهيئة البروتينات بدقة شبه ذرية، لتحديد الأحماض الأمينية المهمة على سطح FLS2 ووجهت هذه التنبؤات التجارب المعملية، ما وفر شهورًا من التجريب العشوائي.
وأظهرت النتائج أن المستقبل المعدّل استطاع التعرف على عدة سلالات بكتيرية بجرعات منخفضة جدًا، دون التأثير على النمو الطبيعي للنبات، وهو ما يشكّل نقطة فارقة في نظر المزارعين والمربين.

مناعة بلا مبيدات
النباتات لا تنتج أجسامًا مضادة مثل الحيوانات، لذا فإن تعزيز قدرة التعرّف على الأنماط البكتيرية يُعد الوسيلة الأكثر فاعلية.
ويُشبه تعديل الأحماض الأمينية تحديثًا برمجيًا يوسّع نطاق الرؤية المناعية دون تغيير كامل للبنية الجينية.
وفي إحدى التجارب، أطلقت أوراق الطماطم التي تحتوي على المستقبل المعدّل استجابة دفاعية أقوى بـ20 مرة عند تعرّضها لببتيدات “راﻟﺴﺘﻮﻧﻴﺎ”، كما انخفضت الأعراض المرضية بشكل حاد.

تهديد عالمي بمليارات الدولارات
تُعد بكتيريا Ralstonia solanacearum من أخطر الأمراض النباتية عالميًا، إذ تصيب أكثر من 200 نوع من النباتات مسببة الذبول والتعفن، وتؤدي إلى خسائر تفوق المليار دولار سنويًا.
وبمجرد دخولها إلى أنسجة النبات، تسد الأوعية الناقلة للماء، مما يمنع وصول المبيدات والعلاجات.
وتكمن أفضل وسيلة للحماية في الكشف المبكر داخل الجذور، حيث يمكن لجهاز المناعة النباتي التصدي للبكتيريا.

الزراعة الدقيقة مستقبلًا
يستخدم العلماء الآن تقنية “كريسبر” لإجراء تعديلات جينية دقيقة دون إدخال حمض نووي أجنبي، وهو ما يجعل هذه المحاصيل مقبولة في بعض البلدان كبديل عن التعديل الوراثي الكامل.
وتقول كوكر إن الجمع بين المستقبلات المحسّنة وجينات مقاومة أخرى قد يشكل درعًا مناعيًّا فاعلًا ضد السلالات البكتيرية الجديدة، ويقلل من الاعتماد على المبيدات والمضادات الحيوية.
وقد يستفيد صغار المزارعين، خصوصًا في المناطق الحارة التي تُعد فيها الطماطم والفلفل والباذنجان من الأغذية الأساسية، من هذه التقنية بشكل كبير.

فالمحاصيل الأكثر صحة تعني دخلًا أوفر وأمنًا غذائيًا أفضل.
ويعمل فريق كوكر حاليًا على تدريب نماذج تعلم آلي لتقييم المستقبلات الأخرى من حيث قابليتها للتعديل.
وتشير المحاكاة المبكرة إلى أن تغيير عدد قليل من الأحماض الأمينية قد يوسّع قدرة التعرف على أنماط ميكروبية مختلفة.
وإذا ثبتت صحة ذلك، فقد يتمكن العلماء من تحديث دفاعات النبات رقميًا قبل ظهور المرض أصلًا.






