“المحاصيل المنسية” تعود لإنقاذ الزراعة من أزمة المناخ
العودة إلى الجذور.. النباتات القديمة تواجه أزمة المناخ
يتعلم الأطفال عن “الأخوات الثلاث” – الذرة والفاصوليا والقرع – التي تنمو معًا، لكن هذا ليس سوى جزء من القصة.
قبل وصول الأوروبيين إلى القارة، زرع المزارعون الأصليون في شرق أمريكا الشمالية مجموعة متنوعة من المحاصيل.
ازدهرت نباتات مثل القرع والسمبل والعقدة إلى جانب دوار الشمس، لكنها اختفت لاحقًا من الحقول والذاكرة، ولم يبقَ منها سوى بذور وآثار في السجلات الأثرية.
تدرس ناتالي مولر، عالمة الآثار بجامعة واشنطن في سانت لويس، هذه المحاصيل “النائمة” – وهو مصطلح ابتكره أعضاء دائرة رعاية النساء الأمريكيات الأصليات في فعالية مجتمعية.
يشير مصطلح “المحاصيل المفقودة” إلى رواية استعمارية تفترض انقراض الثقافات والشعوب الأصلية. لكن الحقيقة أن المحاصيل لم تضيع، بل تنتظر العودة.
وقد نُشرت دراسة مولر في مجلة Philosophical Transactions التابعة للجمعية الملكية للعلوم البيولوجية.
كيف أدار المزارعون الأصليون محاصيلهم؟
قبل أن تُهيمن الذرة، كان هناك نظام زراعي متكامل يُعرف بـ”المُجمّع الزراعي الشرقي” (EAC).
ضم النظام نباتات مثل عشبة الماي، والشعير الصغير، ونبات العقدة – وهي نباتات تُعتبر اليوم أعشابًا ضارة، لكنها كانت تُزرع وتُحصد وتُخزَّن.
ساعدت السهول الفيضية في توفير بيئة خصبة لنمو هذه المحاصيل. ومع انتقال الزراعة تدريجيًا إلى المرتفعات، أصبحت البذور أكثر انتظامًا في الإنبات وأكبر حجمًا.

تدجين المحاصيل وتطورها
في مختبرها، تزرع مولر نبات قدم الإوز ونبات العقدة في بيئة مُتحكَّم بها لمحاكاة الزراعة القديمة.
تُظهر البذور المستخرجة من المواقع الأثرية علامات انتقاء بشري، مثل الحجم الأكبر وسرعة الإنبات.
بعض المحاصيل مثل السومبويد احتفظت بتنوعها، مما ساعدها على التكيّف مع بيئات غير مستقرة كالسهول الفيضية.
التنوع ضمانة ضد الجفاف
لم تكن زراعة المحاصيل تعتمد على نوع واحد، بل كانت تعتمد على تنوع موسمي: عشبة الماي في الربيع، وقدم الإوز في الصيف، والعقدة في الخريف.
وقد ساعد هذا التنوع في تأمين إمداد غذائي ثابت، كما زرع المزارعون سلالات محلية تتكيّف مع ظروف بيئية محددة.
الزراعة كإدارة بيئية
لم يكتفِ المزارعون الأصليون بزراعة البذور، بل نظموا الطبيعة من حولهم.
أداروا الغابات بوسائل مثل الحرق المُتحكم به، وشجعوا نمو أنواع مثل الجوز، وأنشأوا أراضٍ رطبة اصطناعية عبر الحفر الترابية، مما مكَّن من زراعة محاصيل مائية.
تشير مكتشفات أثرية إلى زراعة محاصيل مثل السومب والشعير في هذه البيئات، والتي ساعدت في فترات الجفاف.
المحاصيل “النائمة” كحلول مناخية
بينما تُعاني الذرة وفول الصويا من الفيضانات، تُظهر النباتات القديمة مثل العقدة وقدم الإوز قدرة على النمو في الأراضي الرطبة.
يقترح بحث مولر أن زراعة هذه المحاصيل في المناطق الهامشية يمكن أن تُخفف من آثار التغير المناخي وتُعزز الأمن الغذائي.
إحياء العلاقة مع الأرض
لا تقتصر إعادة إحياء المحاصيل على الزراعة فقط، بل تشمل أيضًا إعادة التواصل مع التراث والمعرفة الأصلية.
يدعم مختبر مولر هذا الاتجاه عبر توزيع البذور ودليل للزراعة، والتعاون مع المزارعين الأصليين.
تقول مولر: “البذور ليست مجرد مادة زراعية، بل كائنات نائمة تنتظر من يستأنف العلاقة معها”.
وتضيف أن هذا الجهد جزء من حركة أوسع للسيادة الغذائية للشعوب الأصلية، وهو جهد يتطلب احترامًا متبادلًا واستعدادًا للإنصات.





