كتب شعبان هدية- تصوير: محمد عبد الظاهر ونورهان الفايد
يستقبل تمثال الملك رمسيس الثاني الضخم، الذي يتجاوز ارتفاعه 11 متراً، الزوّار في بداية رحلتهم داخل المتحف المصري الكبير، حيث يقف شامخاً في بهو الاستقبال الممتد على مساحة 7 آلاف متر مربع.
تعود قصة التمثال إلى عام 1300 قبل الميلاد، حين تم نحته من الجرانيت الوردي في محاجر أسوان، ونُقل على صنادل خشبية لمسافة تقارب 900 كيلومتر شمالاً حتى شاطئ مدينة منف، العاصمة الأولى لمصر الموحّدة.
وبعد وصوله، جرى سحبه على مزالج خشبية حتى معبد المعبود “بتاح”، إله الصناعة والفن، الذي اعتقد المصريون القدماء أنه خلق العالم بكلمة من فمه.

يُرجَّح أن التمثال كان ضمن مجموعة من التماثيل التي زينت معبد بتاح، وقد أشار المؤرخ الإغريقي هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد إلى أن رمسيس نحت تماثيل أمام المعبد يبلغ طولها 30 ذراعاً، أحدها لزوجته، وأربعة أخرى لأبنائه.
وفي شتاء عام 1853، اكتُشف التمثال على يد عالم الجيولوجيا البريطاني ليونارد هورنر أثناء أعمال حفائر لقياس منسوب المياه الجوفية تحت إشراف يوسف حكيكيان بك، ممثل الحكومة المصرية آنذاك. كان التمثال حينها مقسّماً إلى ست قطع. وفي عام 1887، قام الضابط الإنجليزي آرثر بانيولد برفع القطع على قواعد حجرية، حتى عام 1955، حين نُقل التمثال من منف إلى القاهرة في عملية استغرقت يوماً كاملاً.
وأوضح الدكتور محمود مبروك، مساعد وزير السياحة والآثار لسيناريو العرض المتحفي، أن قرار نقل التمثال إلى القاهرة اتخذه وزير الأشغال عبد اللطيف البغدادي، بدعم من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذي رأى في وضعه أمام محطة مصر رمزاً لوحدة المصريين.

يرتدي رمسيس تاجاً فريداً تعلوه ريشتان ترمزان إلى العدالة والقوة، وبينهما قرص الشمس، وهي الرموز الثلاثة التي تشكّل اسم تتويجه الملكي. وتُظهر النقوش في أسفل التاج رمزي مصر العليا والسفلى: الكوبرا وطائر الرخمة.
أشرف الفنان الكبير أحمد عثمان على عملية نصب التمثال وتجميع أجزائه، وأكمل النحّات عبد البديع عبد الحي بعض الأجزاء الناقصة، مثل القدم المضافة.

ارتبط المصريون بالتمثال وجدانياً لعقود، وأصبح ميدان رمسيس أحد رموز القاهرة. وعندما نُقل التمثال قبل 19 عاماً إلى مقره الجديد بجوار المتحف، اصطف المواطنون على جانبي الطريق لتحية الملك العائد إلى مجده.
وكان وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني أول من قرر نقل التمثال إلى المتحف الكبير حفاظاً عليه من التلوث، ونفذ القرار الدكتور زاهي حواس، وزير الآثار الأسبق، حتى استقر التمثال في موقعه الحالي عام 2018.

المسلّة المعلقة.. عرض فريد في الهواء
أمام بوابة المتحف المصري الكبير، تستوقف الزائرين “المسلّة المعلقة” التي تُعدّ الأولى من نوعها في العالم، حيث ترتكز على قواعد جرانيتية تتيح رؤية النقوش من جميع الجوانب.
تعود المسلة إلى عهد الملك رمسيس الثاني، وقد اكتشفها عالم الآثار البريطاني فليندرز بتري في منطقة تانيس (صان الحجر) عام 1884، وكانت مكوّنة من ست قطع. وتميزت بنقش اسم رمسيس أسفلها، في سابقة نادرة خشية طمس النقوش في العصور اللاحقة.
ووفقاً للدكتور حسين عبد البصير، فإن اللواء عاطف مفتاح، المشرف العام على مشروع المتحف الكبير، هو صاحب فكرة عرض المسلة بهذه الطريقة المعلّقة لتُمكّن الزوار من رؤية اسم الملك بوضوح.

كنوز توت عنخ آمون.. درّة تاج المتحف
يتزامن افتتاح المتحف مع ذكرى اكتشاف أول درجة في السلم المؤدي إلى مقبرة الملك توت عنخ آمون في الرابع من نوفمبر عام 1922 بالأقصر.
تُعرض مقتنيات الملك الشاب كاملة لأول مرة، ويبلغ عددها 5389 قطعة أثرية تم نقلها من المتحف المصري بالتحرير ومتحف الأقصر، إضافة إلى القطع التي كانت في المخازن.
وأوضح الدكتور طارق سيد توفيق، المدير الأسبق للمتحف المصري الكبير، أن العرض الجديد يعتمد على سيناريو مبتكر يروي قصة حياة الملك الشاب واكتشاف مقبرته، مشيراً إلى أن عدد القطع التي عرضت سابقاً لم يتجاوز 1800 قطعة.

من أبرز المقتنيات التي تُعرض للمرة الأولى، محتوى الصندوق رقم 317 الذي ضم مومياوات ابنتي توت عنخ آمون، بعد أن تم فحصهما بالأشعة المقطعية في جامعة القاهرة، حيث تبين أن عمر الكبرى 9 أشهر والصغرى 6 أشهر عند الوفاة.
وتُعدّ مقبرة توت عنخ آمون أعظم اكتشاف أثري في التاريخ، إذ تجاوز وزن القطع الذهبية المكتشفة فيها 300 كيلوجرام، بينها القناع الذهبي الشهير بوزن 12 كيلوجراماً، والتابوت الذهبي الذي يزن 112 كيلوجراماً. كما تُعرض للمرة الأولى المجموعة الكاملة للعجلات الحربية الست الخاصة بالملك.

صرح حضاري بمواصفات عالمية
يقع المتحف المصري الكبير أمام أهرامات الجيزة، وقد استغرق بناؤه 20 عاماً على مساحة 490 ألف متر مربع، ويضم 12 قاعة عرض رئيسية بمساحة إجمالية تبلغ 18 ألف متر مربع.
يضم المتحف أكثر من 57 ألف قطعة أثرية تغطي عصور ما قبل التاريخ وحتى العصرين اليوناني والروماني، ويحتوي على مركز ترميم يُعدّ الأكبر في الشرق الأوسط، بمساحة 32 ألف متر مربع و16 معملاً متطوراً.
نال المتحف ثماني شهادات “أيزو” في مجالات الجودة والطاقة والصحة والبيئة، إضافة إلى جائزة أفضل مشروع للبناء الأخضر، والشهادة الذهبية للاستدامة البيئية.





