الكوارث الطبيعية تعمّق الفجوة الطبقية.. أحياء تُعاد أفضل من السابق وأخرى تتحول إلى أطلال
إعادة الإعمار بعد الكوارث تُثري الأثرياء وتهمّش المجتمعات الفقيرة
كشفت دراسة حديثة أجرتها جامعة ستانفورد أن الكوارث الطبيعية لا تدمّر المنازل فحسب، بل تُعمّق أيضًا أوجه عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، إذ تتعافى الأحياء الثرية بسرعة وبجودة أعلى، بينما تظل المناطق الفقيرة تعاني آثار الدمار لسنوات طويلة.
واعتمد الباحثون على تحليل مدعوم بالذكاء الاصطناعي لصور «جوجل ستريت فيو» التاريخية في 16 ولاية أمريكية، أظهرت أن المباني المتضررة في المجتمعات منخفضة الدخل غالبًا ما تتحول إلى أراضٍ خالية لسنوات، في حين يُعاد بناء المنازل في الأحياء الغنية بشكل أكبر وأكثر متانة.
وتوضح الدراسة أنه بعد وقوع كارثة طبيعية كبرى، يختار بعض المتضررين البقاء وإعادة البناء، بينما يضطر آخرون إلى الرحيل وبناء حياة جديدة في أماكن أخرى، ما يؤدي إلى تغيّر بنية المجتمعات المحلية بطرق غير عادلة.
ويقول تيانيوان هوانغ، الباحث الرئيسي في الدراسة والحاصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المدنية والبيئية وعلوم الحاسوب من ستانفورد، إن الدراسات السابقة كانت تركز على كوارث فردية وعلى فترات زمنية قصيرة، مع الاهتمام بحركة السكان أكثر من التغيرات التي تطرأ على البيئة العمرانية.

فرصة فريدة لدراسة كيفية تعافي المباني
وأضاف أن صور «جوجل ستريت فيو»، التي توثق تقريبًا كل عنوان في الولايات المتحدة كل عام إلى ثلاثة أعوام، أتاحت فرصة فريدة لدراسة واسعة النطاق وطويلة الأمد لكيفية تعافي المباني بعد الأحداث المناخية المتطرفة.
وطلب الفريق البحثي من نموذج الذكاء الاصطناعي GPT-4 تحليل أكثر من 106 آلاف عقار لديها تقارير أضرار من وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية (FEMA)، وتحديد المباني التي تعرضت لدمار واضح بين عامي 2007 و2023.
وأظهرت المراجعة اليدوية أن دقة النموذج بلغت 98% في تحديد المباني المتضررة.
كما قيّم النموذج مصير هذه المباني، سواء تحولت إلى أراضٍ خالية، أو أُعيد بناؤها كما كانت، أو شُيّدت من جديد بحجم وجودة أفضل.
وأظهرت النتائج أن أكثر من 37% من المباني المتضررة في الأحياء منخفضة الدخل ظلت أراضيَ خالية لسنوات، مقارنة بـ22% في الأحياء متوسطة الدخل و7% فقط في المناطق الغنية.
وفي المقابل، تحولت نحو 82% من المباني المتضررة في الأحياء الثرية إلى منشآت محسّنة، مقابل 56% في المناطق متوسطة الدخل و33% في الأحياء الفقيرة.

«آلة التعافي»
وتدعم هذه النتائج ما يُعرف بفرضية «آلة التعافي»، التي تشير إلى أن المطورين العقاريين والممولين يعيدون البناء بعد الكوارث بما يخدم مصالح النمو والربح، وهو ما يفيد الفئات القادرة ماليًا ويهمّش أصحاب الدخل المحدود.
وتوضح جاكلين هوانغ، أستاذة علم الاجتماع المشاركة في الدراسة، أن نظام الإغاثة من الكوارث في الولايات المتحدة يساعد الأحياء الغنية على الحفاظ على قيمها العقارية، حتى وإن كانت تقع في مناطق عالية المخاطر مناخيًا، في حين لا يحظى الفقراء بالدعم نفسه.
وأظهرت تحليلات إضافية أن إعادة البناء كانت أكثر شيوعًا في المناطق التي يتمتع سكانها بتأمين المنازل وتأمين الفيضانات، وهو ما يفتقر إليه كثير من سكان الأحياء الفقيرة. ومع تزايد الكوارث المناخية وارتفاع تكلفة التأمين، يصبح التعافي أكثر صعوبة للفئات محدودة الدخل.
ويؤكد الباحثون أن توفير دعم حكومي وتأمين مدعوم يمكن أن يسهم بشكل كبير في تحقيق تعافٍ أكثر عدالة، مشددين على أن السياسات الحالية لا تزال عاجزة عن حماية المجتمعات الأكثر هشاشة من آثار الكوارث.






