القرفة تحت المجهر.. مكمل غذائي طبيعي قد يعطّل مفعول أدويتك
ما لا تعرفه عن القرفة.. آثار خطيرة على مرضى الأمراض المزمنة
في مطابخ العالم، تُضفي القرفة سحرها العطري على الكعك واللاتيه والكاري. ولكن، إلى جانب جاذبيتها الطهوية، تحوّلت هذه التوابل إلى مكمل غذائي مرغوب.
تظهر القرفة الآن في كبسولات وزيوت ومستخلصات، يدّعي كل منها أنه يساهم في استقرار نسبة السكر في الدم، وتقليل الالتهاب، أو حتى تعزيز فقدان الوزن.
ولكن مع اندفاع المستهلكين للاستفادة من الفوائد الصحية المفترضة للقرفة، تلقي الأبحاث الجديدة بظلالها على سمعتها المتوهجة.
تحث دراسة نُشرت في مجلة “كيمياء الأغذية: العلوم الجزيئية” على توخي الحذر، إذ قد تحمل منتجات القرفة المركّزة، ولا سيّما عند استهلاكها لفترات طويلة، مخاطر على من يتناولون أدوية بوصفة طبية أو يعانون من أمراض مزمنة.
سوق مكملات القرفة
القرفة ليست مجرد توابل؛ إنها وعد. رشة هنا، وقليل هناك – غير ضارة، أليس كذلك؟ لكن القرفة في خزانة مطبخك تختلف تمامًا عن المكملات الغذائية المركّزة التي تغمر متاجر الأدوية.
تحتوي القرفة الصينية، وهي النوع الأكثر شيوعًا في الولايات المتحدة، على مستويات عالية من الكومارين، وهي مادة طبيعية لتسييل الدم، قد تُشكّل مخاطر صحية خطيرة بكميات زائدة.
أشارت الدكتورة لينا وين من جامعة واشنطن إلى أن “قرفة سيلان قد تحتوي أيضًا على كميات ضئيلة من الكومارين”. وأضافت: “إذا تناول شخص يتناول بالفعل أدوية مضادة للتخثر كمية كبيرة من الكومارين، فقد يزيد ذلك من خطر النزيف”.
رغم هذه التحذيرات، يزدهر سوق المكملات الغذائية. تُشيد ملصقات المنتجات بفوائدها الصحية المذهلة، بينما تتخلف الأبحاث. لم تُصادق إدارة الغذاء والدواء الأمريكية بعد على القرفة كعلاج لأي حالة طبية، تاركةً المستهلكين في متاهة من الادعاءات غير المنظمة.

مكملات القرفة واستقلاب الكبد
لا تقتصر الدراسة الأخيرة على التحليل السطحي، بل تتعمق في المصير الأيضي للسينامالدهيد، المركّب الذي يمنح القرفة رائحتها المميزة.
قام الباحثون بتتبّع السينامالدهيد من لحظة ابتلاعه حتى مروره بعملية التمثيل الغذائي، كاشفين عن سلسلة معقدة من التفاعلات الكيميائية الحيوية.
يُمتص المركب بسرعة في الجهاز الهضمي، سواءً كانت المعدة ممتلئة أم فارغة، ولكن التحوّل الحقيقي يحدث في الكبد، حيث يُؤكسَد السينامالدهيد بسرعة إلى حمض السيناميك. هذه العملية ليست غير ضارة.
يمكن أن يتفاعل حمض السيناميك مع الإنزيمات المسؤولة عن استقلاب الأدوية، مما قد يؤدي إلى تغيير كيفية معالجة الجسم لها.
بالنسبة لمن يتناولون أدوية تُستقلب في الكبد، قد تُسبب هذه التفاعلات خللًا في تصفية الدواء، مما يزيد من خطر الآثار الجانبية.

تأثير القرفة على المستقبلات
لا يمر السينامالدهيد عبر الجسم دون أن يُلاحظه أحد، بل لديه القدرة على اختراق الخلايا. استكشفت الدراسة كيف تُنشّط مركبات القرفة مستقبلين أساسيين: مستقبل بريجنان إكس (PXR) ومستقبل أريل هيدروكربون (AhR).
في الخلايا المعوية، ساهم حمض السيناميك وزيت القرفة في زيادة نشاط PXR، مما أدى إلى تعزيز نشاط إنزيمات تؤثر على استقلاب الدواء. أما السينامالدهيد، فظلّ نشاطه منخفضًا نسبيًا، مما يشير إلى أن الخطر الحقيقي يكمن في مستقلبه وشكل زيته.
أما بالنسبة لمستقبلات الهيدروكربونات، فقد أدّى زيت القرفة إلى زيادة نشاطها، مما رفع إنتاج الإنزيم بأكثر من اثني عشر ضعفًا. النتيجة: تسريع تصفية الدواء، وتراجع التأثيرات العلاجية، وصعوبة تلبية المتطلبات الأيضية للجسم.

هدف جديد للقرفة
عادةً ما تُسيطر إنزيمات CYP، وهي العناصر الأساسية لعملية التمثيل الغذائي، على الأدوية والسموم. لكن القرفة تُعطّل هذا الإيقاع.
وجد الباحثون أن زيت القرفة المركّز والسينامالدهيد يُثبّطان إنزيمي CYP2C9 وCYP1A2، وهما مسؤولان عن استقلاب عدد كبير من الأدوية.
ما النتيجة؟ قد تبقى مميِّعات الدم فترة أطول في مجرى الدم، مما يزيد خطر النزيف. وقد تتراكم الأدوية المضادة للالتهابات، فترتفع مستويات السمية. حتى حمض السيناميك أظهر تأثيرات مثبطة خفيفة على CYP2C9.

مكملات القرفة والأمراض المزمنة
بالنسبة لمن يعانون من أمراض مزمنة، تتفاقم المفارقة. تشمل الحالات الأكثر تأثرًا: ارتفاع ضغط الدم، داء السكري، أمراض الكبد، السرطان، الربو، السمنة، فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، والاكتئاب.
قالت الدكتورة وين: “أضيف إلى هذه القائمة أي شخص يستخدم أدوية لتسييل الدم أو لديه تاريخ مرضي بأمراض القلب أو السكتات، أو من يتناول مكملات أخرى مثل الكركم أو الجينسنغ أو الجنكة بيلوبا”.
في هذه الحالات، قد يؤدي استخدام مكملات القرفة إلى تفاعلات معقدة وخطيرة داخل الجسم.
هل تناول القرفة آمن يوميًا؟
لا تدعو الدراسة إلى التوقف عن استخدام القرفة كتوابل غذائية. لكن المستخلصات المركّزة قصة مختلفة.
حددت الدراسة نقطة تحوّل: جرعات تتجاوز 50 ميكروجرامًا لكل مليلتر أثرت بشدة على نشاط الإنزيمات.
في حين أن استهلاك القرفة في القهوة أو الطعام لا يصل لهذه المستويات، فإن الاستخدام اليومي للمكملات قد يؤدي إليها.
قالت الدكتورة وين: “ينبغي على من يفكرون في استخدام مكملات القرفة استشارة أطبائهم قبل البدء، لتفادي أي تفاعلات دوائية محتملة”.

نقطة عمياء لدى إدارة الغذاء والدواء
على عكس الأدوية، لا تخضع المكملات الغذائية لرقابة صارمة. لا تُجري إدارة الغذاء والدواء الأمريكية اختبارات على سلامة أو فعالية هذه المنتجات قبل طرحها.
تُسلّط الدراسة الضوء على خطورة هذا الإهمال، خصوصًا في ظل قدرة القرفة على التأثير على استقلاب الدواء.
سمعة القرفة الجديدة
كانت القرفة توابل مفضلة لدى المعالجين القدماء، لكنها اليوم تُعد عنصرًا ذا هوية دوائية معقّدة.
تشير الأبحاث إلى أن تناولها بكميات بسيطة في الطعام لا يشكل خطرًا، أما المكملات المركزة فقد تقود إلى تأثيرات أيضية غير متوقعة.
في عالم يتوق إلى العلاجات الطبيعية، تُبرز القرفة درسًا بالغ الأهمية: أن تكون طبيعيًا لا يعني أن تكون آمنًا دائمًا.





