أكبر صحراء على الأرض ليست في إفريقيا.. المفاجأة في القارة القطبية الجنوبية

الأرض الأكثر جفافًا تتغير.. تمدد الأحزمة الجافة يهدد مليارات البشر

عندما يسمع الناس كلمة «صحراء»، غالبًا ما تتجه أذهانهم إلى الرمال والحرارة المرتفعة، لكن التعريف العلمي للصحراء لا يرتبط بالرمال أو درجات الحرارة، وإنما بكمية الهطول. فالمنطقة التي تتلقى أقل من نحو 250 ملليمترًا من الأمطار أو الثلوج سنويًا يمكن أن تُصنف صحراء.

وبهذا المعيار، لا تُعد الصحارى الحارة مثل الصحراء الكبرى في شمال إفريقيا وحدها ضمن المناطق الصحراوية على كوكب الأرض، بل تنضم إليها القارة القطبية الجنوبية «أنتاركتيكا»، التي تُصنف باعتبارها أكبر صحراء في العالم، رغم أن معظم مساحتها مغطى بالجليد.

ونُشرت الدراسة الكاملة المتعلقة بتاريخ الجفاف في صحراء أتاكاما في دورية Nature Communications.

وتكشف أنتاركتيكا أن الصحراء ليست بالضرورة أرضًا شاسعة من الرمال، وأن الجفاف يمكن أن يتعايش مع درجات حرارة شديدة الانخفاض وتراكمات هائلة من الجليد.

كيف تتكون الصحارى؟

تتحكم عدة عوامل في نشأة المناطق الجافة واستمرارها، لكن أربعة عوامل رئيسية تؤدي دورًا كبيرًا في تكوين الصحارى حول العالم، هي حركة الهواء الهابط، والحواجز الجبلية، والتيارات البحرية الباردة، والبعد الكبير عن مصادر المياه.

أنتاركتيكا

القارة القطبية الجنوبية

الهواء الهابط يصنع أحزمة الجفاف

تبدأ إحدى أهم آليات تكوين الصحارى بالقرب من خط الاستواء، حيث ترتفع كتل الهواء الدافئة والرطبة إلى طبقات الجو العليا.

ومع ارتفاع الهواء، يبرد ويفقد جزءًا كبيرًا من بخار الماء الموجود فيه على هيئة أمطار استوائية، ثم تتحرك الكتل الهوائية الجافة باتجاه المناطق شبه المدارية.

وعند الاقتراب من خطي عرض 30 درجة شمالًا وجنوبًا تقريبًا، تبدأ هذه الكتل الهوائية في الهبوط نحو سطح الأرض.

ومع هبوط الهواء، يتعرض للضغط والارتفاع في درجة حرارته، ما يسمح له بالاحتفاظ بكمية أكبر من بخار الماء بدلًا من تكوين السحب. ونتيجة لذلك تتبخر السحب أو لا تتطور بالقدر الكافي لإنتاج أمطار غزيرة.

وتُعرف هذه الدورة الجوية باسم دورة هادلي، وهي تساهم في تشكيل نطاقات الضغط المرتفع شبه المداري التي ترتبط بفترات طويلة من الجفاف وقلة الأمطار.

ولهذا السبب تقع مناطق صحراوية شاسعة مثل الصحراء الكبرى والصحراء العربية وصحراء كالاهاري وصحراء ثار، إلى جانب مساحات واسعة من أستراليا، ضمن هذه الأحزمة المناخية.

وتبلغ مساحة الصحراء الكبرى وحدها نحو 9.2 مليون كيلومتر مربع، ما يجعلها أكبر الصحارى الحارة في العالم.

الجبال قد تمنع المطر من الوصول

لا تحتاج الصحراء دائمًا إلى وجودها ضمن حزام جوي جاف، إذ يمكن للتضاريس الجبلية أن تؤدي دورًا حاسمًا في منع وصول الرطوبة.

فعندما تصطدم الكتل الهوائية الرطبة بسلسلة جبلية، تضطر إلى الصعود على الجانب المواجه للرياح. ومع ارتفاعها، تنخفض درجة حرارتها ويتكثف بخار الماء، ما يؤدي إلى سقوط الأمطار أو الثلوج.

وبعد عبور القمم الجبلية، تهبط الكتل الهوائية على الجانب الآخر وهي أكثر دفئًا وجفافًا، فتتكون منطقة تعرف باسم ظل المطر.

وتعد وادي الموت في الولايات المتحدة مثالًا واضحًا على هذا النوع من الجفاف، إذ تحيط به عدة سلاسل جبلية تعيق وصول الرطوبة القادمة من المحيط الهادئ.

ويقع قاع حوض بادواتر في وادي الموت على ارتفاع يقارب 86 مترًا تحت مستوى سطح البحر، وهو من أكثر المناطق انخفاضًا وجفافًا في أمريكا الشمالية.

كما تسهم جبال الهيمالايا في جفاف مناطق واسعة من آسيا الوسطى، إذ تعمل كحاجز ضخم أمام الرطوبة القادمة مع الرياح الموسمية.

النتائج: أعمار التعرض (باستخدام نظير 21Ne) وأعمار الزركون في رواسب التيفرا (باستخدام تأريخ اليورانيوم-الرصاص U-Pb)

عندما يكون المحيط قريبًا.. ولا تصل الأمطار

قد يبدو وجود الصحراء بالقرب من المحيط أمرًا متناقضًا، لكن التيارات البحرية الباردة تستطيع أن تجعل السواحل شديدة الجفاف رغم قربها من مصدر هائل للمياه.

فعلى طول سواحل تشيلي وبيرو، يحمل تيار همبولت مياهًا باردة من مناطق جنوب المحيط الهادئ باتجاه الشمال، بينما يؤدي تيار بنغويلا دورًا مشابهًا قبالة سواحل ناميبيا.

وتقلل المياه الباردة من معدلات التبخر، كما تبرد الهواء الموجود فوق سطح البحر، ما يؤدي إلى تكوين طبقة من الانقلاب الحراري تحبس الرطوبة بالقرب من سطح الأرض.

وقد تتشكل طبقات من الضباب تمتد نحو اليابسة، لكن هذه الرطوبة لا تتحول بالضرورة إلى أمطار.

وتظهر هذه الظاهرة بأقصى درجاتها في صحراء أتاكاما في شمال تشيلي، التي تُعد من أكثر الأماكن جفافًا على سطح الأرض.

وقد سجلت بعض محطات الرصد في قلب الصحراء معدلات هطول سنوية تقترب من 0.5 ملليمتر فقط.

ومع ذلك، فإن شدة الجفاف لا تعني خلو المنطقة تمامًا من الحياة، إذ اكتشف العلماء أشكالًا من الحياة المجهرية قادرة على البقاء في بيئات شديدة القسوة وتحت سطح الأرض.

البعد عن البحر يصنع صحارى أخرى
هناك عامل رابع يمكن أن يؤدي إلى الجفاف، ولا يحتاج إلى جبال أو تيارات بحرية باردة، وهو المسافة الكبيرة عن مصادر المياه.

فعندما تتحرك الكتل الهوائية فوق مساحات واسعة من اليابسة، تفقد الرطوبة تدريجيًا. وبمرور الوقت، تصل العواصف إلى المناطق الداخلية وهي أقل قدرة على إنتاج الأمطار.

وتقع صحراء تكلامكان ومناطق واسعة من كازاخستان وغرب الصين على مسافات هائلة من المحيطات والمسطحات المائية الرئيسية.

ولهذا السبب يمكن أن تتكون صحارى باردة تشهد شتاءً قاسيًا وصيفًا قصيرًا وحارًا نسبيًا.

وهنا تظهر حقيقة مناخية مهمة: الجفاف لا يرتبط بالحرارة ارتباطًا مباشرًا.

فالصحراء يمكن أن تكون شديدة الحرارة، كما هو الحال في الصحراء الكبرى، أو شديدة البرودة، كما هو الحال في أجزاء من أنتاركتيكا وآسيا الوسطى.

أنتاركتيكا.. صحراء من الجليد

تدفع القارة القطبية الجنوبية هذه الحقيقة إلى أقصى حدودها، وتغطي أنتاركتيكا مساحة تقارب 14.2 مليون كيلومتر مربع، ومعظم المناطق الداخلية منها تتلقى كميات ضئيلة للغاية من الهطول.

ولهذا تُصنف القارة بأكملها باعتبارها صحراء، بينما يُعد الجزء الداخلي منها من أكثر المناطق جفافًا على الكوكب.

والسبب الرئيسي في ذلك هو أن الهواء شديد البرودة لا يستطيع الاحتفاظ إلا بكمية محدودة جدًا من بخار الماء، وبالتالي تقل كمية الرطوبة المتاحة لتكوين السحب والهطول.

وفي أودية ماكموردو الجافة، وهي واحدة من أكثر البيئات قسوة على الأرض، تهبط رياح قوية تعرف باسم الرياح الهابطة القطبية من الهضبة القطبية، فتزيل ما تبقى من الثلوج والجليد في بعض المناطق، تاركة وراءها صخورًا وحصى مكشوفة.

وبذلك تقدم أنتاركتيكا مثالًا واضحًا على أن الصحراء قد تكون مغطاة بالجليد بدلًا من الرمال.

أ- رسم بياني للاحتمالية النسبية لجميع أعمار النيون الكوني المُنمذجة الجديدة والمنشورة سابقًا للفتات الصخري من أسطح جازبامبا

صحراء أتاكاما أقدم مما كان يعتقد العلماء

لا يقتصر الاهتمام العلمي بالصحارى على كيفية استمرار جفافها، بل يمتد إلى السؤال الأهم: متى بدأت هذه المناطق تصبح شديدة الجفاف؟

وقد دفعت دراسة حديثة عن صحراء أتاكاما العلماء إلى إعادة النظر في تاريخ نشأة جفافها الشديد.

كان الاعتقاد السائد أن الظروف فائقة الجفاف في أتاكاما ارتبطت بأحداث وقعت قبل نحو 15 إلى 20 مليون سنة، من بينها ارتفاع جبال الأنديز وتطور تأثير المياه الباردة في المحيط الهادئ قبالة الساحل.

لكن فريقًا من الباحثين بقيادة بينيديكت ريتر-برينز، من جامعة كولونيا الألمانية، استخدم طريقة مختلفة لتحديد عمر الأسطح القديمة في قلب الصحراء.

وفحص الباحثون نظائر النيون-21 الكونية الموجودة في 135 حصاة من الكوارتز، جُمعت من أسطح منخفضة التضاريس في المناطق شديدة الجفاف من أتاكاما.

وأظهرت النتائج أن 32 من هذه الحصوات ظلت دون اضطراب منذ عصر الأوليجوسين أو قبل ذلك، في سجل جيولوجي يمتد إلى عشرات الملايين من السنين.

وتشير النتائج إلى أن الجفاف الشديد في قلب أتاكاما ربما بدأ قبل نحو 45 مليون سنة، خلال فترة التبريد العالمي التي أعقبت الحد الأقصى المناخي للإيوسين المبكر.

ووفقًا لهذا التصور، ربما كان التغير في المناخ العالمي هو العامل الأول الذي دفع المنطقة نحو الجفاف الشديد، قبل أن تؤدي العوامل التكتونية وتغيرات التيارات البحرية إلى تعزيز هذا الجفاف وترسيخه.

عندما تتراجع المياه.. تبدأ الرياح في تشكيل الصحراء

بمجرد أن تصبح الأرض شديدة الجفاف، تتغير القوى التي تشكل سطحها، ففي المناطق التي يقل فيها الغطاء النباتي والمياه، تصبح الرياح عاملًا رئيسيًا في نقل الرواسب وإعادة تشكيل سطح الأرض.

وتتحرك حبيبات الرمال بالقرب من السطح من خلال عملية تعرف باسم القفز الرملي «Saltation»، حيث تقفز الحبيبات وتتصادم مع السطح وحبيبات أخرى، ما يؤدي إلى تحريك المزيد من الرمال.

ومع تراكم الرمال حول العوائق الصغيرة، يمكن أن تبدأ الكثبان في النمو.

وفي المناطق التي تهب فيها الرياح من اتجاهات متعددة مع وجود كميات كبيرة من الرمال، يمكن أن تتشكل الكثبان النجمية، وهي من أكثر أشكال الكثبان تعقيدًا.

ومن أمثلتها كثيب لالة لاليا في المغرب، الذي يصل ارتفاعه إلى نحو 100 متر، بينما كشفت عمليات المسح بالرادار عن طبقات يعود تاريخ بعضها إلى نحو 13 ألف عام.

وتشير الدراسات إلى أن الكثيب ظل شبه ثابت خلال نحو 8 آلاف سنة من تلك الفترة، قبل أن تؤدي التغيرات في اتجاهات الرياح وإمدادات الرمال إلى إعادة تشكيله.

الصحارى لا تحتفظ بالغبار داخل حدودها

لا تتوقف تأثيرات الصحارى عند حدودها الجغرافية، فالرياح يمكن أن تنقل الغبار لمسافات هائلة عبر القارات والمحيطات.

وتُعد الصحراء الكبرى أحد أبرز مصادر الغبار المعدني في العالم، إذ يمكن للعواصف أن ترفع جزيئات الغبار إلى طبقات مرتفعة من الغلاف الجوي، ثم تنقلها الرياح عبر المحيط الأطلسي باتجاه أمريكا الجنوبية.

وتراقب الأقمار الصناعية هذه الأعمدة من الغبار وهي تعبر المحيط، وقدرت وكالة ناسا في تقديرات واسعة التداول أن نحو 27.7 مليون طن من الغبار الصحراوي تترسب سنويًا فوق حوض الأمازون.

ولا يمثل الغبار الصحراوي مجرد ظاهرة جوية، إذ يمكن أن يحمل معه عناصر غذائية مهمة تؤثر في النظم البيئية البعيدة، كما يمكن أن يؤثر في جودة الهواء والمناخ وتوازن النظم البيئية البحرية والبرية.

أحزمة الجفاف تتحرك

المناطق الصحراوية ليست ثابتة إلى الأبد، فالحدود بين المناطق الرطبة والجافة يمكن أن تتحرك استجابة للتغيرات المناخية.

وتشير النماذج المناخية وبيانات الأقمار الصناعية إلى أن دورة هادلي تتسع في ظل تغير المناخ، ما يؤدي إلى تحرك أحزمة الضغط المرتفع شبه المدارية باتجاه القطبين.

ومع تحرك هذه الأحزمة، يمكن أن تتحرك معها المناطق الجافة.

وقد رصدت وكالة ناسا بالفعل تحولات في مواقع بعض السحب المرتفعة باتجاه القطبين بالتزامن مع توسع المناطق المدارية.

وتشير بيانات اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر إلى تغير واسع في درجة جفاف مساحات كبيرة من اليابسة؛ فقد أصبحت نسبة كبيرة من أراضي العالم أكثر جفافًا خلال العقود الأخيرة مقارنة بالفترة السابقة.

وتغطي الأراضي الجافة حاليًا نحو 40.6% من مساحة اليابسة باستثناء أنتاركتيكا، ويعيش داخل هذه المناطق نحو 2.3 مليار شخص.

وفي أسوأ سيناريوهات الانبعاثات، يمكن أن يرتفع عدد الأشخاص الذين يعيشون في المناطق الجافة إلى نحو 5 مليارات شخص بحلول عام 2100.

الصحراء ليست مجرد رمال

تكشف قصة أنتاركتيكا وأتاكاما والصحراء الكبرى أن مفهوم الصحراء أكثر تعقيدًا بكثير من الصورة التقليدية للكثبان الرملية والحرارة الشديدة.

فالصحراء في معناها العلمي هي بيئة تعاني نقصًا شديدًا في الهطول، ويمكن أن تكون ساخنة أو باردة، رملية أو صخرية، بل ويمكن أن تكون مغطاة بصفائح جليدية ضخمة.

وتعمل عوامل متعددة على صناعة هذه البيئات، بدءًا من حركة الغلاف الجوي والجبال والتيارات البحرية، وصولًا إلى المسافة عن مصادر المياه.

لكن ما يجعل الظاهرة أكثر أهمية اليوم هو أن هذه الآليات الطبيعية نفسها تعمل داخل مناخ يتغير بسرعة.

ومع اتساع أحزمة الجفاف وتحول مساحات من الأراضي إلى ظروف أكثر جفافًا، لم يعد السؤال متعلقًا فقط بكيفية تشكل الصحارى، وإنما أيضًا بمدى سرعة تحرك حدودها وتأثير ذلك في الزراعة والمياه والتنوع البيولوجي والمجتمعات البشرية.

فالقوى التي صنعت الصحراء الكبرى وأتاكاما وأنتاركتيكا على مدى ملايين السنين لا تزال تعمل حتى اليوم، لكن خريطة المناطق الجافة يمكن أن تتغير هذه المرة على مقياس زمني أقرب بكثير إلى حياة الإنسان.

Exit mobile version