في ظل البحث العالمي المتسارع عن حلول طبيعية تساعد على خفض انبعاثات الغازات الدفيئة من القطاع الزراعي، برز الفحم الحيوي (Biochar) خلال السنوات الأخيرة باعتباره أحد أكثر الأدوات الواعدة لتحسين التربة وتخزين الكربون وتقليل الانبعاثات.
غير أن دراسة علمية حديثة كشفت أن تأثير هذا الحل قد لا يكون إيجابيًا في جميع الظروف، بل يمكن أن يؤدي أحيانًا إلى نتائج عكسية تزيد من الانبعاثات بدلاً من تقليلها.
وتشير الدراسة إلى أن إضافة الفحم الحيوي إلى التربة قد تؤدي إلى خفض انبعاثات غاز أكسيد النيتروز في بعض الحقول الزراعية، لكنها قد تضاعف هذه الانبعاثات بشكل كبير في أنواع أخرى من التربة، خصوصًا في البيئات المغمورة بالمياه مثل حقول الأرز.
وتسلط هذه النتائج الضوء على حقيقة أساسية في علوم المناخ والزراعة، وهي أن الحلول المناخية لا تعمل بالطريقة نفسها في جميع الأنظمة البيئية.
غاز قوي التأثير في المناخ
رغم أن غاز أكسيد النيتروز (N₂O) لا يحظى بالاهتمام نفسه الذي يحظى به ثاني أكسيد الكربون، فإنه يعد من أخطر الغازات الدفيئة من حيث القدرة على تسخين الكوكب.
فبحسب التقديرات العلمية، يمكن لجزيء واحد من أكسيد النيتروز أن يحبس الحرارة في الغلاف الجوي بما يعادل نحو 265 ضعف قدرة ثاني أكسيد الكربون خلال فترة تمتد إلى 100 عام.
كما يتميز هذا الغاز بعمر طويل في الغلاف الجوي يصل في المتوسط إلى 121 عامًا، ما يعني أن أي زيادة في انبعاثاته اليوم قد تستمر آثارها المناخية لأكثر من قرن.
وتعد الزراعة المصدر الأكبر للانبعاثات البشرية من هذا الغاز، حيث ينتج أساسًا عن تحلل الأسمدة النيتروجينية داخل التربة بفعل نشاط الكائنات الدقيقة التي تحول النيتروجين بين أشكال مختلفة، بعضها يتحول في النهاية إلى أكسيد النيتروز.
الفحم الحيوي.. حل واعد لكن معقد
الفحم الحيوي هو مادة غنية بالكربون تنتج عبر تسخين المخلفات النباتية أو الزراعية في بيئة منخفضة الأكسجين، وهي عملية تُعرف باسم الانحلال الحراري، وقد حظي هذا المنتج باهتمام واسع لأنه قادر على:
- تحسين خصوبة التربة
- زيادة قدرتها على الاحتفاظ بالمياه
- تخزين الكربون لفترات طويلة
- تعديل درجة حموضة التربة
- التأثير في نشاط الكائنات الدقيقة
لكن هذه الخصائص نفسها هي التي تجعل تأثيره معقدًا ومتغيرًا بين بيئة وأخرى.
نتائج متناقضة بين التربة الجافة وحقول الأرز
في الدراسة الجديدة، قارن الباحثون تأثير إضافة الفحم الحيوي في نوعين مختلفين من التربة الزراعية:
- تربة مرتفعة وجافة نسبيًا (upland soil)
- تربة مغمورة بالمياه في حقول الأرز
وأظهرت النتائج اختلافًا واضحًا في التأثير المناخي.
ففي التربة الجافة الحمضية، ساعد الفحم الحيوي على تقليل انبعاثات أكسيد النيتروز، ويرجع ذلك إلى أن تركيبته المسامية وتفاعلاته الكيميائية ساهمت في تحفيز مسارات ميكروبية تحول أكسيد النيتروز إلى غاز النيتروجين العادي (N₂)، وهو غاز غير ضار بالمناخ.
كما لوحظ انخفاض في أعداد بعض الفطريات التي ترتبط بإنتاج أكسيد النيتروز، إلى جانب زيادة المؤشرات الجينية المرتبطة بعمليات إزالة هذا الغاز من التربة.
أما في حقول الأرز المغمورة بالمياه، فقد جاءت النتائج معاكسة تمامًا.
فإضافة الفحم الحيوي بنسبة تتراوح بين 3% و5% من التربة أدت إلى ارتفاع الانبعاثات بشكل حاد، إذ ارتفعت مستويات أكسيد النيتروز أكثر من خمسة أضعاف في بعض الحالات، وتجاوزت أربعة عشر ضعفًا في حالات أخرى مقارنة بالتربة غير المعالجة.
الميكروبات.. اللاعب الخفي
توضح الدراسة أن السبب الرئيسي وراء هذه النتائج المتباينة يعود إلى اختلاف المجتمعات الميكروبية في التربة.
فالميكروبات هي المسؤولة عن تحويل النيتروجين بين حالاته المختلفة عبر عمليات كيميائية حيوية معقدة مثل:
- النترجة (Nitrification)
- نزع النيتروجين (Denitrification)
وخلال هذه العمليات قد يتكون أكسيد النيتروز كمنتج وسيط. وإذا استمرت العملية حتى نهايتها يتحول هذا الغاز إلى نيتروجين عادي غير ضار.
لكن الظروف البيئية، مثل نسبة الأكسجين والرطوبة ودرجة الحموضة وتوافر الكربون، هي التي تحدد ما إذا كانت العملية ستكتمل أم ستتوقف عند مرحلة إنتاج أكسيد النيتروز.
في التربة الجافة، ساعد الفحم الحيوي على دعم الميكروبات التي تكمل العملية وتحول الغاز إلى نيتروجين.
أما في التربة المغمورة بالمياه، فقد وفر الفحم الحيوي مصدرًا إضافيًا للكربون والطاقة للميكروبات، ما أدى إلى تنشيط عدة مسارات ميكروبية منتجة لأكسيد النيتروز في الوقت نفسه.
كما لوحظ نمو أكبر لفطر معين يُعرف باسم Chaetomium، وهو أحد الكائنات المرتبطة بإنتاج هذا الغاز.
لماذا تختلف النتيجة من حقل لآخر؟
تشير الدراسة إلى أن تأثير الفحم الحيوي يعتمد على مجموعة واسعة من العوامل، من بينها:
- رطوبة التربة ومستوى الأكسجين
- درجة الحموضة
- نوع المحاصيل
- نوع الفحم الحيوي المستخدم
درجة حرارة إنتاجه
مصدر المادة النباتية المستخدمة في تصنيعه
فالفحم الحيوي ليس مادة موحدة؛ إذ تختلف خصائصه الكيميائية والمسامية باختلاف المواد الخام ودرجة الحرارة المستخدمة في إنتاجه.
وهذا يعني أن نفس المنتج قد يعطي نتائج مختلفة تمامًا عند استخدامه في أنواع مختلفة من التربة.
تحذير من تعميم الحلول المناخية
تسلط هذه النتائج الضوء على مشكلة أوسع في سياسات المناخ الزراعية، وهي الاعتماد على حلول عامة دون مراعاة اختلاف النظم البيئية.
فبينما ينظر إلى الفحم الحيوي غالبًا كأداة فعالة لتخزين الكربون وتقليل الانبعاثات، توضح الدراسة أن استخدامه دون تقييم دقيق لخصائص التربة قد يؤدي إلى زيادة الانبعاثات بدلًا من تقليلها.
ولهذا يدعو الباحثون إلى اعتماد نهج أكثر دقة يعتمد على تقييم محلي لكل نظام زراعي قبل تطبيق هذه التقنيات.
الحاجة إلى دراسات ميدانية طويلة الأمد
كما يشير الباحثون إلى أن التجارب الحالية أُجريت في ظروف مخبرية محكومة، وهو ما يسمح بفهم العلاقات السببية بين العوامل المختلفة، لكنه لا يعكس بالكامل التعقيدات الموجودة في الحقول الزراعية الحقيقية.
ففي الواقع، تتغير الظروف البيئية باستمرار نتيجة:
- الأمطار
- نمو الجذور
- الحرث الزراعي
- فترات الجفاف وإعادة الغمر
- تغيرات درجات الحرارة
وكل هذه العوامل قد تؤثر في التفاعلات الكيميائية والميكروبية داخل التربة.
لذلك يؤكد العلماء ضرورة إجراء تجارب ميدانية طويلة الأمد لرصد تأثير الفحم الحيوي على الانبعاثات عبر المواسم الزراعية المختلفة.
نحو استخدام أكثر ذكاءً للفحم الحيوي
رغم هذه التحديات، لا يعني ذلك أن الفحم الحيوي حل غير فعال. بل تشير الدراسة إلى أنه قد يكون أداة قوية لتقليل الانبعاثات في البيئات المناسبة، خصوصًا في التربة الجافة والحمضية.
لكن الاستفادة منه تتطلب تصميم استراتيجيات أكثر دقة تشمل:
- اختيار النوع المناسب من الفحم الحيوي
- تحديد الكمية المثلى للاستخدام
- توقيت التطبيق الزراعي
- مراعاة نوع التربة ونظام الري
وبذلك يمكن توجيه استخدام الفحم الحيوي إلى الأماكن التي يحقق فيها أكبر فائدة مناخية مع أقل مخاطر محتملة.
في النهاية، تكشف هذه الدراسة أن الطريق نحو زراعة منخفضة الانبعاثات لا يعتمد على حل واحد بسيط، بل على فهم عميق للتفاعلات المعقدة بين التربة والميكروبات والكربون والنيتروجين داخل النظم البيئية الزراعية.
