الضوء الطبيعي يساعد كبار السن على استقرار مستويات السكر بالدم ويحسن حرق الدهون
التعرض للنهار يحسّن التحكم في الجلوكوز لدى البالغين الأكبر سناً.. أداة مساعدة لإدارة مرض السكر
أظهرت دراسة حديثة أن التعرض للضوء النهاري الطبيعي يمكن أن يساعد كبار السن على الحفاظ على مستويات سكر مستقرة في الدم، مقارنة بالإضاءة الاصطناعية الثابتة المستخدمة عادة في المكاتب.
وقد أظهرت النتائج أن الإضاءة ليست مجرد عامل مريح بصريًا، بل تلعب دورًا حيويًا في تنظيم التمثيل الغذائي وإدارة مرض السكري من النوع الثاني.
تصميم التجربة
أجرى فريق بحثي في جامعة ماستريخت الهولندية تجربة دقيقة شملت مجموعة من المتطوعين البالغين من العمر 65 عامًا فما فوق.
عاش المشاركون لمدة 4.5 أيام في غرف مجهزة إما بنوافذ كبيرة تسمح بدخول الضوء الطبيعي، أو بإضاءة اصطناعية ثابتة. بعد فترة فاصلة لا تقل عن أربعة أسابيع، عاد كل مشارك للتجربة تحت ظروف الإضاءة المقابلة، مما أتاح مقارنة مباشرة بين تأثير الضوء الطبيعي والاصطناعي على أجسامهم.
الدراسة منشورة في مجلة Cell Metabolism.

تأثير الضوء على الساعة البيولوجية
يلعب الضوء الطبيعي دورًا أساسيًا في ضبط الإيقاع اليومي للجسم، وهو دورة بيولوجية تمتد على مدار 24 ساعة تتحكم في النوم، اليقظة، إفراز الهرمونات، واستخدام الطاقة.
وفقًا للبروفيسور يوريس هوكس، قائد الفريق البحثي: “معظم الناس يقضون أوقاتهم تحت الإضاءة الاصطناعية التي تقل شدتها وطيفها اللوني عن ضوء الشمس الطبيعي، ما قد يؤدي إلى اختلال الإيقاع اليومي للجسم.”
وقد أظهر المسح الوطني أن الأشخاص يقضون حوالي 87٪ من يومهم في الداخل، ما يقلل بشكل كبير من تعرضهم للضوء الطبيعي الضروري لضبط وظائف الجسم الحيوية.

تحسن مستويات الجلوكوز
اعتمد الباحثون على أجهزة مراقبة الجلوكوز المستمرة (Continuous Glucose Monitoring) التي توفر قراءة تقريبية لمستوى السكر كل عدة دقائق.
أظهرت البيانات أن المشاركين الذين تعرضوا للضوء الطبيعي قضوا حوالي 51٪ من اليوم ضمن نطاق الجلوكوز الطبيعي (70–180 mg/dL)، مقارنة بـ 43٪ تحت الإضاءة الاصطناعية.
كما كانت تقلبات الجلوكوز بين الذروة والمنخفض أقل وضوحًا عند التعرض للضوء الطبيعي، ما يعكس استقرارًا أفضل لمستويات السكر على مدار اليوم.

تغييرات في استخدام الطاقة وحرق الدهون
تمت مراقبة استهلاك الطاقة عبر اختبارات تعتمد على معدل التنفس، وكشفت النتائج أن التعرض للضوء الطبيعي عزز حرق الدهون أثناء النهار، خاصةً في منتصف النهار حوالي الساعة 1:00 مساءً، بينما قل اعتماد الجسم على الكربوهيدرات كمصدر للطاقة. هذا التحول يمكن أن يقلل الحاجة للإنسولين بعد الوجبات، مما يساهم في إدارة أفضل لمستوى الجلوكوز.
تأثير الضوء على الهرمونات والنسيج العضلي
أظهرت اختبارات اللعاب في المساء ارتفاعًا طفيفًا في مستويات الميلاتونين قبل النوم لدى المشاركين الذين تعرضوا للضوء الطبيعي، ما يشير إلى تعزيز إشارة الليل للجسم ودعم جودة النوم.
كما أظهرت اختبارات العضلات أن الضوء الطبيعي يمكن أن يؤثر على الساعة البيولوجية للأنسجة خارج العينين، بما في ذلك العضلات الهيكلية المسؤولة عن امتصاص الجلوكوز.
خلايا العضلات المزروعة في المختبر أظهرت توقيتًا بيولوجيًا أبكر بعد التعرض للنهار الطبيعي، مما قد يساهم في تحسين استخدام الجلوكوز خلال النهار.

تغييرات في الدم وعلم الأحياء الجزيئي
أجرت الدراسة تحليلاً متعدد الأبعاد للدم (multi-omics) لمراقبة مجموعة واسعة من الجزيئات البيولوجية، بما في ذلك الدهون والتمثيل الغذائي ونشاط الجينات المناعية.
أظهرت النتائج نمطًا مميزًا تحت ضوء النهار مقارنة بالإضاءة الاصطناعية، ما يشير إلى أن الضوء الطبيعي قد يكون إشارة أيضية تساعد على تنظيم العمليات البيولوجية الحيوية.
أهمية النتائج والتطبيقات المستقبلية
تؤكد الدراسة على أن الإضاءة الطبيعية ليست مجرد عنصر جمالي في المباني، بل يمكن أن تكون أداة دعم منخفضة المخاطر لتعزيز الصحة الأيضية، خصوصًا لدى كبار السن. ومع ذلك، تشير الدراسة إلى أن التجربة قصيرة المدى وعدد المشاركين محدود، ما يستدعي إجراء تجارب أكبر وعلى مدى أطول، في بيئات واقعية، لفهم تأثير ضوء النهار على الصحة العامة وإدارة السكري.
كما أن تصميم المباني والإضاءة الداخلية يمكن أن يعزز من التعرض للنهار الطبيعي، من خلال اختيار مواقع النوافذ، حجمها، اتجاهها، واستخدام الظلال والهياكل المحيطة، لتدعيم الإيقاع اليومي للجسم وتحسين استخدام الطاقة والتمثيل الغذائي.
خاتمة
تشير جميع البيانات – من مراقبة الجلوكوز، واختبارات العضلات، وتحليل الدم – إلى أن الضوء الطبيعي يعد إشارة أيضية مهمة. ومع استمرار البحث، قد يصبح ضوء النهار جزءًا من الاستراتيجيات الشاملة لإدارة مرض السكري، جنبًا إلى جنب مع النظام الغذائي، النشاط البدني، والأدوية.





