في وقت تتزايد فيه الضغوط العالمية على الموارد الطبيعية، وتتصاعد فيه تحديات المياه والأراضي الزراعية، تتقدم الصوب الزراعية في مصر من كونها مجرد تقنية حديثة إلى كونها قطاعًا استثماريًا وإنتاجيًا متكاملًا يعيد تشكيل خريطة الزراعة التقليدية.
هذا التحول لا يرتبط فقط بتحسين الإنتاجية، بل يمتد إلى إعادة تعريف العلاقة بين الموارد المحدودة والأمن الغذائي، عبر نموذج زراعي أكثر كفاءة وربحية وقدرة على التكيف مع التغيرات المناخية.
وخلال العقد الأخير، شهد هذا القطاع طفرة لافتة في التوسع، مدفوعًا بمزيج من الاستثمارات الخاصة والمشروعات القومية، ليصبح أحد أبرز مسارات الزراعة الحديثة في مصر، مع مؤشرات ربحية مرتفعة تجذب المستثمرين المحليين والدوليين على حد سواء.
وتشير بيانات القطاع إلى أن الصوب الزراعية باتت قادرة على تحقيق عوائد قد تصل إلى 200% في بعض الحالات، مع فترات استرداد لرأس المال لا تتجاوز ثلاث سنوات، وهو ما يعزز من جاذبيتها كأحد أسرع القطاعات الزراعية نموًا في البلاد.
إنتاجية مضاعفة.. ومعادلة اقتصادية جديدة للزراعة
من جانبه، أكد الخبير في الزراعة العضوية سمير الفقي، أن الصوب الزراعية تمتاز بكفاءة عالية في ترشيد استخدام الموارد، وهو عنصر حاسم في ظل ندرة المياه.
وأوضح أن إنتاجية فدان واحد من الصوب قد تعادل إنتاجية 10 أفدنة من الزراعة التقليدية، مع خفض استهلاك المياه بنسبة تصل إلى 75%.
وأشار إلى أن الزراعة المكشوفة تحتاج إلى نحو 4000 متر مكعب من المياه لفدان الخيار في الموسم، بينما تكتفي الصوب بنحو 1000 متر مكعب فقط، إضافة إلى انخفاض استخدام الأسمدة المعدنية بنسبة 50%، ما يرفع جودة الإنتاج ويعزز فرص التصدير.
تتراوح الأرباح السنوية بين 100% و200%
ورغم المزايا الإنتاجية، تتطلب الصوب الزراعية استثمارات أولية مرتفعة نسبيًا، تختلف بحسب مستوى التكنولوجيا المستخدمة.
فمتوسط تكلفة إنشاء الصوبة يبلغ نحو 340 جنيهًا للمتر المربع، لتصل تكلفة صوبة بمساحة فدان إلى نحو 1.3 مليون جنيه، بينما تقدر تكاليف التشغيل السنوية بنحو 300 ألف جنيه.
وشهدت الصوب الزراعية في مصر توسعًا ملحوظًا خلال السنوات الماضية، مدعومة بزيادة الاستثمارات الخاصة والمشروعات القومية.
80 صنفًا من المحاصيل داخل الصوب
ويمكن زراعة نحو 80 صنفًا من المحاصيل داخل الصوب، أبرزها الخضروات، وتستحوذ محاصيل الخيار والفلفل على نحو 89% من إجمالي النشاط، بمتوسط إنتاجية يبلغ 9.84 و9.19 كيلوجرام للمتر المربع، وفق بيانات جهاز التعبئة العامة والإحصاء.
وارتفع عدد الصوب الزراعية الخاصة في مصر بنحو 65% خلال العقد الماضي، ليصل إلى نحو 110 آلاف صوبة بحلول عام 2024، بإجمالي مساحة 14.6 ألف فدان، وإنتاج سنوي يقارب 600 ألف طن.
وتستحوذ محافظات الدقهلية والغربية والشرقية على نحو 60% من إجمالي عدد الصوب، مع تركّز الإنتاج في محاصيل الخضر، خصوصًا الخيار والفلفل.
وتسهم المشروعات القومية في دعم هذا التوسع، وعلى رأسها مشروع إنشاء 100 ألف صوبة زراعية في مناطق استراتيجية مثل قاعدة محمد نجيب والحمام والعاشر من رمضان.
ورغم هذا النمو السريع، ما تزال مساهمة الصوب الزراعية محدودة، إذ لا يتجاوز إنتاجها 600 ألف طن من إجمالي إنتاج الخضر في مصر البالغ نحو 27 مليون طن سنويًا، أي ما يعادل نحو 2.2% فقط.
ومع استمرار التوسع وتحسن كفاءة الإنتاج، يُتوقع أن ترتفع مساهمة الزراعة المحمية تدريجيًا، لتصبح أحد الأعمدة الرئيسية للأمن الغذائي وزيادة الصادرات الزراعية في مصر.
فجوة إنتاجية وفرصة مستقبلية
ورغم هذا التوسع، لا تزال مساهمة الصوب الزراعية في إجمالي الإنتاج الزراعي محدودة، إذ لا تتجاوز 2.2% من إنتاج الخضر في مصر، مقارنة بإجمالي إنتاج يتجاوز 27 مليون طن سنويًا من الخضر على مساحة تقارب 2.4 مليون فدان.
لكن مع استمرار التوسع وتحسن كفاءة الإدارة والتكنولوجيا، يتوقع خبراء القطاع أن تتحول الصوب الزراعية تدريجيًا إلى أحد الأعمدة الرئيسية للأمن الغذائي في مصر، إلى جانب دورها المتزايد في دعم الصادرات الزراعية ذات القيمة المضافة.
الصوب الزراعية في مصر لم تعد مجرد خيار تقني، بل أصبحت نموذجًا اقتصاديًا متكاملًا يعيد تعريف الإنتاج الزراعي، بين ندرة الموارد من جهة، وفرص التوسع في الربحية والتصدير من جهة أخرى، في قطاع مرشح ليكون أحد أكثر القطاعات تأثيرًا في مستقبل الزراعة المصرية خلال العقد القادم.
