علاقة خفية بين الأمعاء والمزاج.. كيف تؤثر السمنة على الدماغ؟
السمنة لا تضر القلب فقط.. بل قد تعصف بالصحة النفسية أيضًا
قلقك قد يبدأ من معدتك.. دراسة تربط بين الدهون والاضطرابات النفسية
تتزايد معدلات السمنة والقلق، لا سيما بين الشباب. يدرك معظم الناس المخاطر الصحية الجسدية للسمنة، مثل أمراض القلب والسكري، لكنهم قد لا يدركون أنها قد تؤثر على الصحة النفسية أيضًا.
تشير دراسة جديدة إلى وجود رابط قوي بين الأمعاء والدماغ يربط بين السمنة والقلق.
فقد أظهرت الأبحاث التي أجراها علماء في جامعة ولاية جورجيا أن السمنة الناتجة عن النظام الغذائي يمكن أن تسبب سلوكيات شبيهة بالقلق، وذلك استنادًا إلى دراسات أُجريت على الفئران.
ومن المقرر عرض هذه النتائج في مؤتمر NUTRITION 2025، وهو الاجتماع السنوي الرائد للجمعية الأمريكية للتغذية.
كما حدد الخبراء تغييرات في إشارات المخ، بالإضافة إلى اختلافات في ميكروبات الأمعاء، يمكن أن تسهم في ضعف وظائف الدماغ.
كيف ترتبط السمنة بالقلق؟
قالت الدكتورة ديزيريه واندرز، الأستاذة المشاركة ورئيسة قسم التغذية في جامعة ولاية جورجيا: “أشارت العديد من الدراسات إلى وجود صلة بين السمنة والقلق، على الرغم من أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت السمنة تسبب القلق بشكل مباشر، أو ما إذا كان الارتباط يتأثر بالضغوط المجتمعية.”
وأضافت: “تشير نتائجنا إلى أن السمنة يمكن أن تؤدي إلى سلوك يشبه القلق، ربما بسبب التغيرات في كل من وظائف المخ وصحة الأمعاء.”
ولفهم أفضل لكيفية تأثير السمنة على الدماغ، استخدم الباحثون نموذجًا للفأر يعكس العديد من المشكلات البشرية المرتبطة بالسمنة.
قام الفريق بتربية 32 فأرًا ذكرًا منذ مرحلة المراهقة وحتى بداية مرحلة البلوغ، وهي فترة نموٍّ تُضاهي مرحلة الانتقال من المراهقة إلى الرشد لدى الإنسان. أُطعم نصف الفئران نظامًا غذائيًا قليل الدسم، بينما حصل النصف الآخر على نظام غذائي غني بالدهون.
النظام الغذائي وزيادة الوزن والسلوك
بحلول نهاية الدراسة، اكتسبت المجموعة التي تناولت نظامًا غذائيًا عالي الدهون وزنًا ودهونًا أكبر بكثير من المجموعة التي تناولت نظامًا غذائيًا منخفض الدهون.
أظهرت الاختبارات السلوكية أن الفئران البدينة أبدت سلوكيات أكثر شبهًا بالقلق. ومن أبرز الدلائل على ذلك تجمدها لفترات أطول، وهي استجابة دفاعية شائعة عند الشعور بالتهديد.
أظهر ملخص الدراسة أن الفئران الذكور التي تناولت نظامًا غذائيًا غنيًا بالدهون لمدة 15 أسبوعًا شهدت زيادة ملحوظة في وزن الجسم ونسبة الدهون فيه، وسلوكًا شبيهًا بالقلق، إلى جانب اختلافات في التعبير الجيني في منطقة تحت المهاد، واختلافات في تركيب ميكروبات الأمعاء مقارنة بالفئران النحيفة.
لاحظ الباحثون أيضًا تغيرات في منطقة تحت المهاد، وهي منطقة في الدماغ تلعب دورًا مهمًا في تنظيم عمليات الأيض.
وقد ترتبط أنماط الإشارات المتغيرة هذه باختلالات إدراكية لوحظت لدى الفئران البدينة.

دور ميكروبيوم الأمعاء
من النتائج البارزة الأخرى ما يتعلق بالأمعاء، فقد أظهرت الفئران البدينة تركيبة مختلفة من بكتيريا الأمعاء مقارنة بالفئران النحيفة.
تدعم هذه النتيجة أبحاثًا أخرى تبيّن تأثير ميكروبيوم الأمعاء على السلوك. وربما يكون تغير الميكروبيوم إحدى الطرق التي تؤثر بها السمنة على صحة الدماغ.
ورغم أن الدراسة أُجريت على الفئران، يعتقد الباحثون أنها تقدم أدلة مهمة يمكن أن تنطبق على البشر أيضًا.
وأشار الدكتور واندرز إلى أن دراسة أنظمة متعددة معًا – مثل الأمعاء والدماغ – أمر بالغ الأهمية لفهم الصورة الكاملة.
وقال: “قد تكون لهذه النتائج آثار مهمة على الصحة العامة والقرارات الشخصية، تُسلّط الدراسة الضوء على التأثير المحتمل للسمنة على الصحة النفسية، خاصة فيما يتعلق بالقلق.”
وأضاف: “من خلال فهم العلاقة بين النظام الغذائي وصحة الدماغ وميكروبات الأمعاء، قد يساعد هذا البحث في توجيه مبادرات الصحة العامة التي تركز على الوقاية من السمنة والتدخل المبكر، خصوصًا بين الأطفال والمراهقين.”
السمنة والصحة العقلية
أكد الدكتور واندرز أن ظروف الدراسة كانت تحت رقابة دقيقة، إلا أن الواقع أكثر تعقيدًا، فهناك عوامل عديدة تؤثر في السمنة والصحة النفسية، تتجاوز النظام الغذائي وحده.
وقال: “بينما تشير نتائجنا إلى أن النظام الغذائي يلعب دورًا مهمًا في الصحة البدنية والعقلية، يجب أن نتذكر أنه مجرد جزء واحد من اللغز”، موضحا “تؤثر العوامل البيئية، والجينات، واختيارات نمط الحياة، والوضع الاجتماعي والاقتصادي أيضًا في خطر الإصابة بالسمنة والنتائج الصحية المصاحبة لها.”
وأضاف: “لذلك، وعلى الرغم من أهمية هذه النتائج، ينبغي النظر إليها في سياق نهج أوسع متعدد العوامل لفهم ومعالجة ضعف الإدراك ومشكلات الصحة العقلية المرتبطة بالسمنة.”
الاتجاهات المستقبلية في أبحاث السمنة
يأمل الفريق مستقبلًا في دراسة الكيفية التي تؤثر بها التغيرات في ميكروبيوم الأمعاء الناتجة عن السمنة على الدماغ بمزيد من التفصيل، كما يخططون لتوسيع نطاق البحث ليشمل إناث الفئران وفئات عمرية مختلفة.
وسيركز البحث المستقبلي أيضًا على ما إذا كانت التدخلات الرامية إلى إنقاص الوزن قادرة على عكس التغيرات المعرفية والسلوكية التي لوحظت في الدراسة.
وتطرح هذه الدراسة مناقشة جديدة حول مدى الترابط العميق بين صحتنا الجسدية والنفسية – وكيف يمكن أن يكون للأمعاء دور أكبر بكثير مما كنا نتوقع.
ومع تعمق البحث، من الممكن أن تقدم النتائج استراتيجيات جديدة لمعالجة التحديات النفسية والجسدية معًا، بدلاً من التعامل معها كقضايا منفصلة.





