الذهب يستعيد بريقه.. توقعات بوصوله إلى 6 آلاف دولار للأوقية
موجة صعود جديدة للذهب.. 4 عوامل تدفع المعدن النفيس نحو قمة تاريخية
استعادت أسعار الذهب زخمها الصعودي مجددًا، بعدما ارتفع المعدن النفيس إلى أعلى مستوى له في 9 أسابيع، مدعومًا بضعف بيانات سوق العمل الأمريكية وتراجع التوقعات بشأن تشديد السياسة النقدية، في وقت تتزايد فيه الرهانات على استمرار صعود الذهب خلال الأشهر المقبلة.
وارتفع الذهب في المعاملات الفورية، الاثنين، بنسبة 0.9% إلى نحو 4379.46 دولارًا للأوقية، بينما صعدت العقود الأمريكية الآجلة للذهب بنسبة مماثلة إلى نحو 4439.70 دولارًا للأوقية.
ووصل الذهب بذلك إلى أعلى مستوى له منذ 5 يونيو/حزيران الماضي، بعد صدور بيانات أمريكية أظهرت ضعفًا مفاجئًا في سوق العمل.
ورغم هذه المكاسب، لا يزال المعدن النفيس بعيدًا عن قمته التاريخية التي سجلها في يناير/كانون الثاني 2026، عندما بلغ نحو 5589 دولارًا للأوقية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: هل يمثل الصعود الحالي بداية موجة جديدة يمكن أن تدفع الذهب لاستعادة قمته السابقة وتجاوزها؟
توقعات بوصول الذهب إلى 5 آلاف دولار
تتزايد التوقعات الإيجابية بشأن الذهب، إذ توقع بنك «يو بي إس» السويسري ارتفاع سعر المعدن النفيس إلى نحو 5 آلاف دولار للأوقية خلال النصف الأول من عام 2027، في ظل استمرار الطلب القوي عليه.
وأشار البنك إلى أن التوقعات على المدى المتوسط والطويل لا تزال مدعومة بعدة عوامل أساسية، رغم احتمالات استمرار التقلبات على المدى القصير.
وفي توقع أكثر تفاؤلًا، رجح باحثون في بنك «جيه بي مورغان» ارتفاع الذهب إلى نحو 6 آلاف دولار للأوقية خلال الربع الأخير من عام 2026، مع إمكانية وصوله إلى نحو 6300 دولار بنهاية عام 2027.
وفي حال تحقق هذه التوقعات، فسيتجاوز الذهب قمته التاريخية المسجلة في يناير/كانون الثاني الماضي بفارق كبير.
سوق العمل الأمريكي يدعم الذهب
جاءت الموجة الأخيرة من ارتفاع الذهب بعد بيانات أمريكية ضعيفة لسوق العمل، أظهرت أن الاقتصاد الأمريكي فقد أكثر من 23 ألف وظيفة في يوليو/تموز على نحو غير متوقع.
كما جرى خفض تقديرات الوظائف المضافة خلال مايو/أيار من 129 ألف وظيفة إلى 63 ألفًا، وخفض وظائف يونيو/حزيران من 57 ألفًا إلى 20 ألفًا، لتصبح حصيلة الشهرين أقل بنحو 103 آلاف وظيفة مقارنة بالتقديرات السابقة.
وتضغط هذه البيانات على توقعات السياسة النقدية الأمريكية، إذ تزيد احتمالات اتجاه مجلس الاحتياطي الفدرالي إلى خفض أسعار الفائدة إذا استمر تباطؤ سوق العمل وتراجع التضخم.
وأشارت أداة «فيد ووتش» التابعة لبورصة شيكاغو التجارية (CME) إلى أن المتعاملين يتوقعون احتمالًا يبلغ نحو 44% لتحرك أسعار الفائدة في سبتمبر/أيلول، مقابل 57% قبل صدور بيانات الوظائف.
وتعد أسعار الفائدة أحد أهم المحركات التقليدية للذهب؛ فعندما تتراجع عوائد أدوات الدين الأمريكية، يصبح الاحتفاظ بالذهب أكثر جاذبية نسبيًا للمستثمرين، رغم أن المعدن النفيس لا يدر عائدًا دوريًا.
التضخم وقرارات الفدرالي تحت المجهر
تتجه أنظار المستثمرين الآن إلى بيانات التضخم الأمريكية، وفي مقدمتها مؤشر أسعار المستهلكين المقرر صدوره الأربعاء، وبيانات أسعار المنتجين المنتظر صدورها الخميس.
وتكتسب هذه البيانات أهمية كبيرة لأنها قد تحدد اتجاه السياسة النقدية الأمريكية خلال الفترة المقبلة، وبالتالي تؤثر مباشرة في حركة الدولار وعوائد السندات والذهب.
ويتوقع خبراء اقتصاد استطلعت وكالة رويترز آراءهم ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين في يوليو/تموز بنسبة 3.4% على أساس سنوي، مقارنة مع 3.5% في يونيو/حزيران.
ومن شأن استمرار تراجع التضخم أو بقائه تحت السيطرة أن يقلل الضغوط على الاحتياطي الفدرالي ويمنح صانعي السياسة مجالًا أكبر للتحرك نحو خفض أسعار الفائدة.
وقال محلل الأسواق في «أمريكان غولد إكستشينج» جيم ويكوف إن بيانات التضخم ستكون مهمة بالنسبة إلى حركة الذهب، مشيرًا إلى أن عدم ظهور ارتفاع كبير في الأسعار قد يدفع المعدن النفيس إلى التحرك في نطاق عرضي مع ميل للصعود على المدى القريب.
ماذا يحدث لأسعار الطاقة؟
تؤثر أسعار الطاقة أيضًا في معادلة الذهب من خلال علاقتها بالتضخم والسياسة النقدية.
وكان ارتفاع أسعار الطاقة قد زاد الضغوط التضخمية في الولايات المتحدة، وهو ما يدعم الأصوات المطالبة بالحذر في خفض الفائدة.
لكن تراجع حدة التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، إلى جانب الجهود الرامية إلى إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة بصورة كاملة، ساعدا على تخفيف الضغوط عن أسعار النفط مقارنة بالمستويات التي سجلتها خلال ذروة التوترات.
ويظل مسار أسعار الطاقة عنصرًا مهمًا في توقعات التضخم، وبالتالي في قرارات الاحتياطي الفدرالي ومسار الذهب.
البنوك المركزية.. المحرك الخفي للذهب
بعيدًا عن الفائدة الأمريكية، تبرز مشتريات البنوك المركزية باعتبارها أحد أهم العوامل الداعمة للطلب العالمي على الذهب.
وأشار تقرير لبنك «جيه بي مورجان» إلى أن البنوك المركزية اشترت في المتوسط نحو 225 طنًا من الذهب كل ربع سنة خلال الفترة من 2021 إلى 2025، أي نحو ضعف متوسط مشترياتها خلال الفترة من 2016 إلى 2020.
وتعكس هذه المشتريات توجهًا متزايدًا لدى العديد من البنوك المركزية لتنويع احتياطياتها وتقليل الاعتماد على الأصول المقومة بالدولار، مع زيادة حصة الذهب في الاحتياطيات الرسمية.
وأظهرت أحدث بيانات مجلس الذهب العالمي أن إجمالي الطلب العالمي على الذهب خلال النصف الأول من 2026 ارتفع بنسبة 2% إلى نحو 2522 طنًا، بقيمة مالية بلغت نحو 380 مليار دولار، رغم استقرار الطلب خلال الربع الثاني عند نحو 1269 طنًا.
كما أضافت البنوك المركزية نحو 289 طنًا إلى احتياطياتها خلال النصف الأول من العام، بزيادة بلغت 62% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
واللافت أن نحو 45% من البنوك المركزية أبدت نيتها زيادة حيازاتها من الذهب خلال الأشهر الـ12 المقبلة، وفق بيانات مجلس الذهب العالمي.
وتشير تقديرات السوق أيضًا إلى أن جزءًا من مشتريات البنوك المركزية لا يتم الإعلان عنه بصورة فورية، وهو ما يعني أن الطلب الرسمي الفعلي قد يكون أكبر من الأرقام المعلنة.
هل يعود الذهب إلى 5589 دولارًا؟
رغم قوة العوامل الداعمة للذهب، فإن الطريق نحو القمة التاريخية ليس مضمونًا، إذ تظل حركة المعدن النفيس شديدة الحساسية لأسعار الفائدة والدولار وعوائد سندات الخزانة الأمريكية والتضخم والتوترات الجيوسياسية.
ويحتاج الذهب إلى استمرار مجموعة من العوامل في الاتجاه نفسه حتى يتمكن من تجاوز مستوى 5589 دولارًا للأوقية الذي سجله في يناير/كانون الثاني 2026.
وفي المقابل، فإن استمرار مشتريات البنوك المركزية، وتزايد الطلب الاستثماري، وتراجع أسعار الفائدة الأمريكية أو توقعات خفضها، إلى جانب استمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي، يمكن أن تمنح الذهب دفعة جديدة.
وتشير توقعات «جيه بي مورغان» إلى سيناريو أكثر تفاؤلًا، إذ قد يصل الذهب إلى 6 آلاف دولار للأوقية في الربع الأخير من 2026، بينما يتوقع البنك إمكانية بلوغه 6300 دولار بنهاية 2027.
وبذلك، يبدو أن الذهب يقف أمام اختبار جديد: إما أن تتحول الموجة الحالية إلى صعود تاريخي جديد، أو أن تعيد الفائدة والتضخم والدولار المعدن النفيس إلى مرحلة من التذبذب قبل محاولة جديدة لاختراق قمته.




