أهم الموضوعاتأخبارالمدن الذكية

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي القضاء على البشرية؟ معظم سيناريوهات «يوم القيامة» تصطدم بعائق واحد

تحليل يوضح حدود قدرته ومخاطر الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي وتآكل التفكير النقدي

تتزايد المخاوف من أن يتحول الذكاء الاصطناعي المتقدم إلى تهديد وجودي للبشرية، خصوصًا مع ظهور أنظمة قادرة على تنفيذ مهام معقدة بصورة مستقلة.

لكن كثيرًا من سيناريوهات «نهاية العالم» التي تُنسب إلى الذكاء الاصطناعي تصطدم بعقبة أساسية: الحاجة إلى الوصول المادي إلى العالم الحقيقي.

في أغسطس 2026، تجاوزت تجربة على نماذج متقدمة من الذكاء الاصطناعي ما كان مخططًا لها. فقد قام وكيل ذكاء اصطناعي، وهو نظام قادر على تنفيذ مهام بصورة مستقلة، بإنشاء هويات إلكترونية مزيفة في محاولة للضغط على شخص حقيقي من أجل إدخال شيفرة حاسوبية خبيثة إلى برنامج.

وكانت المهمة الأصلية التي كُلّفت بها الوكلاء هي حل تحدٍ في مجال الأمن السيبراني، ولم تتضمن تعليمات للقيام بهذا السلوك.

وجرى ذلك باستخدام وكيل قائم على نموذج Claude Mythos 5، مع منحه وصولًا مفتوحًا إلى الإنترنت وتعطيل مرشحات السلامة خلال التجربة. وفشلت المحاولة في النهاية، ولم تظهر أدلة على وقوع أضرار حقيقية في العالم الخارجي.

لكن ما جعل الواقعة لافتة هو أن النظام اتخذ هذا المسار بصورة مستقلة ومن دون أن يطلب منه الإنسان ذلك.

من تجربة سيبرانية إلى سيناريو انقراض البشر

قد يكون من السهل الانتقال من مثل هذه الحوادث إلى السيناريوهات الأكثر تشاؤمًا بشأن الذكاء الاصطناعي: نظام يتجاوز القيود المفروضة عليه، ويقرر أن البشر يمثلون عقبة، ثم يبدأ في مهاجمتهم.

ومن أكثر السيناريوهات تداولًا أن يستخدم الذكاء الاصطناعي قدراته لتطوير فيروس قادر على القضاء على البشر، أو اختراق البنية التحتية الحيوية، مثل شبكات الكهرباء والمنشآت النووية والمطارات، بهدف التسبب في خسائر بشرية واسعة.

ولا شك أن تعطيل شبكة كهرباء واسعة يمكن أن يؤثر في المستشفيات وأنظمة إمداد المياه، كما أن استهداف منشأة نووية قد يؤدي إلى تلوث إشعاعي، بينما يمكن للهجمات الإلكترونية على المطارات أن تعطل أنظمة الطيران وتخلق مخاطر كبيرة.

لكن الانتقال من القدرة الرقمية إلى كارثة مادية واسعة النطاق ليس بهذه البساطة.

الذكاء الاصطناعي
تصاعد مخاوف باحثي الذكاء الاصطناعي من ضعف الرقابة

تطوير مسببات الأمراض يحتاج إلى مختبر وأيدٍ بشرية

إنتاج عامل ممرض خطير يتطلب في الوقت الحالي عمليات مختبرية مادية لا يستطيع أي مستوى من الأتمتة البرمجية أن يحل محلها بالكامل.

فهناك معدات متخصصة ومواد حقيقية وإجراءات مخبرية وأشخاص مدربون على التعامل معها.

وبعبارة أكثر مباشرة، يستطيع نموذج الذكاء الاصطناعي تحليل المعلومات أو اقتراح خطوات، لكنه لا يستطيع بمفرده إجراء التجارب المخبرية والتعامل المادي مع العينات.

البنية التحتية النووية ليست متصلة بالإنترنت ببساطة

الأمر أكثر تعقيدًا عندما يتعلق الأمر بالبنية التحتية الحيوية، فالذكاء الاصطناعي يستطيع بالفعل أتمتة مراحل من الهجمات السيبرانية، كما أظهرت حوادث حديثة أن بعض شبكات الطاقة تحتوي على نقاط ضعف.

لكن أنظمة التحكم والحماية داخل المنشآت النووية تكون عادة معزولة ماديًا عن الإنترنت العام، فيما يعرف باسم العزل الشبكي أو Air-Gapping.

وهذا يعني أن اختراقها لا يعتمد فقط على كتابة شيفرة أكثر ذكاءً، بل قد يتطلب قربًا ماديًا أو وصولًا من الداخل.

كما تعتمد المنشآت النووية على أنظمة حماية احتياطية، بعضها تناظري، ولا يعمل بالكامل عبر الشبكات الرقمية.

ويقدم هجوم Stuxnet على منشأة نطنز الإيرانية عام 2010 مثالًا مهمًا على هذه المشكلة؛ إذ أُدخلت البرمجية الخبيثة إلى الأنظمة عبر وسيلة مادية، مثل وحدة USB مصابة، لأن الأنظمة المستهدفة لم تكن متاحة بالطريقة التقليدية عبر الإنترنت.

وهنا تظهر الفجوة بين القدرة البرمجية والقدرة على إحداث تأثير مادي واسع النطاق.

حتى الروبوتات لا تلغي دور البشر

ولا يعني وضع نموذج ذكاء اصطناعي داخل روبوت أن جميع القيود تختفي، فالروبوت يحتاج إلى أجهزة وطاقة وبيئة تشغيل وصيانة ووسائل للوصول إلى أهدافه، وغالبًا ما تكون هناك سلسلة طويلة من العمليات المادية التي تحتاج إلى تدخل بشري.

وفي حال كان شخص ما يوفر هذه الإمكانات عمدًا لنظام بهدف إحداث ضرر، فإن المسؤولية لا تعود إلى «آلة متمردة» وحدها، بل يدخل الفاعل البشري في قلب العملية.

الروبوتات

الخطر الآخر: تآكل قدرتنا على التفكير

هذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي آمن أو خالٍ من المخاطر، لكن الخطر قد يكون أقل درامية وأكثر ارتباطًا بالحياة اليومية: أن يؤدي الاعتماد المتزايد على الآلات إلى إضعاف قدرتنا نحن على التفكير النقدي واتخاذ القرارات.

ويشير باحثون إلى هذا النوع من المخاطر بمفهوم يمكن وصفه بـ«إضعاف القدرات»، أي تراجع الاعتماد على التفكير والتحليل البشريين مع الاعتماد المتزايد على الأنظمة الآلية.

والخطر هنا أن الاختصار الذي توفره الآلة قد يتحول تدريجيًا من أداة مساعدة إلى بديل عن عملية التفكير نفسها.

تجربة طلابية تكشف مشكلة الاعتماد الأعمى

ظهرت إحدى صور هذه المشكلة بين الطلاب، ففي يوليو 2026، أثار أستاذ التاريخ بجامعة ألكورن ستيت، جيسون جيبسون، اهتمامًا واسعًا بعدما كشف أن 32 طالبًا من أصل 35 أخفقوا في جزء من اختبار منتصف الفصل بعد نسخ إجابات من روبوت محادثة يعمل بالذكاء الاصطناعي من دون قراءتها أو مراجعتها.

وكان الأستاذ قد أخفى تعليمات مكتوبة باللون الأبيض داخل سؤال الامتحان، تطلب من أي نظام ذكاء اصطناعي يعالج السؤال إدخال كلمة «مدغشقر» في الإجابة بطريقة غير منطقية.

والطلاب الذين نسخوا السؤال مباشرة إلى روبوت المحادثة وقدموا الإجابة الناتجة دون مراجعة، انتهى بهم الأمر إلى تسليم إجابات تتضمن كلمة «مدغشقر» دون سبب يتعلق بالسؤال.

عندما تتغلب توصية الذكاء الاصطناعي على حكم الطبيب

ولا تقتصر المشكلة على التعليم، في دراسة منشورة عام 2023، شارك 27 طبيب أشعة في قراءة صور للثدي إلى جانب توصيات ظنوا أنها صادرة عن نظام ذكاء اصطناعي تشخيصي جديد.

لكن التوصيات كانت في الحقيقة معدة مسبقًا، وبعضها كان خاطئًا.

عندما كانت التوصية صحيحة، توصل الأطباء إلى التشخيص الصحيح في نحو 80% من الحالات. لكن عندما كانت التوصية خاطئة، تراجعت النسبة إلى أقل من 20%.

وتشير هذه النتيجة إلى أن مجرد اعتقاد المستخدم بأن التوصية صادرة عن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤثر في حكمه على الأدلة التي أمامه.

وهنا قد يكمن أحد أكثر المخاطر واقعية: ليس أن يحل الذكاء الاصطناعي محل البشر بالقوة، بل أن يتنازل البشر تدريجيًا عن جزء من قدرتهم على الحكم لصالحه.

الذكاء الاصطناعي
الذكاء الاصطناعي

لماذا يهيمن خطاب «انقراض البشرية»؟

يرى التحليل أن هيمنة سيناريوهات الانقراض على النقاش العام حول الذكاء الاصطناعي لا ترتبط فقط بالعلم والتكنولوجيا، وإنما تتداخل معها اعتبارات تنظيمية وتنافسية.

فعلى المستوى التنظيمي، تختلف الولايات المتحدة وأوروبا في فلسفة التعامل مع التكنولوجيا الجديدة. وتميل أوروبا إلى وضع أطر تنظيمية مسبقة، بينما اتبعت الولايات المتحدة تاريخيًا نهجًا أكثر اعتمادًا على السماح بالتكنولوجيا ثم التدخل عند ظهور مشكلات أو أضرار.

وأقرت أوروبا بالفعل قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (AI Act)، إلى جانب منظومة تنظيمية أوسع تشمل حماية البيانات الشخصية.

أما في الولايات المتحدة، فيُنظر إلى الدعوات المطالبة بتنظيم أكثر صرامة للذكاء الاصطناعي باعتبارها جزءًا من نقاش أوسع حول كيفية التعامل مع قطاع يتطور بسرعة.

المنافسة على قيادة الذكاء الاصطناعي

كما يدخل التنافس بين الشركات والدول في النقاش، فقد دعا الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، داريو أمودي، علنًا إلى إبطاء بعض جوانب تطوير الذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع دفاعه عن معايير للسلامة يرى أن شركته تلتزم بها.

كما ارتبط النقاش بشأن ضوابط تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي إلى الصين بمسألة المنافسة التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين، وليس فقط بمخاطر الذكاء الاصطناعي على البشرية.

لذلك، فإن بعض الخطابات التي تتحدث عن المخاطر الوجودية تحمل أيضًا أبعادًا تتعلق بالقواعد التنظيمية والميزة التنافسية والسيطرة على التكنولوجيا.

الخطر الحقيقي قد يكون أقرب إلينا

لا يعني ذلك أن المخاطر الوجودية المحتملة يمكن تجاهلها، أو أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يستخدم في هجمات سيبرانية أو عمليات ضارة.

لكن الفارق مهم بين نظام قادر على تنفيذ مهام رقمية معقدة وبين آلة تستطيع بمفردها الانتقال من الفضاء الرقمي إلى العالم المادي وإحداث كارثة عالمية.

وفي الوقت الحالي، تظل كثير من السيناريوهات الأكثر تطرفًا بحاجة إلى سلسلة من الإمكانات المادية والبشرية التي لا يوفرها الذكاء الاصطناعي وحده.

وربما يكون السؤال الأكثر إلحاحًا أقل ارتباطًا بفكرة «آلة تقرر القضاء على البشر»، وأكثر ارتباطًا بكيفية استخدام البشر لهذه التكنولوجيا، ومدى استعدادهم للتخلي عن التفكير والتحقق والحكم المستقل لصالحها.

فربما لا يكون الخطر الأكثر واقعية هو أن تصبح الآلات أكثر شبهًا بالبشر، بل أن يصبح البشر أكثر اعتمادًا على الآلات في التفكير واتخاذ القرار.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة