في الوقت الذي يُنظر فيه إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره ثورة رقمية تعمل داخل “السحابة”، تكشف التطورات الأخيرة أن هذه الثورة تعتمد في الواقع على بنية تحتية مادية هائلة تستهلك كميات غير مسبوقة من الكهرباء والمياه والأراضي، ما يفرض تحديات بيئية واقتصادية متزايدة أمام الحكومات وشركات التكنولوجيا.
ويؤكد خبراء الطاقة أن المنافسة العالمية لم تعد تدور فقط حول تطوير الرقائق الإلكترونية أو النماذج الذكية، بل أصبحت ترتبط أيضًا بقدرة الدول على توفير الطاقة والمياه والبنية التحتية اللازمة لاستضافة مراكز البيانات العملاقة، التي أصبحت القلب النابض لتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
مراكز البيانات.. مصانع القرن الحادي والعشرين
تعتمد تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي والحوسبة السحابية على آلاف مراكز البيانات الضخمة المنتشرة حول العالم، والتي تضم ملايين الخوادم العاملة على مدار الساعة.
وتشير التقديرات إلى أن هذه المنشآت تحتاج إلى إمدادات كهربائية مستقرة على مدار 24 ساعة، إضافة إلى ملايين الجالونات من المياه العذبة سنويًا لتبريد الخوادم ومنع ارتفاع درجات حرارتها.
وأصبح الحصول على الأراضي المناسبة، وربط هذه المراكز بشبكات الكهرباء، وتوفير مصادر مياه مستدامة، من أكبر العقبات أمام توسع قطاع الذكاء الاصطناعي عالميًا.
فيرجينيا الأمريكية.. عاصمة الإنترنت تواجه أزمة
تمثل ولاية فرجينيا الأمريكية النموذج الأبرز لهذا التحول، إذ تضم أكثر من 300 مركز بيانات عملاق، تعالج ما يقارب 70% من حركة الإنترنت العالمية.
لكن هذا التوسع أدى إلى ضغوط غير مسبوقة على شبكات الكهرباء، حيث وصلت فترات انتظار توصيل بعض المشروعات الجديدة بالشبكة إلى نحو سبع سنوات.
كما أثارت مشروعات إنشاء خطوط نقل كهرباء جديدة، تمتد لعشرات الكيلومترات، اعتراضات من السكان والمزارعين، بسبب تأثيرها على الأراضي الزراعية والمواقع التاريخية والطبيعية.
لأول مرة.. ضرائب على استهلاك الكهرباء
في محاولة لتقاسم تكلفة هذه الضغوط، أقرت ولاية فرجينيا ضريبة جديدة على الكهرباء المستهلكة في مراكز البيانات، لتصبح أول ولاية أمريكية تتبنى هذا النوع من الرسوم.
وتهدف الخطوة إلى منع انتقال تكلفة تطوير شبكات الكهرباء إلى المواطنين، مع إلزام شركات التكنولوجيا بتحمل جزء من الأعباء التي تفرضها على البنية التحتية.
ويعتبر خبراء الطاقة هذه الخطوة بداية مرحلة جديدة من تنظيم قطاع الذكاء الاصطناعي، بحيث تتحمل الشركات التكلفة الحقيقية لاستهلاك الموارد الطبيعية.
أزمة المياه.. ليست كل المياه متساوية
غالبًا ما تدافع شركات التكنولوجيا عن نفسها بالإشارة إلى أن استهلاك مراكز البيانات للمياه أقل من استهلاك ملاعب الجولف أو بعض الأنشطة الزراعية.
لكن متخصصين في إدارة المياه يرون أن هذه المقارنة مضللة، لأن مراكز البيانات تعتمد على مياه شرب معالجة وعالية الجودة، وهي نفس المياه التي يستخدمها السكان في المنازل، بينما تعتمد الزراعة غالبًا على مياه الآبار أو الأنهار أو الأمطار.
وفي شمال ولاية فرجينيا وحدها، تضاعف استهلاك مراكز البيانات للمياه الصالحة للشرب بين عامي 2019 و2023 ليقترب من ملياري جالون سنويًا.
أما في ولاية تكساس، فتشير التقديرات إلى إمكانية وصول استهلاك القطاع إلى نحو 399 مليار جالون سنويًا بحلول عام 2030 إذا استمرت وتيرة التوسع الحالية.
الطاقة المتجددة وحدها لا تكفي
تحاول شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل مايكروسوفت وجوجل وميتا، الاعتماد على الكهرباء المنتجة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لتقليل بصمتها الكربونية.
غير أن خبراء الكهرباء يؤكدون أن مراكز البيانات تحتاج إلى كهرباء مستقرة على مدار الساعة، بينما تعتمد الطاقة الشمسية والرياح على الظروف الجوية.
ولهذا تضطر شركات الكهرباء إلى الإبقاء على محطات الغاز الطبيعي أو الفحم كاحتياطي لتوفير الكهرباء عند غياب الشمس أو انخفاض سرعة الرياح.
ويرى مختصون أن هذا الواقع يفسر استمرار التوسع في إنشاء محطات غاز جديدة في عدد من الولايات الأمريكية، بالتوازي مع التوسع في مراكز البيانات.
منافسة على موارد الطاقة
لا تقتصر المشكلة على زيادة الاستهلاك، بل تمتد إلى إعادة توزيع الموارد داخل الاقتصاد.
فكل ميجاواط يتم تخصيصه لمركز بيانات جديد يعني تقليص القدرة المتاحة لمصنع جديد أو مشروع إسكاني أو مستشفى أو منشأة صناعية، خاصة في المناطق التي تعاني محدودية قدرات شبكات الكهرباء.
ومع توقعات استمرار النمو السريع للذكاء الاصطناعي، قد تصبح إدارة الطلب على الكهرباء أحد أكبر التحديات أمام الحكومات خلال العقد المقبل.
الاقتصاد الأخضر أمام اختبار جديد
يرى خبراء الاستدامة أن الذكاء الاصطناعي أصبح ضرورة لتعزيز التنافسية الاقتصادية والابتكار، لكن نجاحه يجب ألا يكون على حساب الأمن المائي أو استقرار شبكات الكهرباء أو أهداف خفض الانبعاثات.
ويؤكدون أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستثمار في تقنيات تبريد أقل استهلاكًا للمياه، وزيادة الاعتماد على إعادة تدوير المياه داخل مراكز البيانات، إلى جانب تطوير شبكات الكهرباء وتوسيع أنظمة تخزين الطاقة، بما يسمح بدمج أكبر للطاقة المتجددة دون الإضرار باستقرار الشبكة.
كما يدعون إلى وضع سياسات تلزم شركات التكنولوجيا بتحمل التكلفة البيئية الكاملة لمشروعاتها، بما يحقق توازنًا بين النمو الرقمي والتحول نحو الاقتصاد الأخضر.
ويبدو أن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يتحدد فقط بسرعة تطوير الخوارزميات، بل أيضًا بقدرة العالم على إدارة موارده الطبيعية بكفاءة، لأن الثورة الرقمية، مهما بلغت من تطور، ستظل مرتبطة بحدود الأرض التي تقوم عليها.
