هل يخنق الاتحاد الأوروبي صناعة الحديد والصلب المصرية؟.. حظر خردة المعادن يهدد أهم مصادر الخام

أسامة فوزي: تنويع مصادر الخردة بعيدًا عن الاتحاد الأوروبي ممكن لكنه سيكون أكثر تكلفة

تواجه صناعة الحديد والصلب المصرية اختبارًا جديدًا مع اتجاه المفوضية الأوروبية إلى تشديد القيود على تصدير الخردة المعدنية إلى الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية «OECD»، في خطوة قد تهدد أحد أهم مصادر المواد الخام التي تعتمد عليها مصانع الحديد والصلب في مصر، إذا دخلت القواعد الجديدة حيز التنفيذ بصورتها الحالية.

وتدرس المفوضية الأوروبية، وفق مشروع القائمة التنفيذية المنشورة في سبتمبر 2026، عدم السماح لمصر باستقبال نفايات المعادن الحديدية وغير الحديدية من داخل الاتحاد الأوروبي بعد دخول القواعد الجديدة الخاصة بشحنات النفايات حيز التطبيق الكامل في 21 مايو 2027.

وتأتي هذه الخطوة في إطار اللائحة الأوروبية الجديدة لشحن النفايات، التي دخلت حيز النفاذ في 20 مايو 2024، فيما بدأت معظم أحكامها في التطبيق اعتبارًا من 21 مايو 2026، على أن تبدأ قواعد تصدير النفايات الجديدة إلى الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في 21 مايو 2027.

وتنص القواعد الأوروبية الجديدة، بصورة عامة، على حظر تصدير النفايات غير الخطرة إلى الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية اعتبارًا من 21 مايو 2027، مع استثناء الدول التي تطلب الاستمرار في استقبال النفايات وتثبت قدرتها على إدارتها بطريقة سليمة بيئيًا. وكانت المفوضية الأوروبية قد تلقت طلبات من 32 دولة وإقليمًا غير أعضاء في المنظمة، من بينها مصر والهند وباكستان والمغرب والسعودية.

مصر تقدمت بطلب لاستمرار استيراد الخردة

وبحسب الوثائق الأوروبية الرسمية، تقدمت مصر بطلبها إلى المفوضية الأوروبية في 21 فبراير 2025، وقدمت المعلومات المطلوبة، ثم طلبت المفوضية معلومات إضافية قدمتها مصر في 30 سبتمبر 2025 و8 يناير 2026.

وشمل الطلب المصري ثمانية أنواع مؤهلة من النفايات، من بينها نفايات المعادن الحديدية وغير الحديدية، إلى جانب الورق والمنسوجات والمطاط والأخشاب والزجاج والنفايات العضوية والغذائية الزراعية. وتحديدًا، شمل الطلب نفايات المعادن الحديدية تحت الرمزين B1010 وB1200، ونفايات المعادن غير الحديدية تحت الرموز B1010 وB1020 وB1050.

إلا أن التقييم الأوروبي الأولي خلص إلى أن مصر لم تثبت، وفق المعايير التي حددتها اللائحة، أنها وضعت وطبقت جميع الإجراءات الضرورية لضمان الإدارة السليمة بيئيًا للنفايات المعدنية، ولذلك أوصت المسودة الحالية بعدم السماح بتصدير النفايات المعدنية إلى مصر، بينما خلصت في المقابل إلى إمكانية إدراج مصر بالنسبة إلى أنواع أخرى من النفايات التي طلبت استيرادها.

وتوضح المفوضية الأوروبية أن تشديد التدقيق على النفايات المعدنية يرجع إلى ما قد تحتويه من معادن ثقيلة سامة، مثل الرصاص والزئبق والكادميوم والكروم سداسي التكافؤ، إضافة إلى أن عمليات تقطيع وصهر وتكرير المعادن قد تكون كثيفة استهلاك الطاقة والمواد الكيميائية، ويمكن أن ينتج عنها غبار وأبخرة ومخلفات ملوثة إذا لم تتم إدارتها وفق اشتراطات بيئية صارمة.

حظر خردة المعادن يهدد أهم مصادر الخام

1.86 مليون طن من خردة الصلب في عام واحد

وتكتسب الخطوة الأوروبية أهمية خاصة بالنسبة إلى مصر، في ظل اعتماد صناعة الحديد والصلب المصرية بصورة كبيرة على الخردة المستوردة.

فقد استوردت مصر ما يقرب من 1.86 مليون طن من خردة الصلب من داخل الاتحاد الأوروبي خلال عام 2025، وحوالي 2.12 مليون طن أخرى خلال النصف الأول من عام 2026، بزيادة بلغت 59.7% على أساس سنوي، وفق البيانات الواردة في المادة.

وبحسب الأرقام المنسوبة إلى معهد الفلزات الدولي والمنظمة الدولية لأبحاث الحديد والصلب ويوروستيل، فإن مصر تعد ثالث أكبر مستورد للخردة المعدنية من داخل الاتحاد الأوروبي على مستوى العالم، وفقًا لما أوردته «بوليتيكو»، فيما يأتي ما يقرب من 50% من إجمالي إمدادات الخردة الحديدية في مصر حاليًا من دول الاتحاد الأوروبي.

وتزداد حساسية الوضع بالنسبة إلى مصانع الحديد المصرية لأن الخردة تمثل المادة الخام الأساسية الأخرى لمصانع أفران القوس الكهربائي «Arc Furnace»، التي تعتمد بصورة أساسية على الكهرباء في عمليات الإنتاج.

وتعد مصر بالفعل ثاني أكبر مستورد للبليت في العالم، بسبب محدودية إنتاج البليت المحلي، الذي يتوافر بصورة أساسية في مصانع حديد الدخيلة وحديد عز وبشاي للصلب، وهو ما يجعل الخردة موردًا رئيسيًا لمصانع الأفران الكهربائية ومصانع الدرفلة.

ماذا يحدث إذا توقفت الخردة الأوروبية؟

في حالة تطبيق القرار بصورته الحالية، فإن فقدان الإمدادات الأوروبية يمكن أن يجبر مصانع الحديد والصلب والدرفلة في مصر على البحث عن مصادر خردة بديلة أو زيادة الاعتماد على الحديد المختزل المباشر «DRI»، وهو ما قد يحمل آثارًا مباشرة على تكاليف الإنتاج والخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد.

ومع ذلك، فإن مصر لا تعتمد بصورة مطلقة على أسواق الاتحاد الأوروبي في الحصول على الخردة، إذ يتم تداول الخردة عالميًا وفق معايير ومؤشرات عالمية، وليس باعتبارها سلعة مرتبطة بسوق أوروبية مغلقة.

وتحدد الأسعار في تجارة الخردة وفق معيار روتردام الذي ترتبط به تجارة الخردة العالمية، وهو ما يفسر اعتماد مصر في بعض الأحيان على مصادر خارج الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الولايات المتحدة والصين وأستراليا.

هل تستطيع أوروبا الاستغناء عن تصدير الخردة؟

بالنسبة إلى احتياجات السوق الأوروبية من الخردة، فإن المصانع الأوروبية تغطي احتياجاتها من الخردة المحلية أولًا، ثم تقوم بتصدير الفائض.

ويرى المهندس أسامة فوزي جورجي، المؤسس والرئيس التنفيذي لمنصة «هيدروجين إنتيليجينس»، أن حظر تصدير الخردة يمكن قراءته أيضًا في إطار استراتيجية أوسع تستهدف حماية وتعزيز القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية، في ظل تصاعد الإجراءات الحمائية والتجارية عالميًا.

أسامة فوزي

ويشير إلى أن هذا التوجه يأتي في سياق التحولات الكبيرة التي شهدها الاقتصاد الأوروبي، خصوصًا بعد أزمة الطاقة والحرب الروسية الأوكرانية، التي أنهت عمليًا مرحلة اعتماد أوروبا على الغاز الطبيعي الروسي عبر خطوط أنابيب «نورد ستريم 1» و«نورد ستريم 2»، الذي كان قد اقترب من التشغيل قبل الحرب الروسية الأوكرانية.

أوروبا أقرب.. لكن البدائل موجودة

وتكمن إحدى المشكلات الرئيسية أمام مصر في تكلفة النقل.

فوفق تقديرات المهندس أسامة فوزي جورجي، تتراوح تكلفة شحن الخردة من أوروبا إلى الموانئ المصرية على البحر المتوسط، وبالتحديد الدخيلة ودمياط، حاليًا بين 20 و25 دولارًا أمريكيًا للطن، مقابل نحو 35 إلى 40 دولارًا للطن عند الشحن من الأسواق البعيدة، مثل الموانئ الصينية أو موانئ شرق الولايات المتحدة.

وقد تتسع الفجوة خلال الفترة المقبلة لتصل إلى نحو 25 دولارًا للطن في ظل استمرار التقلبات الجيوسياسية، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى زيادة مباشرة في تكاليف إنتاج الحديد والصلب المصري.

ويشير جورجي إلى أن الوصول إلى مصادر بديلة للخردة ممكن من حيث المبدأ، لكنه قد يكون مرتفع التكلفة اقتصاديًا ولوجستيًا، بسبب توافر الخردة، ومسافات الشحن، وتكاليف النقل والتخزين، وسلاسل الإمداد والتوريد.

وبالتالي، فإن تنويع مصادر الخردة بعيدًا عن الاتحاد الأوروبي ممكن، لكنه سيكون أكثر تكلفة.

مصر تتحرك لزيادة إنتاج الخردة المحلية

في المقابل، تسعى الحكومة المصرية إلى بناء قدرة اقتصادية كبيرة لإنتاج الخردة محليًا، من خلال تطوير ساحة لتفكيك السفن المتقادمة في رصيف ميناء دمياط.

ويستهدف المشروع نحو 1.5 مليون طن من الخردة سنويًا على مدى خمس سنوات، وهو حجم يمكن أن يغطي نحو 66% من الطلب المحلي وفق مستويات الطلب في عام 2024.

كما وقعت الحكومة المصرية مذكرة تفاهم منفصلة مع شركة الشحن العالمية «ميرسك» في فبراير 2025، لتوفير خردة الحديد الناتجة عن السفن غير الصالحة للإبحار، ضمن تصور لإنشاء مرفق واعد لإعادة تدوير الخردة الخضراء في ميناء دمياط وميناء شرق التفريعة ببورسعيد.

إلا أن كلا المشروعين لا يزالان في مرحلة التخطيط، ولم يتم الكشف حتى الآن عن جداول زمنية نهائية لتنفيذهما.

الطاقة الخضراء والهيدروجين في صناعة الحديد

ويشدد المهندس أسامة فوزي جورجي على ضرورة أن تتجه الصناعات كثيفة الطاقة والملوثة للبيئة إلى الاعتماد بصورة أكبر على الطاقة الجديدة والمتجددة، واستخدام الكهرباء الخضراء المنتجة من مصادر الرياح والطاقة الشمسية، إلى جانب استخدام الهيدروجين الأخضر كوقود نظيف ومستدام في عمليات اختزال خام الحديد.

ويرى أن هذا التحول أصبح ضروريًا ليس فقط لأسباب بيئية، ولكن أيضًا لمواكبة متطلبات الأسواق الدولية وآليات تعديل حدود الكربون، بما في ذلك آلية تعديل حدود الكربون في المملكة المتحدة UK CBAM وآلية تعديل حدود الكربون في الاتحاد الأوروبي EU CBAM.

ويضع هذا الملف صناعة الحديد المصرية أمام تحدٍ مزدوج: تأمين المواد الخام من جهة، وخفض البصمة الكربونية للإنتاج من جهة أخرى.

حظر خردة المعادن يهدد أهم مصادر الخام

الجزائر قد تكون أحد الحلول

ويرى جورجي أن مصر لديها عدد من البدائل والخيارات، مشيرًا إلى أن بعض شركات صناعة الصلب المصرية بدأت بالفعل في دراسة إقامة استثمارات خارج البلاد.

ومن أبرز الأمثلة التي يشير إليها القرار الاستراتيجي لشركة حديد عز بدراسة إنشاء مصنع حديد وصلب متكامل في الجزائر، لإنتاج البليت، في ظل توافر الغاز الطبيعي هناك.

ويرى أن هذا النموذج يمكن أن تحذو حذوه شركات مصرية أخرى، خاصة أن إقامة مصانع في دول تتوافر فيها مصادر الطاقة والخامات يمكن أن تساعد على تحقيق قدر أكبر من التوافق مع متطلبات آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية.

وبحسب الطرح الوارد في المادة، فإن إقامة إنتاج خارج مصر يمكن أن تكون إحدى الوسائل التي تساعد شركات الصلب على التعامل مع القيود التجارية والبيئية، بما في ذلك متطلبات CBAM.

تركيا.. بوابة محتملة للخردة الأوروبية

ومن الخيارات الأخرى التي يمكن لمصر اللجوء إليها إعادة استيراد الخردة عبر تركيا، التي تعد من أكبر مستوردي الخردة في العالم.

ومع تنامي العلاقات السياسية والتجارية بين مصر وتركيا، يمكن لمصر شراء خردة ذات أصل أوروبي بصورة غير مباشرة عبر السوق التركية، إلا أن هذا المسار سيضيف أعباء جديدة تتمثل في تكاليف التخزين بالموانئ التركية والنقل البحري والتداول وإعادة التصدير.

وبالتالي، فإن الخيار التركي يمكن أن يوفر منفذًا للخردة، لكنه لن يكون بالضرورة بديلًا منخفض التكلفة للخردة التي تصل مباشرة من الموانئ الأوروبية إلى الموانئ المصرية.

التفاوض مع بروكسل.. هل ما زالت الفرصة قائمة؟

ويؤكد المهندس أسامة فوزي، أن المسودة الحالية ليست قرارًا نهائيًا، وأنه لا يزال أمام مصر مجال للتحرك والضغط من أجل العودة إلى قائمة الدول المصرح لها باستيراد الخردة المعاد تدويرها قبل دخول القرار حيز التنفيذ.

وبحسب الإطار الأوروبي، فإن القائمة النهائية للدول المسموح لها باستقبال أنواع محددة من النفايات من الاتحاد الأوروبي من المقرر اعتمادها بحلول 21 نوفمبر 2026، بينما يبدأ الحظر العام على تصدير النفايات غير الخطرة إلى الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في 21 مايو 2027.

ومن المرجح، وفق رؤية جورجي، أن يتطلب الأمر من مصر التفاوض مع المفوضية الأوروبية وتقديم ما يثبت قدرة الصناعة المصرية على إدارة الخردة بصورة سليمة بيئيًا، وربما تقديم ترتيبات متبادلة في الوصول إلى السوق المصرية أو أدلة موثوقة على توافق الصناعة المصرية مع متطلبات المناخ والبيئة الأوروبية وآلية تعديل حدود الكربون.

ولا يعني استبعاد الخردة المعدنية في المسودة الحالية أن مصر خرجت بالكامل من قائمة الدول التي يمكنها استقبال النفايات الأوروبية؛ فالوثيقة الأوروبية تقصر المنع المقترح على بعض أنواع النفايات، ومن بينها النفايات المعدنية، بينما يمكن السماح لأنواع أخرى وفق التقييم الأوروبي.

قيود الخردة ليست الضغط الوحيد على الحديد المصري

ولا يمثل تقييد تصدير الخردة الأوروبية إلى مصر الضغط التجاري الوحيد الذي تواجهه صناعة الصلب المصرية.

فقد خسرت مصر، وفق الأرقام الواردة في المادة، نحو 213 مليون دولار أمريكي من صادرات الصلب بسبب قيود مكافحة الإغراق التي فرضها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

ويعني ذلك أن صناعة الحديد والصلب المصرية تواجه في الوقت نفسه تحديات تتعلق بتأمين المواد الخام، وتكاليف الطاقة والنقل، والوصول إلى الأسواق الخارجية، والاشتراطات البيئية والكربونية، إضافة إلى الإجراءات الحمائية والتحقيقات التجارية.

أسواق بديلة للصادرات المصرية

وفي مواجهة القيود المفروضة على دخول بعض الأسواق التقليدية، تبرز الحاجة إلى فتح أسواق جديدة خارج الاتحاد الأوروبي، وخصوصًا مع توقعات زيادة الطلب المرتبط بإعادة الإعمار في غزة والسودان وليبيا ولبنان.

وتتمتع مصر، وفق الطرح، بعدة مزايا في هذه الأسواق، في مقدمتها القرب الجغرافي والعلاقات الاقتصادية والسياسية، بما يمكن أن يمنح المنتجات المصرية ميزة في تكلفة النقل وسرعة الوصول مقارنة بالمنافسين القادمين من مسافات أبعد.

كما أن توجه الحكومة المصرية إلى مد شبكات الطرق والنقل البرية، ومد خطوط الكهرباء إلى السودان وليبيا، وتوفير إمدادات الطاقة المحلية المستقرة لصناعة الحديد والصلب، إلى جانب وجود عدد كبير من المقاولين المصريين والعمالة المصرية في هذه الأسواق، يمكن أن يدعم قدرة الشركات المصرية على المشاركة في مشروعات إعادة الإعمار.

مقالب السيارات القديمة.. ثروة خردة غير مستغلة

وهناك بديل آخر يرى المهندس أسامة فوزي أن البعض أغفله، أو لم يولِه الاهتمام الكافي، ويتمثل في كميات السيارات القديمة والمتهالكة الموجودة في مصر منذ عقود.

ويطرح جورجي فكرة إنشاء منظومة ضخمة لتجميع وتفكيك وضغط السيارات التي انتهى عمرها التشغيلي، على غرار مكابس السيارات المستخدمة في الولايات المتحدة، وتحويلها إلى مصدر منظم للخردة المعدنية لصالح مصانع الحديد المصرية.

ويرى أن هذا المورد يمكن أن يمثل أحد الحلول المهمة لتوفير الخردة محليًا بدلًا من الاعتماد على استيرادها بالعملة الصعبة، خصوصًا إذا جرى تنظيم عمليات جمع السيارات المتهالكة وتفكيكها وفرز المعادن وإعادة تدويرها على نطاق صناعي واسع.

ماذا يجب أن تفعل مصر الآن؟

في ضوء هذه التطورات، يرى جورجي أن التعامل مع الملف يتطلب تحركًا مصريًا سريعًا على أكثر من مسار في الوقت نفسه.

المسار الأول يتمثل في التفاوض مع المفوضية الأوروبية قبل اعتماد القائمة النهائية، وتقديم أدلة تفصيلية على قدرة مصانع إعادة تدوير ومعالجة الخردة المصرية على الإدارة السليمة بيئيًا.

والمسار الثاني هو الإسراع في إنشاء منظومة الخردة المحلية، بما يشمل تفكيك السفن، وتدوير السيارات المتهالكة، وزيادة معدلات جمع وفرز المعادن من مخلفات الصناعة والإنشاءات.

أما المسار الثالث فيتمثل في تنويع مصادر الاستيراد وعدم الاعتماد على أوروبا كمصدر رئيسي، من خلال بناء علاقات توريد طويلة الأجل مع الولايات المتحدة والصين وأستراليا وتركيا وغيرها من الأسواق.

والمسار الرابع هو خفض البصمة الكربونية لصناعة الحديد والصلب المصرية عبر التوسع في الكهرباء المولدة من الطاقة الشمسية والرياح، واستخدام الهيدروجين الأخضر، بما يرفع قدرة المنتجات المصرية على النفاذ إلى الأسواق التي تفرض اشتراطات كربونية أكثر صرامة.

والمسار الخامس يتمثل في تنويع الأسواق التصديرية، خصوصًا في الدول القريبة جغرافيًا والتي تحتاج إلى كميات كبيرة من منتجات الحديد والصلب نتيجة مشروعات إعادة الإعمار والبنية التحتية.

معركة الخردة.. أزمة أم فرصة لإعادة بناء الصناعة؟

وفي النهاية، لا تبدو أزمة الخردة الأوروبية مجرد قضية تتعلق بمصدر واحد للمواد الخام، وإنما تكشف عن تحدٍ أوسع أمام صناعة الحديد والصلب المصرية يتعلق بضرورة إعادة بناء منظومة متكاملة للمواد الخام والطاقة والتدوير والتصدير.

فإذا دخلت المسودة الأوروبية حيز التنفيذ بصورتها الحالية، فإن مصر ستفقد مصدرًا مهمًا من مصادر الخردة، لكنها لن تفقد جميع الخيارات.

وتظل أمام القاهرة فرصة للتفاوض مع بروكسل قبل اعتماد القائمة النهائية، بالتوازي مع تسريع مشروعات إنتاج الخردة محليًا، وتنويع مصادر الاستيراد، والاستثمار في الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، وفتح أسواق تصديرية جديدة.

وتشير الوثائق الأوروبية نفسها إلى أن القائمة الحالية ليست نهائية، وأن القائمة الأولى للدول المصرح لها باستقبال النفايات غير الخطرة من الاتحاد الأوروبي سيتم اعتمادها بحلول 21 نوفمبر 2026، مع إمكانية تحديثها دوريًا.

وبذلك، فإن السؤال بالنسبة إلى صناعة الحديد المصرية لا يقتصر على ما إذا كانت أوروبا ستغلق باب الخردة، وإنما يمتد إلى قدرة مصر على بناء منظومة محلية وإقليمية تستطيع تأمين احتياجات الصناعة من الخردة والمواد الخام، وخفض تكلفة الإنتاج والبصمة الكربونية، والحفاظ على القدرة التنافسية في الأسواق العالمية.

↑
Exit mobile version