هناك ثلاثة خيارات محورية يجب على الحكومات اتخاذها لتشكيل مستقبل الإنسانية.
كتب محمد بن عبدالله الجرجوي، وزير شؤون مجلس الوزراء، بدولة الإمارات ، مقالا عبر المنتدي الاقتصادي العالمي بمناسبة الاجتماع السنوي للممنتدي، أكد أن العقد القادم لن يقرر الخوارزميات أو الأسواق أو الأزمات وحدها، بل ستحدده اختيارات الحكومات، الثروة أم الرفاهية، الهشاشة أم الثقة، الانقسام أم التعاون—ليست مجرد مخاطر منفصلة، بل مسارات مترابطة.
وأوضح أن القرن الحادي والعشرون بدأ بمخاوف من سطر برمجي. سيطر موضوع Y2K على العناوين، وكانت المخاوف من تعطل الحواسيب وسقوط الطائرات وفقدان البنوك لسجلاتها، جاء منتصف الليل ولم ينهار شيء.
لكن الصدمات الحقيقية كانت نتيجة اختيارات البشر: الحروب، الاضطرابات الاجتماعية، الكوارث الطبيعية، الجوائح، والهجمات الإلكترونية.
في الوقت نفسه، توسعت قدرات البشرية أسرع من أي وقت مضى. منذ عام 2000، تضاعف الناتج المحلي الإجمالي العالمي أكثر من ثلاثة أضعاف، وتزايدت التجارة بشكل كبير، وتم رفع نحو 1.5 مليار شخص من فقر مدقع.
كما تضاعفت البيانات، وارتفعت منصات التكنولوجيا الرقمية، وتحولت الذكاء الاصطناعي من نظرية إلى تقنية تؤثر في تفاصيل حياتنا اليومية.
نعيش في أكثر فترات التاريخ تذبذبًا وقدرة، هذا التوتر هو ما يميز عصرنا: لدينا إمكانيات أكبر من أي جيل سابق، لكننا غير متأكدين مما إذا كنا سنستخدم هذه القوة بحكمة.
الخيارات المحورية للحكومات
الخيار الأول: الثروة أم الرفاهية؟
ويوضح أن الحوكمات أثبتت القدرة على النمو الاقتصادي، لكننا لم نثبت بعد قدرتنا على النمو بشكل مستدام ورفاه، فبينما يرتفع الناتج المحلي الإجمالي والأسعار المالية، تتزايد القلق والاكتئاب والشعور بالوحدة في جميع أنحاء العالم.
أكثر من مليار شخص يعانون من اضطرابات الصحة النفسية، وفي عام 2021، قُدر عدد الوفيات الناتجة عن الانتحار بحوالي 727 ألف شخص، ليصبح أحد الأسباب الرئيسية للوفاة بين الشباب عالميًا.
التكلفة الاقتصادية ضخمة؛ فالاضطرابات النفسية وحدها تكلف الاقتصاد العالمي نحو تريليون دولار سنويًا نتيجة فقد الإنتاجية، دون احتساب المعاناة الإنسانية.
النقاش الحقيقي ليس حول النمو أو توقفه، بل حول تحقيق الثروة مع الرفاهية، لضمان أن تكون الازدهار ليس فقط في الأرقام، بل محسوسًا في المنازل وأماكن العمل والمجتمعات.
الخيار الثاني: الهشاشة أم الثقة؟
كل نظام حكومي يعتمد على أصل غير مرئي: الثقة. الثقة ليست مجرد شعور، بل مورد سياسي واقتصادي حيوي. في المجتمعات التي تتمتع بثقة عالية، يمكن تنفيذ الإصلاحات واتباع القواعد وإدارة الصراعات بسهولة أكبر.
أما حيث الثقة منخفضة، فحتى السياسات الجيدة تفشل.
الثقة في الحكومات العالمية حوالي 52% فقط، ونحو 36% فقط يعتقدون أن الجيل القادم سيكون أفضل حالًا.
في معظم الدول المتقدمة، أقل من واحد من كل خمسة يشارك هذا الاعتقاد.
يجب الآن تصميم الثقة وقياسها واستثمارها بوعي، مثل الطرق أو شبكات المعلومات. أمام الحكومات خياران: قبول الهشاشة كأمر طبيعي، أو اعتبار الثقة بنية استراتيجية أساسية.
الخيار الثالث: الانقسام أم التعاون؟
تقدر صندوق النقد الدولي أن انهيار العولمة قد يكلف الاقتصاد العالمي حتى 7% من الناتج المحلي الإجمالي، على الرغم من أن التكامل العالمي ساعد في خفض الفقر وتقليل التكاليف وخلق ملايين الوظائف، إلا أن الحماية الاقتصادية والعوائق التجارية تتزايد.
منذ عام 2022، تم إدخال نحو 3 آلاف سياسة تجارية مقيدة سنويًا—خمسة أضعاف عددها في 2017.
الخيار واضح: الانعزال والانقسام مع زيادة التكاليف والتقلبات، أو إعادة الالتزام بالعولمة بطريقة أكثر عدلاً ومرونة وشمولية.
أجندة الحوكمة: من القوة إلى الهدف
العقد القادم سيحدث في ظروف غير مسبوقة: نحو 9 مليارات شخص يعيشون لفترة أطول، في عالم متصل بمليارات الحساسات والأجهزة والأنظمة الذكية.
أدوات مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية تتجاوز ما تخيله أي جيل سابق.
لكن الأدوات بلا هدف، القوة لا تأتي مع تعليمات. الثروة أم الرفاهية، الهشاشة أم الثقة، الانقسام أم التعاون، هذه الخيارات الثلاثة تشكل أجندة حوكمة واحدة متكاملة.
تعزز هذه الخيارات بعضها البعض: الرفاهية تقوي الثقة؛ الثقة تمكّن التعاون؛ التعاون يعزز الاستقرار، والعكس صحيح: الانقسام يقوّض الرفاهية، ويضعف الثقة، ويزيد الاضطراب.
في النهاية، السؤال الأساسي ليس ما الذي سيأتي به المستقبل، بل من سنكون عندما يصل.
الإجابة أقل كتابة بالكود وأكثر كتابة في الدساتير، الميزانيات، اللوائح، والاتفاقيات الدولية.
يعتمد الأمر على شجاعة ووضوح الحكومات والمؤسسات والمواطنين. نحن الجيل الأول بقدرات غير مسبوقة، وربما الأخير الذي يمتلك الخيار الحقيقي: استقرار العالم أو زعزعته.
